عبد الفتاح ماضي

عبد الفتاح ماضي

كاتب وباحث أكاديمي

الأولويات
المتطلبات
الخصائص

من المعروف أن عملية بناء نظام حكم جديد تبدأ من الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي للمجتمع ذاته ومن أولويات المرحلة التاريخية الراهنة له، وتمر بتجارب الدول الأخرى للاستفادة وأخذ العبر والدروس، وتنتهي باختيارات محددة من قبل الساسة والنخب.

وتعالج هذه الاختيارات، في الواقع، التحديات والإشكاليات التي يواجهها كل مجتمع، وتترجم مطالب الشعب إلى ترتيبات مؤسسية وأطر قانونية ودستورية وسياسية، تُشكل، معا، ملامح النظام السياسي المنشود. وفي أدبيات السياسة مصطلح الهندسة السياسية يشير إلى عملية إيجاد المؤسسات والآليات والضمانات الكفيلة بتحقيق الأهداف المرجوة في المجتمع. فما أولويات الدساتير الديمقراطية العربية؟ وما متطلباتها؟ وما أبرز خصائصها؟

الأولويات
أتصور، بداية، أن أمام الدساتير العربية المنشودة ثلاث أولويات أساسية حتى تعكس هذه الدساتير المطالب الشعبية، وتتحول الشعارات التي رفعتها الشعوب إلى واقع:

الأولى: حكم القانون وتقيّد الجميع بالدستور والقانون وإلغاء كافة الاستثناءات، وفك عُرى الاستبداد ووضع الضمانات الكفيلة بعدم عودته، وذلك على كافة المستويات الدستورية والقانونية والسياسية والثقافية والتربوية والإعلامية.

أمام الدساتير العربية المنشودة ثلاث أولويات أساسية حتى تعكس المطالب الشعبية وتتحول الشعارات التي رفعتها الشعوب إلى واقع: تقيّد الجميع بالدستور والقانون وإلغاء كافة الاستثناءات، ودعم تقارب الأطراف المختلفة داخل كافة المؤسسات الرسمية وغير الرسمية، وإعادة الثقة في السياسة والسياسيين

وهنا نحتاج إلى أن يتضمن الدستور محفزات ترفع تكلفة اختراق أي فرد أو هيئة للدستور والقانون، ومحفزات تدفع الفاعلين السياسيين إلى التقيد بأسس وقيم الديمقراطية وتشجع التعاون بينهم، ووضع عقوبات على مخترقي القانون مع تغليظها للمسؤولين. بجانب ضمانات استقلال القضاء وتفعيل كافة أشكال الرقابة وإلغاء المحاكم الاستثنائية.

ونحتاج أن تكون أفعال كافة المسؤولين المنتخبين قانونية، وأن يخضع هؤلاء لمراقبة مؤسسات رقابة متعددة (المحاسبة السياسية الأفقية)، وأن تتم محاسبة المسؤولين من قبل الناخبين (المحاسبة السياسية الرأسية) بتبني بعض أوجه الديمقراطية شبه المباشرة كأن يكون للمواطنين حق إقالة المسؤولين أو اقتراح مشاريع القوانين والاعتراض على القوانين.

ونحتاج إلى التأكيد على عدم خضوع المؤسسات المنتخبة إلى أي جهة أخرى غير منتخبة كالمؤسسات الدينية والعسكرية. وهنا لا يجب تقنين أي وضع استثنائي للمؤسسات العسكرية، بل على العكس تماما لا بد من محفزات لزرع القيم الديمقراطية لدى العسكريين وعلى رأسها احترام الدستور والقانون، وطاعة هؤلاء للمؤسسات المنتخبة، وتفعيل سبل الرقابة المختلفة على المؤسسات العسكرية والأمنية، واعتماد تغييرات تدريجية في القوانين ومناهج التعليم المعتمدة بل في القسم الذي يتلوه أعضاؤها.

الثانية: دعم تقارب الأطراف المختلفة داخل كافة المؤسسات الرسمية وغير الرسمية. ففي البرلمان يمكن تبني نظام المجلسين، مع تمثيل فئات المجتمع المختلفة وكافة الكفاءات داخل المجلس الأعلى، وإسناد مهام تشريعية حقيقية له. بجانب وضع محفزات لتعاون الأحزاب داخل البرلمان كنظام اللجان الذي يسند رئاسة عدد من اللجان إلى أحزاب المعارضة، وتبني ترتيبات لمنع ابتزاز الأحزاب الصغيرة عند تشكيل الائتلافات كاشتراط أنه لا يمكن إسقاط الحكومة بسحب الثقة منها إلا إذا كان هناك بديل جاهز، أو اشتراط أن تكون أول حكومة بعد الدستور حكومة وحدة وطنية، أو اشتراط حد أدنى من المقاعد للمشاركة في الحكومات الائتلافية لتشجيع تحالف الأحزاب.

بجانب تبني نظام انتخابي يرفع تكلفة الانقسامات الحزبية ويشجع اندماج الأحزاب ودمج الشباب والمرأة والأقليات وتوافق الأحزاب قبل الانتخابات وداخل البرلمانات كنظام القوائم غير المشروطة التي تسمح بتحالف الأحزاب وبدخول مستقلين، وكرفع نسبة الحسم، وكربط حجم الأموال التي تقدم للأحزاب من الدولة بعدد مقاعدها بالبرلمان.

ومن الأهمية تبني نظام حزبي يشجع ممارسة الديمقراطية داخل الأحزاب كاشتراط إجراء الانتخابات الداخلية لاختيار القيادات والمرشحين، ووضع ضمانات لشفافية تمويل الأحزاب والحملات الانتخابية، وآليات لفض النزاعات داخلها.

الثالثة: إعادة الثقة في السياسة والسياسيين، فنظرا لفقدان الثقة في السياسة وسوء سمعتها لعقود، فهناك حاجة لإعادة بناء هذه الثقة وترسيخ المعاني الإيجابية لمفهوم السياسة في اللغة العربية والتي منها الإصلاح والرعاية، وتقديم نموذج جديد للممارسة السياسية. وهنا يمكن التفكير في خطة وطنية شاملة للتنمية السياسية، تتضمن تقديم برامج تربية سياسية لكافة فئات المجتمع، ومقررات للتربية المدنية وحقوق الإنسان والعلوم السياسية بالمدارس والجامعات، بجانب إعادة الاهتمام بالعلوم الاجتماعية والإنسانية.

وفي اعتقادي على الدساتير العربية أن تتضمن بجانب القسم الخاص بالحريات قسما عن واجبات الدولة تجاه الأفراد، وقسما عن واجبات الأفراد تجاه وطنهم ودولتهم، وذلك للمساهمة في بناء المواطن الديمقراطي، الواعي بحقوقه وواجباته والمسؤول والمشارك في الشأن العام.

المتطلبات
تتطلب عملية وضع الدستور الديمقراطي توفر الحد الأدنى من التوافق المجتمعي، الرسمي والأهلي، حول النظام الديمقراطي بمبادئه ومؤسساته وضماناته، وحول أولويات المجتمع، وأنسب السبل لمعالجة التحديات والإشكاليات التي يواجهها. 

على الدساتير العربية أن تتضمن بجانب القسم الخاص بالحريات قسما عن واجبات الدولة تجاه الأفراد، وقسما عن واجبات الأفراد تجاه وطنهم ودولتهم، وذلك للمساهمة في بناء المواطن الديمقراطي، الواعي بحقوقه وواجباته

وقد يقتضي هذا التوافق تأجيل حسم القضايا الخلافية لمرحلة لاحقة والتوافق مرحليا على الحد الأدنى الديمقراطي الذي يكفل بناء النظام الديمقراطي وإيجاد مجال عام منفتح يسمح بحل القضايا الخلافية لاحقا، كما حدث في تجارب أخرى، فالبيض والسود لم يعالجا كل خلافاتها قبل انتخابات 1994، والبولنديون أجّلوا حسم قضية الهُوية بالدستور لسنوات عدة. بجانب أن الدساتير قابلة للتعديل، فالبرازيل عدلت دستورها 70 مرة منذ 1988، كما عُدّل دستور جنوب أفريقيا 16 مرة منذ وضعه.

فضلا عن أن نجاح عملية البناء ووضع الأطر الدستورية والقانونية يتوقف على إخلاص ومهارات وسلوك الفاعلين السياسيين، وعلى نجاحهم في قراءة الواقع بشكل صحيح، وفي فهم تجارب الآخرين وأخذ العبر منها، ووضع آليات وضمانات ومحفزات تستجيب لمطالب الشعب وتضمن فعّالية مؤسسات الدولة وتمنع عودة الاستبداد والإقصاء. ويتطلب هذا بدوره تخلي النخب السياسية عن خلافات الماضي أو الدخول في النوايا المستقبلية لبعضها بعضا.

الخصائص
استنادا إلى ما تقدم، وارتباطا بخبرة العديد من الدول وبأولويات المجتمعات العربية، فإن دولنا العربية تحتاج إلى بذل كل الجهود الممكنة للتوافق على دساتير ديمقراطية جديدة تتسم بخصائص ست على الأقل:

1- اتساق الدستور مع المرجعية العليا للمجتمع وعدم تصادمه مع معتقدات الشعب ولا مع قيمه العليا. وهذا يقتضي حدا أدنى من التوافق المجتمعي على ما يمثل المرجعية العليا للنظام السياسي. وفي عالمنا العربي هناك اتفاق على أن يشكل الإسلام أحد أعمدة المرجعية العليا، كما بدساتير المغرب ومصر وتونس وغيرها. وهنا لا بد أن نذكر أن الدساتير الغربية دساتير ديمقراطية وليبرالية في الآن نفسه استنادا إلى أن مرجعية النظم السياسية هي المرجعية الليبرالية.

ولا يعني هذا تجاوز المنظومة الحقوقية الدولية التي صدّقت عليها الدول العربية وصارت جزءا من المنظومة القانونية الداخلية. ويجب هنا تأصيل قيم حقوق الإنسان والمنظومة الدولية للحقوق والحريات في الثقافة العربية والإسلامية على المستوى القانوني، بدمج هذه المنظومة ضمن المنظومة القانونية الوطنية، وعلى المستوى الثقافي والشعبي، بتجاوز التناقضات التي يضعها البعض في عقول الناس بفهمهم غير الدقيق لموقف الإسلام من هذه المنظومة.

2- وضع الدستور بالتوافق بين كافة القوى السياسية والاجتماعية الرئيسية في المجتمع، أي من خلال جمعية تأسيسية يتم اختيار أعضائها بالانتخاب، مع ضمان تمثيل كافة الأطراف واحتواء الجمعية على خبراء في السياسة والقانون والاجتماع والاقتصاد والإدارة. إن شرعية الدستور الديمقراطي تستمد من التمثيل الواسع للهيئة التي تضعه، أو من التوافق الواسع حول اللجنة المعينة التي قد يوكل لها وظيفة وضع أو تعديل الدستور. وفي الحالة التركية اليوم، تسند مهمة وضع الدستور الجديد للجنة صغيرة معينة لكنها تحظى بتوافق وطني.

3- يتضمن الدستور الديمقراطي أقساما متعددة، يأتي على رأسها أسس النظام السياسي الديمقراطي وملامحه الرئيسية. وحتى نكون أكثر تحديدا، لا يجب أن يحتوي الدستور الديمقراطي على مجرد نصوص دستورية فقط، وإنما يجب أن يتضمن أيضا ضمانات وآليات للتطبيق في شكل: قواعد محددة وواضحة لاختيار الحكام ومراقبتهم ومحاسبتهم وإقالتهم عند الضرورة، وإجراءات وقواعد لاتخاذ القرارات ورسم السياسات وضمان متابعتها وتقويمها، وقنوات وضمانات لتمكين المواطنين من تحقيق مشاركة فعّالة في اختيار الحكام والنواب وفي التأثير على القرارات السياسية، وأدوات للرقابة القانونية والمالية وتحقيق الشفافية في إدارة المال العام وإتاحة المعلومات، وضمانات للفصل بين السلطات واستقلال القضاء، وضمانات لعدم خضوع الهيئات المنتخبة لنفوذ هيئات غير منتخبة، وآليات لضمان التداول على السلطة، ومعايير لديمقراطية الانتخابات، ووسائل وآليات وضمانات لصيانة الحريات وإيجاد رأي عام مستنير.

ويتضمن الدستور أقساما أخرى عن مرجعية النظام، وضمانات الحقوق والحريات الأساسية للأغلبية وللأقليات، وشكل الدولة وكيانها ونظام الإدارة المحلية، وكيفية تعديل الدستور، وآليات وضمانات لرفع يد السلطة ومراكز المال عن وسائل الإعلام، وغيرها.

4- لا بد أن يعمل الدستور الديمقراطي على بناء الدولة الوطنية وإيجاد مؤسسات وآليات لتحييد الولاءات المذهبية والطائفية والعرقية والقبلية، كأن تنشأ هيئة وطنية لمكافحة التمييز والتأكد من تطبيق المواطنة، وهيئة لضمان العدالة الاجتماعية وعدالة توزيع الدخول، وهيئة لضمان الحفاظ على اللغة والثقافة العربية، وهكذا.

فمن المهم في دولنا معالجة الانقسامات المجتمعية التي تسببت فيها أنظمة الحكم التسلطي، التي خلقت وعمّقت الانقسامات ضمن إستراتيجياتها للبقاء، كالانقسامات الدينية والطائفية (السودان واليمن والعراق ومصر والبحرين والسعودية)، أو العرقية والثقافية (البدو والنوبة في مصر، ودارفور بالسودان، والأمازيغ بالمغرب).

وثيقة الدستور الديمقراطي والقوانين المكملة لا بد أن تتضمن محفزات لدفع القوى السياسية إلى ممارسة الديمقراطية داخلها وفيما بينها

وهناك أيضا أزمة هُوية حادة جرّاء تبعية الدول العربية للخارج سياسيا واقتصاديا وثقافيا وفكريا، الأمر الذي أضعف إيمان الشعوب بمقومات هُويتها الوطنية وبقدرتها على بناء نهضة حقيقية في ظل عالم تسوده قيم العولمة وهيمنة الحضارة الغربية.

5- الدستور الديمقراطي تعاقد مجتمعي متجدد، أي يجب أن يحتوي على إجراءات محددة وواضحة لتعديله متى استدعت الحاجة، وبحيث لا ينفرد الرئيس بالتعديل من جهة، ولا تكون عملية التعديل أمرا مستحيلا من جهة أخرى. وهنا يمكن اعتماد آليات تضمن اشتراط أغلبية ثلث الأعضاء للاقتراح داخل البرلمان وأغلبية ثلثي الأعضاء والأغلبية المطلقة في الاستفتاء لاعتماد التعديلات.

وفي دولنا العربية وبعد تحركات شعبية قادها الشباب، يمكن التفكير في إعطاء الشعب حق اقتراح مشروع لتعديل الدستور بضوابط معينة كاشتراط توقيع 2% من هيئة الناخبين على الاقتراح (حوالي مليون توقيع بمصر التي بها 50 مليون ناخب).
 
ولاشك أن فعالية الدستور تقتضي إعماله وتجريبه لفترة زمنية، واحتواءه على آليات تضمن عدم خروج الفاعلين السياسيين على الدستور، مثل الحظر الزمني، أو وجود "المواد الدستورية غير القابلة للتعديل"، أي مواد هدفها حماية الدستور ذاته، كما يوجد بدستور 1923 المصري حيث حصنت المادة 156 الشكل البرلماني ووراثة العرش ومبادئ الحرية والمساواة. وبالدستور البرتغالي تمنع المادة 288 تعديل 14 مبدأ. وفي ألمانيا تمنع المادة 79 تعديل المادة الأولى (احترام الكرامة الإنسانية وحقوق الإنسان الأساسية)، والمادة 20 (الطبيعة الفدرالية والجمهورية والديمقراطية والدستورية والانتخابات). وفي إيطاليا، تمنع المادة الأخيرة (136) تعديل الشكل الجمهوري لإيطاليا. وفي البرازيل، تمنع المادة 60 (4) أي تعديل يلغي الطبيعة الفدرالية للدولة، والتصويت العام والسري والمباشر والدوري، والفصل بين السلطات، وحريات الأفراد وضماناتها.

6- ممارسة الديمقراطية لمستخدمي الدستور. فلأن فاقد الشيء لا يعطيه، فوثيقة الدستور الديمقراطي والقوانين المكملة لا بد أن تتضمن محفزات لدفع القوى السياسية (كالأحزاب والنقابات والمجتمع المدني) إلى ممارسة الديمقراطية داخلها وفيما بينها. ويتطلب هذا وجود جهات رقابة ومتابعة، وإسناد مهمة الحكم على مدى ديمقراطية هذه القوى لهيئات قضائية عليا. 

المصدر : الجزيرة

التعليقات