علي بدوان

علي بدوان

كاتب فلسطيني


تطور في العلاقات المصرية الحمساوية
رغبة مشعل وتقديم النموذج
لماذا خالد مشعل؟
رئيس لمجلس الشورى

انتهت قبل أيام في العاصمة المصرية القاهرة وبعيداً عن وسائل الإعلام، أعمال الاجتماع المكثف الأخير للمكتب السياسي لحركة حماس، وهو اجتماع استثنائي بكل ما للكلمة من معنى نظراً للقضايا التي تم طرحها على جدول أعماله، وفي مقدمتها أوضاع الحركة في الخارج بعد مغادرة معظم قياداتها للساحة السورية والتي باتت منتشرة بين مصر وقطر الأردن ولبنان، وملف المصالحة الوطنية الفلسطينية، خاصة أن هناك اجتماعاً مرتقباً بين الفصائل الفلسطينية سيعقد بالقاهرة الشهر المقبل. وكذلك ملف العلاقة بين مصر وقطاع غزة، إضافة لوضع اللمسات الأخيرة على آليات إجراء الانتخابات الداخلية للمكتب السياسي في مرحلتها النهائية.

كما يكتسي الاجتماع إياه أهمية استثنائية نظراً لانعقاده في القاهرة هذه المرة بشكل متكامل بحضور قيادات الحركة والمكتب السياسي من قطاع غزة وعموم الداخل الفلسطيني إضافة للشتات، وهو أول اجتماع بهذا الحجم لقيادات حركة حماس يُعقد في العاصمة المصرية منذ تأسيس الحركة عام 1987.

وقد شكّل العنوان المتعلق باستكمال الانتخابات الداخلية عنواناً رئيسياً على جدول الأعمال، بما في ذلك الترشيحات المفترضة لإشغال موقع رئيس المكتب السياسي للحركة خلال الدورة القادمة. فكيف سارت الأمور المتعلقة بهذا الأمر، وهل سيتم التجديد لخالد مشعل أم سيتم الأخذ برغبته في مغادرة الموقع (لا الدور) في قيادة حركة حماس.

تطور في العلاقات المصرية الحمساوية
نبدأ القول بأن هناك تطوراً ملحوظاً ومرئياً في طبيعة العلاقات التي تربط بين الجهات المصرية الرسمية وحركة حماس التي افتتحت مكتباً لها في القاهرة مؤخراً بعد طول انتظار. فقد بات المنظور السياسي المصري يرصد حركة حماس ويتعاطى معها بطريقة مختلفة عن الطريقة السابقة التي كانت تمارسها الجهات المصرية مع مختلف الأطراف الفلسطينية إبان وجود نظام الرئيس المخلوع حسني مبارك، عبر ربطها بلجنة تنسيق وترتيبات أمنية كان يقودها "المايسترو" الجنرال عمر سليمان الرئيس السابق للمخابرات الحربية المصرية.

انطلاقاً من التطور الإيجابي الذي تشهده العلاقات المصرية مع حركة حماس، استطاعت الحركة أن تَعقد اجتماعاتها القيادية في القاهرة بهدوء واطمئنان وأريحية

وانطلاقاً من التطور الإيجابي المشار إليه أعلاه في طبيعة العلاقات المصرية مع حركة حماس، استطاعت الحركة أن تَعقد اجتماعاتها القيادية في القاهرة بهدوء واطمئنان وأريحية، وأن تناقش أيضاً على جدول أعمالها مسألة الحالة العامة في قطاع غزة والدور المصري في هذا الجانب بالنسبة للمعابر ولكل العناوين المتعلقة في الجوانب التي تربط مصر بأبناء القطاع، الذين لا ممر أمامهم سوى مصر للخروج والدخول من وإلى قطاع غزة، حيث أكثر من مليون وسبعمائة وخمسين ألف مواطن فلسطيني.

وبالطبع، فقد كان للجانب المتعلق بالوضع الداخلي لحركة حماس نصيبه الكبير في اجتماعات قيادات الحركة في القاهرة، حيث تجري حركة حماس منذ خمسة أشهر وعلى نحو هادئ اقتراعاً سرياً لانتخاب مفاصلها القيادية على المستويات العليا في مختلف مواقع تواجدها في قطاع غزة وفي الضفة الغربية والقدس، والسجون وفي الشتات، وقد باتت مسألة انتخاب رئيس المكتب السياسي طاغية في الحوارات الحمساوية والنقاشات الداخلية، حيث ما زال خالد مشعل مصراً على عدم ترشيح نفسه لفترة جديدة مع نهاية الدورة التنظيمية الحالية انطلاقاً من قناعاته ومن موقفه الداعي لبث روح التجديد في دماء الحركة في عموم مواقعها القيادية وإفساح المجال للأجيال والدماء الجديدة للصعود.

وكان خالد مشعل قد طرح في اجتماع موسع لمجلس شورى الحركة قبل أشهر تم عَقده في العاصمة السودانية الخرطوم، رغبته في الاعتذار عن ترشيحه لقيادة دورة جديدة للمكتب السياسي، إلا أن طلبه رُفض في حينها بإجماع أعضاء مجلس الشورى.

رغبة مشعل وتقديم النموذج
ومن نافل القول أن رغبة خالد مشعل تُعبر عن موقف تجديدي يُسجل ويُحسب له، ويريد من خلاله أن يَخُطَ موقفاً مغايراً في ظل زعامات عربية وفلسطينية اعتادت على الاحتفاظ بمواقعها من المهد إلى اللحد.

كما تَحمل تلك الرغبة في طياتها موقفاً أخلاقياً ونبيلاً، وتَدُل على تقدم هائل في التسامي في الوعي التنظيمي، وعلى سلوك حضاري مُحترم يَحترم الآخرين، ويُقرّ عملياً بالتعددية وبأهمية تبادل المواقع القيادية، ويسعى لإدامة الحياة الديمقراطية، وفوق كل ذلك ينحو نحو تقديم نموذج يعمل على "كسر وتحطيم الصنميات وإدامة الأفراد ووضعهم بمصاف المُخَلِّصين"، وينسجم مع روح الربيع العربي المنشود فلسطينياً داخل عموم القوى والفصائل وداخل منظمة التحرير الفلسطينية التي تعيش في سبات عميق منذ سنوات طويلة. فخالد مشعل يريد تكريس رؤية ثقافية وممارسة ديمقراطية وعلى مستوى المؤسسات الحركية.

ولكن، كيف آلت الأمور في النقاشات الحمساوية في القاهرة بالنسبة لاختيار وانتخاب الرئيس الجديد للمكتب السياسي؟

إن عملية انتخاب الرئيس الجديد للمكتب السياسي لحركة حماس تَحكُمُهُ ضوابط ونواظم تَفسح المجال أمام وجود أعداد وفيرة من مرشحين ومن يُمكن تَرشيحهم من قبل آخرين لقيادة المكتب السياسي في تنظيم كبير وواسع في الساحة الفلسطينية، فهناك على سبيل المثال من يرى ترشيح إسماعيل هنية أو موسى أبو مرزوق الذي قاد المكتب السياسي للحركة في أوائل التسعينيات من القرن الماضي وهكذا.

حِكمة خالد مشعل ووجوده على رأس المكتب السياسي خلال المرحلة التالية سيسهم مرة ثانية في كبح جِماح بعض الشطحات والتطايرات من قبل بعض قيادات حماس

لماذا خالد مشعل؟
إن المصادر الفلسطينية الموثوقة والعليمة، تؤكد بأن هناك مناخاً عاماً (ونقول مناخاً عاماً) داخل عموم أطر قيادات حركة حماس في الداخل والشتات يرغب بالتجديد لخالد مشعل للفترة التالية لرئاسة المكتب السياسي لحركة حماس انطلاقاً من حيثيات عدة، لا علاقة لها برغبات أو اصطفافات داخل المؤسسات التنظيمية والسياسية لحركة حماس بمقدار ما لها علاقة بالمصلحة الوطنية الفلسطينية أولاً، وبالمصالحة السياسية والتنظيمية لحركة حماس ثانياً. وتلك الحيثيات يمكن إيجازها بالتالي:

• يُشكل خالد مشعل الحالة الأكثر تَمتُّعاً بحضور مُتميز داخل صفوف حركة حماس ومختلف مواقعها، وهو الأقدر على ضبط إيقاع خَطواتها والتوفيق بين عموم مفاصلها في تنظيم كبير يتوزع بين الداخل والشتات، فهو عمادها الرئيسي في الفترات الحرجة التي عاشتها الحركة وسط الأعاصير الكبيرة التي ضربت الساحتين الفلسطينية والعربية خلال السنوات المنصرمة، وما زالت تفعل فعلها حتى الآن. وقد استطاع خالد مشعل أن يوحّد الخطاب السياسي وحتى الفكري المؤسساتي للحركة.

• إن حِكمة خالد مشعل ووجوده على رأس المكتب السياسي خلال المرحلة التالية سيسهم مرة ثانية في كبح جِماح بعض الشطحات والتطايرات التي بَرزت لدى البعض القليل من قيادات حركة حماس من أعضاء مجلس الشورى أو من أعضاء المكتب السياسي خلال الفترات السابق، خصوصاً من قبل بعض قيادات قطاع غزة المحلية.

• يَتمتع خالد مشعل بكاريزما عملية وبراغماتية مطلوبة، تُمكنه من مواصلة دوره في قيادة الحركة في ظروف صعبة فلسطينياً وعربياً ودولياً وفي بيئة إقليمية تشهد كل اليوم المزيد من التحولات والاعتمالات بل قد تشهد انفجارات ما.

• إن تَجربة خالد مشعل الملموسة على الأرض، يجب أن تُستثمر في قيادته للمرحلة التالية من عُمرِ حركة حماس. فتجربته العملية أكسبته خبرة وحذاقة مرصودة مع دهاء سياسي لا بد منه بشأن السياسات الإقليمية والعالمية، وجعلته يمتلك خبرة أكثر واقعية من البعيدين عن مضمار العلاقات والاحتكاكات السياسية.

• إن من الضروري بمكان أن يكون مركز ومقر رئيس المكتب السياسي للحركة خارج فلسطين، وعلى الأقل خلال المرحلة الحالية وإلى حين، وذلك لأسباب عدة لها علاقة بالتواصل مع العالمين العربي والإسلامي والدولي ومع مراكز السياسات الإقليمية والدولية. كما لها علاقة بالمسألة الأمنية حيث ما زالت حركة حماس حركة تحرر وطني تقارع الاحتلال، فيما تضع أجهزة الأمن "الإسرائيلية" قيادات الحركة -وعلى الأخص رئيس المكتب السياسي- في قائمة الاستهداف الأولى.

• هناك رغبة عامة من قبل كل الحريصين على حركة حماس وعلى تماسكها وعلى دورها؛ في التجديد لخالد مشعل لفترة تالية لرئاسة المكتب السياسي. والحريصون هم عموم فصائل العمل الوطني الفلسطيني من أقصاها إلى أقصاها، إضافة لعموم الأحزاب في منطقتنا وخاصة منها الأحزاب الإسلامية وحتى من بعض الدول العربية التي ترى بشخصية وحضور خالد مشعل أمراً هاماً وإيجابياً لخدمة الساحة الفلسطينية.

المؤشرات ما زالت تذهب إلى الآن باتجاه التأكيد على رغبة خالد مشعل بعدم ترشيح نفسه، إلا أن مفاجآت اللحظة الأخيرة ما زالت حاضرة

رئيس لمجلس الشورى
وبالاستخلاصات الأخيرة، فإن المؤشرات ما زالت تذهب إلى الآن باتجاه التأكيد على رغبة خالد مشعل بعدم ترشيح نفسه لدورة جديدة لقيادة المكتب السياسي لحركة حماس، إلا أن مفاجآت اللحظة الأخيرة ما زالت حاضرة وقائمة، حيث تسعى الغالبية من أطر حركة حماس (ونقول الغالبية) نحو تكليف خالد مشعل عبر ترشيحه وإلزامه بقيادة الدورة التالية من المكتب السياسي للحركة.

ومع هذا فإن تنحي مشعل -إن وقع- عن قيادة المكتب السياسي لدورة تنظيمية جديدة، فإن هذا لن يقلل من تأثيره ودوره داخل أطر ومؤسسات حركة حماس وفي صناعة قرارها وخطواتها السياسية على المستوى التكتيكي اليومي وحتى الإستراتيجي، وقد يتم اختياره رئيساً لمجلس الشورى العام للحركة المسؤول عن وضع السياسة العامة لحركة حماس. 

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك