حمدي عبد الرحمن

حمدي عبد الرحمن

خبير في الشؤون الأفريقية

الوجه الحقيقي للتدخل الفرنسي
مخاطر التدخل الدولي
سؤال الأمن القومي

تطرح الأزمة المشتعلة في شمال مالي منذ إعلان استقلاله في الخامس من أبريل/نيسان 2012 تساؤلات عديدة، لاسيما من قبل المتخصصين في مجالات الأمن و"مكافحة الإرهاب" وقضايا الجغرافيا السياسية.

وقد تبارى العديد من الخبراء والمحللين في وصف حالة الفوضى وانعدام الأمن في ساحل الصحراء الأفريقية، وصعود الحركات الإسلامية الجهادية بالقول إننا أمام ظهور حالة "أفغانستان" أخرى في غرب أفريقيا، أو نموذج لـ"إمارة طالبان" في قلب صحراء مالي.

والمثير للانتباه حقاً أن الانشغال من قبل النقاد وصناع السياسة بأعراض الأزمة وتجلياتها قد غض الطرف عن الأسباب الحقيقية التي أدت إلى أن تذهب ثورة الطوارق في مسار يختلف عن مساراتها السابقة منذ أعوام الستينيات من القرن الماضي.

أدى إعلاء الاعتبارات الأمنية والنظر إلى الأزمة من منظور "مكافحة الإرهاب" إلى القبول بالتدويل واعتباره -كما ترى الإدارة الفرنسية- أمراً حتمياً لاستعادة الأمن والسلام في منطقة ساحل الصحراء الأفريقية

وقد أدى إعلاء الاعتبارات الأمنية والنظر إلى الأزمة من منظور "مكافحة الإرهاب" إلى القبول بالتدويل واعتباره -كما ترى الإدارة الفرنسية- أمراً حتمياً لاستعادة الأمن والسلام في منطقة ساحل الصحراء الأفريقية.

ولا شك أن أي تدخل خارجي لا يأخذ بعين الاعتبار طبيعة الواقع السياسي والاجتماعي المعقد في شمال مالي سوف يفضي لا محالة إلى مخاطر تفاقم الأزمة، بالإضافة إلى تقويض الأهداف السياسية والأمنية التي تسعى القوى الإقليمية والدولية إلى تحقيقها من جراء استخدام القوة العسكرية في التعامل مع ثورة الطوارق.

ويخطئ من يظن أن الأوضاع قد آلت إلى القوى الإسلامية، وأن طبيعة المصالح والتحالفات باتت واضحة المعالم.

فإمعان النظر يظهر عكس ذلك تماماً، حيث إن المواقف السياسية لا تزال متقلبة في شمال مالي أكثر من أي وقت مضى.

كما أن هناك تفاعلات متباينة داخلية وخارجية تعبر عن تناقضات في الانتماء الأيديولوجي والهويات الإثنية والمصالح الاقتصادية وحتى الطموحات الشخصية.

ويسعى هذا المقال إلى البحث في إشكاليات وتعقيدات التدخل الدولي في أزمة شمال مالي، وما يطرحه ذلك من آثار على الأمن القومي العربي، ولاسيما في بعده الأفريقي.

الوجه الحقيقي للتدخل الفرنسي
عادة ما تنظر فرنسا ومعها الولايات المتحدة إلى كل من مالي والجزائر والصحراء الغربية وموريتانيا باعتبارها الضلع الأضعف في المثلث الأفريقي للحرب على "الإرهاب". وقد بات واضحاً اليوم أن إدارة الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي مارست دوراً مهماً في الإطاحة بنظام الرئيس أمادو توماني توري بانقلاب عسكري في 22 مارس/آذار 2012.

لقد انزعجت باريس من عجز حكومة باماكو وعدم قدرتها على مواجهة تنظيم القاعدة في بلاد المغرب العربي الذي ما فتئ يختطف رهائن فرنسيين.

عملت الاستخبارات الفرنسية على عقد صفقة مع الحركة الوطنية لتحرير أزواد، لكن السحر انقلب على الساحر حيث فشلت الإستراتيجية الفرنسية فشلاً ذريعاً: فعوضا عن مواجهة الحركات "المتشددة"، نجد أن الحركة قد تحالفت معها

لقد عملت أجهزة الاستخبارات الفرنسية على عقد صفقة مع الحركة الوطنية لتحرير أزواد -وهي ذات طابع علماني- من أجل إضعاف النظام الحاكم في باماكو، وإفساح الطريق أمام ظهور حكومة قوية تأخذ على عاتقها مهمة محاربة التيارات الإسلامية "الجهادية" في شمال البلاد.

وقد اعترف هنري رينكورت Henry Raincourt وزير التعاون الدولي في حكومة ساركوزي بأن فرنسا حافظت على علاقات وثيقة مع متمردي الطوارق ذوي النزعة العلمانية منذ عام 2011.

وكان الهدف وفقاً للإستراتيجية الفرنسية هو إقامة نوع من الشراكة مع الحركة الوطنية لتحرير أزواد في مواجهة تنظيم القاعدة والحركات "الجهادية" المتحالفة معه.

على أن السحر سرعان ما انقلب على الساحر، حيث فشلت الإستراتيجية الفرنسية فشلاً ذريعاً. إذ عوضاً عن قيام الحركة الوطنية لتحرير أزواد بمواجهة الحركات الإسلامية "المتشددة" نجدها تفقد نفوذها تدريجياً على أرض الواقع، ولم يكن بمقدورها إلا التحالف مع الحركات "الجهادية" مثل جماعة "أنصار الدين" و"حركة التوحيد والجهاد".

وبعد نحو خمسة أشهر من القتال، استطاع متمردو الطوارق تحرير شمال مالي بالكامل من سيطرة القوات الحكومية، وهو ما أصاب الحكومة الفرنسية وحلفاءها الغربيين بالذعر الشديد.

ولعل السؤال الذي واجه حكومة الرئيس فرانسوا هولاند منذ البداية تمثل في إشكالية أزمة مالي وكيفية مواجهتها.

وكانت الإجابة هي حتمية تغيير الإستراتيجيات والسياسات الفرنسية المتبعة، ودعم الجهود الدولية من أجل التدخل الدولي بقيادة الجماعة الاقتصادية لغرب أفريقيا المعروفة اختصاراً باسم "الإيكواس".

ومن المعلوم أن فرنسا -وكذلك الولايات المتحدة- لا تستطيع المشاركة بقوات تدخل على الأرض لاعتبارات عديدة، لعل من بينها وجود رهائن فرنسيين في شمال مالي.

وعلى أية حال، تستطيع فرنسا تقديم المساعدات اللوجيستية والاستخباراتية اللازمة لأية غارة دولية تستهدف إمارة أزواد الإسلامية.

على الرغم من الجهود الفرنسية الرامية لحشد الدعم الدولي من أجل السماح بتدخل قوات أفريقية، فإن ثمة تباينا واضحا في المواقف الإقليمية والدولية من قضية التدخل تلك، حيث إنها محفوفة بالمخاطر وغير مضمونة العواقب

وتحاول باريس جاهدة توفير غطاء المشروعية الدولية من خلال استصدار قرار من مجلس الأمن الدولي يسمح بتدخل قوات أفريقية من أجل الحفاظ على وحدة وسيادة دولة مالي.

مخاطر التدخل الدولي
على الرغم من الجهود الفرنسية الرامية لحشد الدعم الدولي من أجل السماح بتدخل قوات أفريقية، فإن ثمة تباينا واضحا في المواقف الإقليمية والدولية من قضية التدخل تلك، حيث إنها محفوفة بالمخاطر وغير مضمونة العواقب.

إنها أشبه بعملية قذف حجر كبير من أعلى التل، بحيث لا نستطيع تقدير المدى الذي يمكن أن يصل إليه. ونستطيع رصد عدد من الاعتبارات المهمة تشكل في جوهرها قيوداً على التدخل الدولي:

أولاً: ضعف الجيش والدولة في مالي، فالمشهد السياسي الراهن في ظل غياب توافق وطني ووجود حكومة انتقالية مع تمتع الانقلابيين السابقين بوضع متميز في الحياة السياسية، لا يمكن التعويل عليه.

وفي المقابل، فإن القدرات العسكرية والميدانية للقوات الإسلامية "الجهادية" التي تسيطر على الشمال تعتبر عالية جداً. فقد استفاد هؤلاء من الأسلحة والمعدات التي عادوا بها من ليبيا بعد سقوط نظام العقيد القذافي.

كما أن خبرة هؤلاء المقاتلين من الطوارق ومعرفتهم بدروب الصحراء الوعرة واختلاطهم بالمدنيين تجعل أي عمل عسكري خارجي محفوفا بالمخاطر.

ثانياً: رد فعل الجهاديين على أي عمل عسكري دولي، حيث إنهم ينتشرون عبر صحراء الساحل الأفريقي، كما أن الطوارق -الذي يتراوح تعدادهم بين مليونين وأربعة ملايين على أقصى تقدير- ينتشرون في مناطق عديدة، بالإضافة إلى مالي مثل النيجر وبوركينا فاسو والجزائر وليبيا.

وعليه، فإن أي عمل دولي غير محسوب ومتسرع قد يفضي إلى تأثيرات سلبية على أمن دول الجوار، لاسيما الجزائر وموريتانيا.

إن الواقع الميداني في شمال مالي بالغ التعقيد، حيث توجد ندرة في المعلومات الموثوق بها، كما توجد شبكة من المصالح والانتماءات المتداخلة التي تضم جماعات إجرامية عابرة للحدود وأطرافا دولية. وعليه فإن أي تدخل خارجي لابد من أن يكون مدروساً بعناية

ثالثا: إذا كانت فرنسا ترفض التدخل المباشر، وترى أن دورها يتمثل في دعم الشركاء الأفارقة الذين يتعين عليهم اتخاذ زمام المبادرة وتحمل المسؤولية لوضع حد لأزمة شمال مالي، فإن قدرة "الإيكواس" على التدخل الناجع تعد محل نظر.

إذ تعاني نيجيريا -وهي الدولة الأكبر في التجمع- من مخاطر "التطرف الإسلامي" على أراضيها، حيث تمثل جماعة بوكو حرام تهديداً خطيراً لأمن واستقرار نيجيريا.

وتعاني "الإيكواس" من غياب التوافق العام حول أفضل الطرق للتعامل مع أزمة مالي.

ومن جهة أخرى، فإن الجزائر وموريتانيا -وهما من دول الجوار- لا تتمتعان بعضوية "الإيكواس". ولا يخفى أن كثيراً من أبناء الشعب المالي يرفضون المنحى الأحادي الذي تبنته جماعة غرب أفريقيا في التعامل مع الأزمة السياسية في بلادهم.

إن الواقع الميداني في شمال مالي بالغ التعقيد، حيث توجد ندرة في المعلومات الموثوق بها، كما توجد شبكة من المصالح والانتماءات المتداخلة التي تضم جماعات إجرامية عابرة للحدود وأطرافا دولية.

وعليه فإن أي تدخل خارجي لابد من أن يكون مدروساً بعناية حتى يمكن فهم هذه الديناميات المحلية المعقدة؛ فإذا كانت السياسات المتبعة لها عواقب فإن التدخل الخارجي تستتبعه بلا شك عواقب وخيمة أشد.

سؤال الأمن القومي
لقد أضحت مسألة تدويل أزمة شمال مالي وقضية الطوارق فيها أمراً محسوماً بغض النظر عن حدوث أو عدم حدوث تدخل عسكري مباشر، وفقاً للنموذج الكلاسيكي كما حدث في أفغانستان أو العراق أو ليبيا.

ولعل الوجود الدولي -ولاسيما الغربي- في هذه المنطقة سوف يستدعي سؤال الأمن القومي العربي في منطقة شمال أفريقيا. ولعله يمكن الحديث عن سيناريوهين أساسيين بالنظر لمستقبل الصراع وتأثيره على أمن بعض الدول العربية الكبرى، مثل الجزائر وليبيا وموريتانيا وحتى مصر.

يمكن لدول الجوار العربية -وعلى رأسها الجزائر ومصر- أن تقوم بمبادرة عربية لإيجاد تسوية سلمية تمنع وقوع كارثة إقليمية كبرى إن تحققت الغارة الدولية على قلب الصحراء الأفريقية

السيناريو الأول: وهو يشير إلى "صوملة" حالة شمال مالي، أي أن يتم الحسم العسكري من خلال قوات أفريقية، بينما تتولى الدول الكبرى -لا سيما فرنسا والولايات المتحدة- تقديم الدعم اللوجيستي والاستخباراتي، أي إنها تقوم بكل شيء باستثناء القتال على أرض المعارك.

ولا شك أن مثل هذا السيناريو إن حدث سيؤدي -نظراً لطبيعة الأوضاع الجيوستراتيجية في الساحل الأفريقي- إلى تقويض أمن دول الجوار العربية، من خلال تنامي النزاعات الراديكالية الإسلامية المعادية للتدخل الأجنبي، والمطالبة في نفس الوقت بالتطبيق الحرفي للشريعة الإسلامية.

السيناريو الثاني: وهو يشير إلى إعلاء السياسي والدبلوماسي على العسكري، حيث يتم تجنب شكل الغزو الخارجي، على أن ذلك لا يستبعد إطلاقاً استخدام بعض آليات التدخل العسكري.

وطبقاً لتصريح القائد الأعلى للقيادة الأفريقية (أفريكوم) الجنرال كارتر هام -أثناء زيارته للجزائر في 30 سبتمبر/أيلول 2012- حول الأزمة في مالي، فإن "هناك مكونا عسكريا سيكون جزءاً من كل، وسيؤدي دوراً محدوداً في حل النزاع. ويمكن طلب مساعدة عسكرية بسبب وجود مجموعات إرهابية في المنطقة".

وأحسب أن الخيار العسكري هناك يتمثل في استهداف قادة الإسلاميين "الجهاديين" وتجمعاتهم، من خلال استخدام أسلوب القنص بالطائرة بدون طيار.

إن الغرب يحاول دائماً إثارة المشاعر باستغلال "فزاعة" حكم الإسلاميين، وهو ما يظهر في تصوير الأزمة على أنها انتهاك لحقوق الإنسان من خلال تطبيق الحدود رجماً للزاني، وقطعاً ليد السارق، وهدماً لأضرحة أولياء الله الصالحين.

ومع اعترافنا بهذه الأخطاء التي وقع فيها حكام شمال مالي الجدد، فإن أزمة الإقليم أبعد من ذلك، وهو ما يتعين معه البحث في جذور الصراع ومسبباته الحقيقية.

وهنا يمكن لدول الجوار العربية -وعلى رأسها الجزائر ومصر- أن تقوم بمبادرة عربية لإيجاد تسوية سلمية تمنع وقوع كارثة إقليمية كبرى إن تحققت الغارة الدولية على قلب الصحراء الأفريقية.

المصدر : الجزيرة

التعليقات