عبدالعزيز الحيص

عبدالعزيز الحيص

 

أعقب ظاهرة الربيع العربي جدل واسع، تركزت ملامحه بشكل واضح في الحديث عن الديمقراطية والشأن المدني للدول العربية الحديثة. ولم يكن للوعاظ التقليديين في المدن العربية سهم وافر  هنا باعتبار أن رأس مالهم المعرفي يختلف عن ذلك المطلوب في هذا الجدل. لذا شاهدنا انزياحا نسبيا لدور الداعية التقليدي في هذا المشهد، وبرز دور المثقفين الذين يجلّون للمتابع العربي أهم الأفكار والنقاشات التي حملتها عملية التحول والإصلاح السياسي اليوم.

ولأن الصراع الحقيقي اليوم لا يكمن بين أيديولوجية وأخرى، بقدر ما يتجلى في الصراع بين من هو محافظ على "الوضع القائم" ومن يدعو إلى تغييره، فإن البحث عن جنود المحافظة على الأوضاع القائمة بقي المطلب المستمر على الدوام.

المثقف الواعظ هو الذي يلبّس على الناس أن التنمية تلغي الحاجة للديمقراطية، وأن وجود الإنسان يتجسد في "ثقافة المزايا" لا "ثقافة الحقوق"

ولأن الواعظ التقليدي، الذي يكرس الوضع القائم، أصبح غير فاعل في هذا المجال المطلوب اليوم، وجد احتياج ملح في الحالة الخليجية لذلك "المثقف" الواعظ، الذي يتباكى في الصحف والقنوات على حال العرب بعد الربيع، والذي يلبّس على الناس أن التنمية (إن وجدت) تلغي الحاجة للديمقراطية، وأن وجود الإنسان يتجسد في "ثقافة المزايا" لا "ثقافة الحقوق"، وأن الناشطين والمفكرين الناقدين ليسوا سوى شرارات عابرة لا تمثل وجودا طبيعيا تحتاجه البلاد.       

في بلداننا الخليجية أصبح المثقف الناقد هو الهامش، بينما مثقف "حراسة" الوضع القائم هو الأصل الذي يكون مُبرزاً لك في كل زاوية إعلامية. بينما أصل الحركة والتغير  يتأسس على العكس. فأي وطن في أي زمان ومكان، محتاج إلى أن ينتقل من مستوى إلى آخر أفضل منه. فالأوطان مثل الأفراد، تظل تترحّل من نقطة إلى أخرى في عملية مستمرة، فإما إلى تقدم أو تراجع، وليس لها نقطة ثبات. والتأمل والوقوف الطويل أمام حال الأوطان هو ما يقود إلى معرفة احتياجاتها، فلا بد من تشخيص ناقد حتى يستمر السير إلى الأمام.

واصطياد مواطن الضعف والقصور وجوانب الخلل ليس هواية ولا رغبة مجردة، بل هو من صميم الوظيفة النقدية للمثقف أو المفكر. فهذا هو الجانب القادر على عمل ترقية وتحسين، وأية أحاديث فكرية سوى النقد ليست فاعلة ولا منتجة. كما أنه لا بد من مساحة استقلال للمثقف والمفكر الناقد عن الكيانات التي ينتمي إليها، حتى تحفظ له استقلاله وتمكنه من النقد والرؤية والمراجعة المستمرة، وهي كلها ممارسات تصب في النهاية في مصلحة هذه الكيانات نفسها.

وكلما ضعفت واختفت مساحة الاستقلال، كلما قلّت القدرة على التحليل وضعفت القدرة على إدراك العلاقات والروابط بين الأمور. وهذا ما أساء للعرب في تاريخهم الحديث، وأضعف قدرتهم النقدية، حيث إن شمولية الدولة العربية ومركزيتها، خنقت كل المساحات اللازمة للإبداع والتجديد والفكر.

والكتابة بدورها أصبحت كما يصف نزار "وظيفة أميرية (حكومية) فيها كل طمأنينة الوظيفة، وطاعتها وقدريتها وانضباطها... وثلاثة أرباع الكتاب العرب "موظفون أميريون" يكتبون وفي جيوبهم "بوليصة" تأمين ضد الفقر، والمرض، والشيخوخة والطرد التعسفي، لذلك فهم عاجزون عن إعلان أي إضراب وعن السير في مظاهرة..".

لكن اليوم، أصبحنا محظوظين عبر الإنترنت وشبكات الإعلام الجديد التي مكّنت من إشاعة جو من النقد والتحرر الثقافي، يخالف ما كانت عليه الحال زمن سيطرة الإعلام الرسمي. ولكن تبقى عقبتان أمام الثقافة الناقدة: الأولى هي عدم تقدير النقد كممارسة ثقافية منتجة، وذلك يحدث عبر فئات متنوعة تعادي النقد وتقوم بإعطائه توصيفات أخرى تسلب منه طبيعته وماهيته، منها وصوف التجريم والتسطيح والدفع إلى التجاهل له كممارسة شرعية.

والعقبة الثانية تكمن في مدى قدرة الناقد على التشخيص ومعرفة ما يستحق النقد، ذلك لأن "الهيمنة الحديثة" قد طوّرت من نفسها بدرجة يصعب معها تشخيصها، والقبض على هذا المنطق الذي تهيمن من خلاله. ومن هنا لم يعد النقد عملية مباشرة، وإنما مركّبة وتحتاج إلى تفكيك للكثير من الأبعاد المتداخلة. فالهيمنة الجديدة عائمة، يصفها "بورديو" بأنها كائن بلا كيان، وفوكو يخبر أنها هيمنة لا تُرى، ومع ذلك تغزونا وتأتينا من كل مكان.

وفي حالتنا، حالة الدولة الخليجية، لدينا جوانب قلق مجتمعي تحتاج إلى بسط، وحالة قصور تحتاج إلى تشخيص، يأتي في مقدمتها مسألة الانتقال إلى الدولة الحديثة، دولة المواطنة والمشاركة السياسية. فدول الخليج كما وصف خلدون النقيب قد انتقلت إلى مرحلة "الدولة التسلطية" دون المرور بمرحلة "الدولة الوطنية" (المجتمع والدولة في الخليج والجزيرة العربية، ص143).

والنخبة المثقفة مدنياً وفكرياً هي الفئة القادرة على تحقيق إنجاز وعمل في هذا الموضع، باعتبار أنها تملك الأدوات والمفاهيم اللازمة لتهيئة هذا التحول المطلوب، وباعتبارها أيضاً القادرة على تفكيك منطق الهيمنة الحديثة وإدراك تعقيداته وإشكالاته. في الوقت الذي يسهل على الهيمنة فيه اختراق أفراد وفئات أخرى وجعلهم أدوات لها، فهي هيمنة تأتي بلبوس صديق وتوفر ممارسات ارتزاقيه ونفعية واستهلاكية وعلاقات اتكال ودعم ومزايا نوعية تؤثر على النمط الطبيعي والمفترض للعلاقات في المجتمع. 

حين أصبح القيادي في النخب الموجودة في مجتمعاتنا يحوز "المناصب" والامتيازات، تحولت هذه المناصب إلى رزايا لا مزايا للمجتمع، وانتقلت من كونها "عونا" لتصبح "فرعونا"

وتبعاً لنسق الدولة "الريعية" المهيمن لدينا، تعتبر ثقافة المزايا التي ضيقت على ثقافة الحقوق إحدى الملامح الواضحة لهذه الهيمنة. وكما تصف الكاتبة والأكاديمية الإماراتية ابتسام الكتبي فإن "دور الدولة كموزع للمزايا والمنافع انعكس على علاقة الأفراد بهذه الدولة ونظرتهم إلى حقوقهم في المشاركة، حيث أًصبح جلهم أقل تشدداً في المطالبة بهذه الحقوق. وخصوصاً في ظل غياب أو ضآلة حجم الأعباء المفروضة عليهم بوجه عام، فضلاً عن قناعة المواطن العادي بأن مجرد الحديث وليس الانتقاد الصريح أو المستتر للأوضاع القائمة أو المطالبة بالمشاركة هو من الأمور المحفوفة بالمخاطر، وأن الولاء للدولة مطلوب للحصول على المنافع" (ابتسام الكتبي، "التحولات الديمقراطية في منطقة دول مجلس التعاون الخليجي"، دراسة في المستقبل العربي، العدد 257). 

لقد أثّر الريع عندما أنتج حالات انسحاب لنخب متنوعة من دورها التاريخي لدينا. فالنخبة الاقتصادية مثلاً انسحبت من هذا الدور بعد أن كان التجار تاريخياً ممولين مؤثرين في ميزانية البلدان الخليجية، لكن عائدات النفط حرّرت الحكام من الاعتماد عليهم، واكتفى التجار فقط بمطاردة نصيبهم من سياسات توزيع الريع. ولم تعد النخبة الاقتصادية نخبة متماسكة ومشاركة وذات وعي بدورها في الإنتاج وتطور العملية الاقتصادية والسياسية والتجارية.

وشيخ القبيلة سابقاً كان أبا روحيا للقبيلة، يشارك أبناءها المشورة والرأي والتفاعل والتأثير المتبادل، لكن حين حظي بامتيازاته في ظل الدولة انقطع كل ذلك، وأصبح دوره ضعيفاً متمحوراً حول الامتياز الشخصي، خصوصا بعد قدوم الجهاز البيروقراطي للدولة الذي يتعامل معه الأفراد مباشرة.

كما أن تحول شيخ الدين إلى منصب "رسمي" في ظل الدولة، أفقده وهجه وفيضه الطبيعي الخلاق الذي طالما رفد المجتمع، وأثّر على وجاهة دوره لدى قطاع كبير من المجتمع، حيث كان من المفترض أن يظل كدور في مستواه التواصلي الطبيعي، لا أن يأتي كدور يتم ترسيمه من الأعلى.

إن هذه النخب على تنوعها هي ذات وجود تقليدي طبيعي، لكن حين أصبح القيادي في هذه النخب يحوز "المناصب" والامتيازات، تحولت هذه المناصب إلى رزايا لا مزايا للمجتمع، وانتقلت من كونها "عونا" لتصبح "فرعونا". لقد أثّر هذا التقاطع مع "متغير" الدولة الحديث على القيمة الرمزية للنخب، وأدى إلى قلب أولوياتها بطريقة لم يعد المجتمع وأفراده هم أساسها ومقاصدها. 

وليست الطبقة المثقفة بمنأى عن هذه المؤثرات في دولة الريع. بل كان لفئة كبيرة منهم انسحابا مريعاً قام بتحويلهم إلى سماسرة أفكار، وباعة مجهولين، ومتسوقي مزايا. بل الأقرب أن النخبة المثقفة هي الأخطر من بين النخب، فهي توصف بأنها "الفئة الأكثر قدرة على تبرير أخطائها". ولا يوجد مجمّل اليوم لمصلحة سلطة سياسية مثل مثقف لديه اللغة، ولديه المعلومات والأفكار القادرة على تبرير ما لا يبرر.

لكن مع ذلك تبقى أهمية الجزء الواعي والناقد من النخبة المثقفة لأنها الفئة الأكثر قدرة على التشخيص، والأكثر إحاطة بالشأن المدني وإشكاليات الدولة الحديثة والفكر العربي الحديث. إن المثقفين كيان قومي عابر للطبقات، وينتسبون لجميع الشرائح الاجتماعية. وكمواطنين يهمنا أمر تلك النخبة القادرة على تجذير وبث مفاهيم الدولة الحديثة وروح المدنية، فأي تحول لن ينتج بلا تهيئة ثقافية تأخذ مكانها قبله. وهو تحول يأتي عبر ذلك المثقف الذي لا يحول الفكر والثقافة إلى امتياز ومشروع شخصي، والمنتمي لطبقة مثقفة واعية بدورها وقدرتها على التغيير والتأثير.

إن أفكارنا عن الإصلاح تحتاج إلى إصلاح. وصف الجابري أن فكرة "الإصلاح" في المرجعية التراثية العربية الإسلامية تعاني من تكبيلها بالشبهات!. وحاضراً، نجد أن الوضع القائم والسائد في الدولة الخليجية تحوطه وتحرسه الكثير من الأدبيات، والرؤى الثقافية الرائجة، منها تلك التي ترى أن "التنمية" تغني عن المشاركة والتحديث السياسي، والتي تستدعي فشل الماضي بشكل غريب لكي تشوش على أي حراك، وتلك التي رأت أن فوز الإسلاميين ملغ للديمقراطية، أو التي تقر الترابط بين التحديث والاقتصاد بينما تنكر ارتباطه بالبعد السياسي والاجتماعي.  

إن المهمة أمام الريع ليست سهلة. لقد رأى جمال حمدان أن جذوة الاشتراكية التي أشعلها "الفقر" في مصر قد أطفأها البترول العربي. ولاحظنا كيف أن التمدد الرأسمالي واختلالاته وقت السادات ومبارك قد أتعب مصر. وبالفعل، لعب البترول طوال العقود السابقة دوراً في حسم جدل وصراع الفكر والثقافة والأيديولوجيا بمنطق خارج عن منطق هذه الممارسات، وبطرق أعقبت ظواهر غير صحية، كسيادة ممارسات البحث عن المال والرفاه.

وقد علق أحد الكتاب مرة أن "الحياة الفكرية والثقافية في بلد مثل المغرب ظلت على قدر كبير من الحيوية والجدية والإبداع. إذ لم يصل من رذاذ النفط هناك سوى النزر اليسير". وهذا ما يثير التوجس أن الثقافة المدنية والحقوقية الناشطة مؤخراً في بلدان الخليج، ستتعرض لأزمات وهزات، قد تسلم منها وقد لا تسلم.  

الوضع القائم بحاجة لتحليل، حتى يتبين لنا بصدق إن كان الأفضل بقاءه كما هو أم إنه محتاج إلى تغيير. ولن يكون مفيدا لنا ذلك المثقف الذي يسارع لتكريس سياسات قديمة عفا عليها الزمن

إن الموقف الفكري يعني الوعي بالقيم لدى الإنسان، والمراهنة على أولوياتها. ووعي المجتمع لا يفترض أن يكون رهيناً لوعي فئة تألف دوما القرب من مصالحها، وتعمل بجد على اقناع باقي المجتمع أن مصالحه هي مصالحها أو مصالح من تعمل لحسابهم. إن الإنسان الخالي من الموقف هو إنسان بلا طريق فكيف ينتظر منه أن يدل غيره!. وصانع العلاجات والأدوية الطبية حين يعمل في سياق تسيطر عليه الشركات وقوى السوق، سيجد نفسه شريكا لهم إن سكت على ممارساتهم الارتزاقية على حساب الإنسان. 

إن الوضع القائم بحاجة لتحليل، حتى يتبين لنا بصدق إن كان الأفضل بقاءه كما هو أم إنه محتاج إلى تغيير. وبالتأكيد لن يكون مفيدا لنا في عملية التفحص والنظر ذلك المثقف الذي يسارع لتكريس سياسات قديمة عفا عليها الزمن كمفاهيم الرعاية الأبوية، وبقوله إن سياسات الباب المفتوح من المسؤول لا تزال صالحة، أو استدعائه لتفسيرات دينية وتراثية لا قيمة ولا وزن فكريا لها، أو حين يخدع نفسه وغيره فيختزل وجود الإنسان والوطن في بعض منجزات تنموية هي في النهاية مسلمة من مسلّمات أي وطن.

إن انسداد الأفق وقلة المسارات المتاحة هو معضلة بالفعل، لكن في ذات الوقت لا يجب أن يعجز هذا العملية الثقافية ويعيقها عن التشخيص والتحليل. ففي النهاية، ليست الثقافة الناقدة بالأمر الشاذ وغير الطبيعي، بل هي من تمام العدل والسواء. يقول إدوارد سعيد في كتابه "صور المثقف": إن قول الحق في وجه السلطة ليس مثالية مفرطة في التفاؤل. إنه تأمل دقيق في الخيارات المتاحة واختيار البديل الصالح، ومن ثم تمثيله بذكاء بحيث يمكن إعطاء النتيجة الفضلى وإحداث التغيير الصائب (ص106).  

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك