سلامة كيلة

سلامة كيلة

كاتب فلسطيني

الثورات في الوطن العربي كشفت عن موت النخب. بالتأكيد كان هناك من حمل هم الشعب، والمفقرين خصوصاً، وهمّ الوطن كذلك. فليس الأمر مطلقاً، وبالتالي لا يمكن التعميم. لكن يمكن أن نتلمس "الاتجاه العام" دائماً، لهذا نتحدث عن موت النخب.

موضوعياً تعاني الثورات من نقص في الخبرات والوعي، حيث يلعب الدور الأساس شباب دخل ميدان السياسة للتو من بابه العريض، أي الثورات ذاتها.

وهو نتيجة ذلك لا يمتلك الوعي السياسي، ولا الخبرة العملية، بل إن وعيه وخبرته يتبلوران في الثورة، لكن هذا الأمر يفرض التساؤل حول النخب. وأقصد هنا نخب المثقفين والسياسيين الذين تصدروا المشهد طيلة سنوات سابقة، وبعضهم لعقود عديدة، والذين ربما تعرّض الكثير منهم لنقمة السلطة، بشكل أو بآخر.

والذين لم يظهر لهم دور حقيقي في هذه الثورات، على العكس من ذلك ظهروا كـ "مغتربين" عن واقع كان يسير نحو الانفجار، الأمر الذي جعل اغترابهم فعلياً في الثورات ذاتها. حيث لم يظهر لهم دور، أو لم نلمس أنهم لعبوا الدور الذي يجب أن يلعبه مثقف عضوي في ثورة فجّرتها جموع شعبية هائلة القوة، وظهر كم هم غرباء عن الواقع الذي كان يؤشّر إلى ممكنات انفجار.

أدت أزمة اليسار وتهاوي "النظم القومية" ومن ثم انهيار النظم الاشتراكية في العالم، إلى أن يتحقق انقلاب كبير في مواقف النخب (التي كانت في غالبيتها في اليسار) حيث مالت إلى الليبرالية وأصبحت تعتقد بأن الأولوية هي من أجل تحقيق الانتقال من الاستبداد إلى الديمقراطية

لقد استحكم صراعهم مع النظم، لكنهم لم يعتقدوا بأن الشعب يمكن أن يخوض صراعاً قاسياً ضد هذه النظم. بعضهم كان يشك في المقدرة على إسقاطها، والآخر اعتقد بأنه يستطيع المراوغة لكي تقبل تحوّلاً يمكن أن يفتح على تجاوزها. لهذا سنجد بأن الوضع كان يؤشر إلى مسارين مختلفين (وربما يمكن القول متناقضين) كانا يجريان في الواقع.

فقد أدت أزمة اليسار وتهاوي "النظم القومية" ومن ثم انهيار النظم الاشتراكية في العالم، إلى أن يتحقق انقلاب كبير في مواقف النخب (التي كانت في غالبيتها في اليسار) حيث مالت إلى الليبرالية، وأصبحت تعتقد بأن الأولوية هي من أجل تحقيق الانتقال من الاستبداد إلى الديمقراطية، وأن مهمتها أصبحت تتمحور حول هذا الهدف "الكبير".

وكان ذلك يتساوق مع "خطاب العولمة" القائم على مبادئ الحرية والديمقراطية، والسعي إلى الضغط على النظم الدكتاتورية من أجل الدمقرطة. وبالتالي كانت تربط الحرية والديمقراطية بالليبرالية في المستوى الاقتصادي، وكان يجري نقد "النظم القومية" والنظم الاشتراكية من منظور خطيئة تدخل الدولة في الاقتصاد، الأمر الذي كان يعتبر هو أساس صلابة الاستبداد، والقاعدة التي قوّت هذه النظم وجعلتها تتغوّل.

في المقابل كانت العولمة ذاتها تفرض على النظم هذه سياسات تقوم على تحقيق التحوّل الاقتصادي من "القطاع العام" إلى اقتصاد السوق بفرض الحرية الاقتصادية الشاملة. ومن ثم تحقُّق الهيمنة الكاملة للطغم المالية العالمية، وانهيار مريع في القطاعات المنتجة، الصناعة والزراعة (إضافة إلى التعليم والصحة والبنى التحتية).

وهو الأمر الذي فرض تهميش ما يقارب الـ80% من الشعب، سواء نتيجة البطالة أو نتيجة الأجر المنخفض، وتلاشي دور الدولة في تحقيق التعليم المجاني والضمان الصحي. لهذا كان وضع الطبقات الشعبية يسير نحو الانحدار، ويتصاعد الاحتقان على ظرف لم يعد يسمح بالعيش أصلاً. بمعنى أن خطاب العولمة الليبرالي كان يكرس الانهيار الاقتصادي الذي فرض تهميش كل هذه الكتلة المجتمعية، التي انفجرت في ثورة ظهر للنخب أنها مفاجئة.

لقد تبنت النخب الخطاب الليبرالي ودافعت عنه بشراسة، وكانت النظم تحققه عملياً في المستوى الاقتصادي على الأقل (وإن كان معظمها يحقق انفراجات ديمقراطية). ليظهر أن الليبرالية المتوحشة التي تعمل الطغم الإمبريالية على فرضها تتحقق عملياً وتتواكب مع اعتناق لها من قبل النخب، في سياق كان يظهر أن النخب والنظم في حالة تناقض لا فكاك لها، وهذا هو الغريب في الأمر.

وربما نتيجة ذلك كانت تغض النظر عن السياسات الاقتصادية للنظم التي تشدد النقد ضدها من المدخل الديمقراطي. بالتالي لم تكن تتلمس الآثار العميقة والمرعبة التي تتركها على الشعب، ولم تكن معنية، أو كانت تهرب من تلمس وضع الشعب.

إذا كانت النخب اليسارية تعادي الإمبريالية، وتدعم الاشتراكية وتدافع عن الدور الاقتصادي للدولة، وتبرر لهذه النظم استبدادها أو تسكت عنه، وتدافع عن الميل الوحدوي العربي، ومواجهة الدولة الصهيونية، فقد أخذت مساراً مختلفاً، وكذلك مضاداً حيث لاحظنا تحقق الانقلاب في المواقف، وليس تعديلها

سنلمس بأن "ردة" قد حصلت على ضوء فشل المشاريع القومية عربياً، والاشتراكية عالمياً. وأقصد بالردة تلك العملية التي تعلقت بالتحوّل في الأفكار، خصوصاً بعد سنة 1991 وانهيار الاتحاد السوفياتي (وقبل ذلك انهيار الناصرية والنظم القومية الأخرى).

فإذا كانت النخب اليسارية (قومية وشيوعية) تعادي الإمبريالية، وتدعم الاشتراكية وتؤيد الاتحاد السوفياتي، وتدافع عن الدور الاقتصادي للدولة (وعن "القطاع العام") وتبرر لهذه النظم استبدادها أو تسكت عنه، وتدافع عن الميل الوحدوي العربي، ومواجهة الدولة الصهيونية، فقد أخذت مساراً مختلفاً، وكذلك مضاداً.

فقد لاحظنا تحقق الانقلاب في المواقف، وليس تدقيقها أو تعديلها. والتجارب عادة تفرض التعديل والتدقيق، وحتى التخلي عن أفكار ورؤى، لكن ما ظهر هو أن المسألة أخذت شكل "الانقلاب" أي عكس المواقف.

وهذا ما ظهر في مسائل كثيرة يمكن تلخيصها في التالي:

1) بالطبع أولاً رفض كل دور اقتصادي للدولة، حيث كان المنطق يقول بأنه لكي ينتهي الاستبداد يجب سلب الدولة قوتها الآتية من تحكّمها بالاقتصاد، وكان اعتبار أن دور الدولة الاقتصادي يساوي الاشتراكية يفرض التحوّل نحو الرأسمالية، خصوصاً بعد انهيار الاتحاد السوفياتي والقول بفشل الاشتراكية.

لهذا باتت تدافع بشكل حاسم عن الليبرالية واللبرلة الاقتصادية، وتعتبر أن الضرورة تفرض تعميم حرية السوق والتخلص من "القطاع العام" وسحب الدولة من كل نشاط اقتصادي. هنا أصبحت ليبرالية بالمعنى الذي تعمم مع العولمة، أي تشربت أفكار "الليبرالية المتوحشة" التي كانت تقود إلى دمار قوى الإنتاج في الصناعة والزراعة، وتفقر الشعب، وتصاعد من أعداد العاطلين عن العمل.. بمعنى أنها انخرطت في موجة العولمة.

2) ولا شك في أنها رفضت الدكتاتورية والاستبداد، لهذا أصبح خطابها يتمحور حول الحرية والديمقراطية، وباتت ترى أن الهدف الوحيد (أو الهدف الأولي والأساسي والسابق على كل شيء) هو هدف الانتقال من الاستبداد إلى الديمقراطية، واعتبار تحقيقي الديمقراطية مدخل كل القضايا الأخرى. أي تمركز وعيها حول السلطة، وأصبح الهدف الذي يستولي على كل النشاط هو الحريات وحقوق الإنسان والديمقراطية. وأصبح نقد السلطة ينطلق من هذا الأساس فقط، دون رؤية كامل الصيرورة الواقعية. وهنا تمثلت موجة الدمقرطة التي أطلقها خطاب العولمة واندمجت فيها.

3) وعلى الضد من "الخطاب القومي" الذي عممه البعث والناصرية وكل النظم "القومية" باتت في عداء مستحكم لكل ما هو قومي، وأخذت تؤسس لـ "وطنية" محلية والى "أمة" محلية، وتغرق في وعي "قطري" و"هوية" محلوية. وهو السياق الذي كانت تكرسه النظم ذاتها وهي ترفع "الشعارات القومية" لأنه كان نتاج تمسكها بالسلطة "القطرية" واعتبار ذلك مجالاً لنهب المجتمع، الأولوية التي حكمت منطق الفئات التي حكمت باسم القومية. فقد أصبح "القطر" هو الغنيمة التي يجب التمسك بها.

كان نشوء النظم القومية كنظم معادية للإمبريالية مدخلاً لانقلاب كبير أسقط المسألة الوطنية فأصبح الأعداء أصدقاء، ولمسنا تهافتاً كبيرا نحو "الغرب" بالمعنى السياسي. لقد وقعت في "غرام" عميق مع هذا الغرب، وباتت وهي تشعر بعجزها المطلق تستدعي تدخله من منظور أنه الحليف و"الحبيب"

لقد باتت النخب في وارد تأسيس "أمة" في قطرها "نكاية" بالنظم "القومية" لكنها نظّرت ما تريده هذه النظم وهي تتمسك بالسلطة "القطرية" وأسست أيديولوجياً ما يطابق مصالح الفئات التي تحكم.

ولهذا أصبحت النخب هنا ليس قطرية فقط بل معادية لكل ما هو قومي، وتنطلق من "قطريتها" بعيداً عن نظر يتعلق بالمنطقة ككل باعتبار أنها وحدة واحدة. هنا باتت معادية لسياق تاريخي.

4) وأخيراً، كان نشوء النظم القومية كنظم معادية للإمبريالية وتتمسك بالقضايا الوطنية مدخلاً لانقلاب كبير أسقط المسألة الوطنية، وانبنى على التخلي عن كل ما هو وطني. وأصبح الأعداء أصدقاء، ولمسنا تهافتاً كبيرا نحو "الغرب" ليس بالمعنى الثقافي الحضاري بل بالمعنى السياسي. لقد وقعت في "غرام" عميق مع هذا الغرب، وباتت وهي تشعر بعجزها المطلق تستدعي تدخله من منظور أنه الحليف و"الحبيب". "حالة عشق" ملتهبة فرضت أن تتعامل معه على أنه هي، وأن تنظر للأمر وكأنها طفلته المدللة، وبالتالي باتت تابعة أو مستلبة تجاهه.

لقد باتت في "حضن" هذا الغرب، وتعتقد بأنه حليفها الذي سيحقق لها ما تريد، وأن عليها أن تقبل كل سياساته تجاهنا. أي أن تصبح هي النظم القائمة، التي هي تابعة، أو تسير نحو التبعية.

هذا الوضع كان يجعل النخب في مسار "موجة العولمة" واللبرلة، وفي سياق الاندماج من موقع تبعي مع القوى الإمبريالية التي زحفت لتأكيد سيطرتها على المنطقة. كما كانت في سياق موازٍ لما تحققه النظم ذاتها فعلياً، في الاقتصاد وفي الأيديولوجية.

لهذا ظهر أن الفارق يتمثّل فقط في الدمقرطة، أي في ميلها لأن يكون لها دور "أيديولوجي" معبّر عن هذه النظم (أو بالتحديد عن الطبقة الرأسمالية المسيطرة، والتي هي السلطة كذلك). ربما نقول إنها باتت تسعى إلى تحقيق "استقلالها الأيديولوجي" عن السلطة لمصلحة خدمة الطبقة ذاتها. أي إيجاد "متنفس" ديمقراطي يسمح بتحقيق هذه المسافة الضرورية بين السلطة كقوة قمع والأيديولوجية التي تبرر هذه السلطة.  

فهي تريد اللبرلة و"القطرية" و"حب الغرب" لكنها تريد الدولة التي تستوعب ذلك من خلال بنيتها "الديمقراطية" بالتالي والتي تستوعب "لغو" هؤلاء بالتحديد. فقد غدوا المنظرين للسياسات الواقعية لهذه النظم، وإنْ كان ذلك يتحقق في شقاق معها.

الثورات أتت في السياق المعاكس، حيث إن اللبرلة فرضت التهميش والإفقار والبطالة. والتبعية (أو الالتحاق بالإمبريالية) فرض تعزيز الشعور الوطني، وأوجدت شعوراً بالترابط العام في كل المنطقة العربية. لهذا جاء شعار إسقاط النظام في سياق تغيير النمط الاقتصادي الليبرالي، وتغيير تموضع النظم في "المنظومة العالمية" وتحقيق الترابط العربي. لقد أصبح الوعي العام في تضاد مع اللبرلة والإمبريالية، وأصبحت الثورة تهدف إلى تجاوز التبعية والالتحاق من أجل تحقيق التطور.

بالتالي كان من الطبيعي ألا ترى النخب تحوّلات الواقع، ووضع الشعب، وأن تمحور نشاطها من أجل "متنفس" (أو حتى ديمقراطية أوسع) ومن ثم أن تكون تكميلاً لسياسات النظم "القومية" في مسارها "القطري" والتبعي والاستسلامي.

هنا نلمس موت النخب.. الشعب ينهض من أجل التغيير العميق الذي هو ليس في جدول أعمال هذه النخب.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك