مهنا الحبيل

مهنا الحبيل

مدير مكتب دراسات الشرق الإسلامي بإسطنبول



التمهيد الأميركي للهزيمة
مذابح الأميركيين ترفع أسهم طالبان
أفق انتقالي عاجز
خطاب الملا عمر الجديد

الانتقاد العنيف من وزير الدفاع الأميركي ليون بانيتا الأحد السادس من أكتوبر الجاري ردا على تصريحات الرئيس حامد كرزاي ليس المؤشر الأول ولكنه المنعطف الأخطر في علاقة كابل بقوات الاحتلال الأميركي, والانتقاد جاء ردا على هجوم كرزاي الأشرس على عمليات القوات الأميركية بل والسخرية منها ومن جدوى وجودها حين قال إنهم يصورون لنا خروج قواتهم -أي الأميركيين- عام 2014 بأنه كارثة, في إشارة إلى استخفافه بدور الأميركيين في حماية نظامه، وهو الشخصية المحورية لواشنطن في تاريخ أفغانستان منذ قرار غزوها.

غير أن هذا الهجوم لم يكن ليصدر -وفقا لمراقبة الساحة الأفغانية- من كرزاي إلا بعد استشعاره بخطط أميركية للانسحاب، وبالتالي شعور كرزاي بحسم واشنطن هذا الملف وسحب قواتها وبالتالي مواجهته شخصيا لزحف طالبان المنتشية بهزيمة قوات الناتو.

رغم رعاية استمرت لسنوات منذ 2002، وتعاون في التدريب العسكري والسياسي لدول حليفة لواشنطن وبرامج ونفقات ضخمة، خلصت الولايات المتحدة إلى أن حركة الولاء لطالبان تتصاعد في الجيش الرسمي

التمهيد الأميركي للهزيمة
ومن الواضح أن حرب التصريحات جاءت بعد موقف تمهيدي من واشنطن، حيث أعلن البنتاغون رسميا أنه لن ينفذ مستقبلا أي أعمال عسكرية مشتركة مع الجيش الأفغاني الرسمي ولا مع قوات الأمن الداخلي إلا في استثناء قليل ومحصور وبشروط عديدة حددها الأميركيون.

وهو ما أثار قلقا كبيرا في كابل وداخل البرنامج الإعلامي الغربي لدول الناتو، وإن كان قد أتى في سياق متوقع إثر تعزز فشل القوات الأميركية والأطلسية في إيقاف تقدم طالبان، ونجاح الأخيرة في تحويل حرب الاستنزاف الطويلة إلى كارثة على برنامج الهيمنة العسكري لنفوذ الناتو والولايات المتحدة في آسيا الهندية على الخصوص، أو حزام العالم الجنوبي إجمالا.

والقرار جاء بعد سلسلة عمليات نفذها ضباط وجنود أفغان رسميون اتضح أنهم موالون لطالبان ونسقوا هجماتهم النوعية معها وهم في برنامج مهام عسكرية مشتركة مع قوات الناتو, هذه القوات الأفغانية الرسمية التي أعدت أسس تشكيلها وتدريبها وبنائها لمصلحة الرئيس كرزاي والمؤسسة السياسية التابعة له، وتم ضخ برنامج مكثف سياسي لهم لتكثيف عنصر الشراكة العسكرية بينهم وبين واشنطن والناتو، وصنعت لهم عقيدة عسكرية بأن العدو المشترك لهم وللغرب هو حركة طالبان.

ورغم هذه الرعاية المكثفة التي استمرت لسنوات منذ 2002، وتعاون في التدريب العقائدي العسكري والسياسي لدول حليفة لواشنطن وبرامج ونفقات ضخمة، خلصت الولايات المتحدة بعدها إلى أن حركة الولاء لطالبان تتصاعد في الجيش الرسمي، وأن عددا ضخما غير محدد ولا محتكر يصل ولاؤهم لطالبان بأن يعرضوا لها انخراطهم في عمل عسكري في قلب قوات الناتو ينتهي بمقتلهم، باعتبار أنه عمل فدائي وطني بالمفهوم الإسلامي ضد قوات الاحتلال الأجنبية.

شكلت برامج قصف المدنيين المتكررة من الطائرات الأميركية التي سقط فيها الآلاف من الأفغان وإبادة قرى كاملة واستمرارها حتى الآن، حالة كراهية وتمرد ضد قوات الناتو من قبل الشعب الأفغاني

مذابح الأميركيين ترفع أسهم طالبان
وكانت برامج قصف المدنيين المتكررة من الطائرات الأميركية التي سقط فيها الآلاف من الأفغان وإبادة قرى كاملة واستمرارها حتى الآن قد شكل حالة كراهية وتمرد ضد قوات الناتو لدى الشعب الأفغاني، وتصاعدت عبارات الإدانة العنيفة والمطالبة بإخراج القوات الأميركية والغربية كقوات احتلال داخل المؤسسات المساندة للرئيس كرزاي بما فيها اللويا جركا والتجمعات القبلية التي انخرطت في العلمية السياسية والبرلمان الأفغاني نفسه.

وعزز هذه المشاعر عملية إهانة المصاحف الدورية التي مارستها القوات الغربية في أفغانستان، إضافة إلى تسريب المجندين الأطلسيين المتعمد لمقطع فيديو يظهر تبولهم على ضحايا عمليات القصف من القتلى المدنيين أو من ثوار طالبان، وهو ما أعطى قناعة وثقافة متميزة لحقيقة صناعة العقيدة القتالية للقوات الأطلسية في نظرهم للمسلمين أو لشعوب آسيا، وحجم ثقافة الانحطاط والوحشية لمجندي الجيوش الأطلسية.

هذه المشاهد والمصادمات والتعديات حركت مشاعر غضب عديدة لدى السكان المدنيين في العديد من المدن الأفغانية عبر مظاهرات أمام القواعد العسكرية، وعكست أيضا تحولا للمجندين العسكريين إلى طالبان للرد على الإهانة المركزية المتكررة على الشعب الأفغاني التي تمارسها قوات الأطلسي.

وكانت باريس قد أنهت مؤخرا برنامج سحب قواتها بعد قرارها الأحادي بالانسحاب من عمليات الناتو، ورفض البقاء ضمن سياسة واشنطن بعد سقوط عدد من جنودها وضباطها في حركة التمرد من القوات الأفغانية، أو من عمليات طالبان النوعية, وحاولت واشنطن بعد القرار الفرنسي إعادة تنظيم الوضع العسكري، وطالبت باقي الدول الغربية الشريكة في الناتو بتحمل تبعات مشروع احتلال أفغانستان وإسقاط طالبان، لكن الأمور استمرت بالتدهور وبرزت خلافات الناتو مقابل صعود شعبية طالبان الجديدة.

واشنطن تحاول أن تلجأ إلى أفق انتقالي بين انسحابها وزحف طالبان المتوقع، من خلال صناعة شراكة هندية باكستانية تساند الرئيس كرزاي تدعمها إيران بقوة، غير أن فرص صمود هذه المبادرة ضئيلة جدا

أفق انتقالي عاجز
وهذا الاعتراف الأخير بالتخلي عن التنسيق مع قوات الجيش الأفغاني الرسمي الموالي لكرزاي يأتي وفق مراقبين للتمهيد لخضوع واشنطن للحقيقة التاريخية المرة التي ستقدم عليها ومحاولة التخفيف من إعلانها، وهي أن القوات الأميركية تتعرض لهزيمة كبرى تلحق بها بالاحتلال الإنجليزي والروسي لهذه الدولة, أمام زحف قوي لطالبان يعني بكل وضوح عودتها للحكم.

ورغم أن واشنطن تحاول أن تلجأ إلى أفق انتقالي بين انسحابها وزحف طالبان المتوقع، من خلال صناعة شراكة هندية باكستانية تساند الرئيس كرزاي تدعمها إيران بقوة، وهي من عناصر المحاور المشتركة لطهران مع الغرب, فإن فرص صمود هذه المبادرة ضئيلة جدا، فضلا عن أن الرئيس الباكستاني آصف زرداري الشريك المعتمد عليه في هذه العملية يعاني داخليا من مواجهة قانونية وسياسية قد تفضي لعزله.

وأمام هذا التصدع برزت أحاديث من أطراف غربية تنادي بضرورة الاعتراف بطالبان قوة انتصار في وطنها والوصول معها إلى توافق، وليس بالضرورة اتفاقا شاملا، وذلك لقوة وصرامة الملا عمر في التعاطي مع الغرب, وحسب المساحة التي قد يجد الناتو مجالا اضطراريا للرضوخ لها مع الملا عمر، فهي تنحصر بالإقرار بهزيمتهم، وتنسيق انسحابهم مع قواته وقيادة طالبان الفعلية لا الوهمية، ورفع يدهم عن أفغانستان، ثم بحث التعويض المادي المطلوب تسديده من الناتو وواشنطن للشعب الأفغاني.

وقد يماطل الغرب في القسم الثاني لكنه في النهاية قد يخضع لشرط الانسحاب وإعلان الهزيمة. 

خطاب الملا عمر الجديد
هذا الانهيار الشامل برز رصده بصورة كبيرة في خطاب الملا عمر السنوي الشامل الذي ينشر للشعب الأفغاني والوطن الإسلامي والعالم الغربي كعادته السنوية بمناسبة عيد الفطر, ويتضح في الخطاب مرة أخرى ثقة الملا عمر بانتصار قواته وعودة طالبان.

أكدنا مرارا في دراسات سابقة أن منهجية طالبان تختلف كليا عن القاعدة خاصة في شقها السلفي الطائفي ودمويته, وهذا لا يمنع أن القاعدة قد اخترقت بعض مواقع الولاء غير المباشر للملا عمر

هذا الخطاب بعثه د.طارق الغزنوي المسؤول الإعلامي فيما يطلق عليه -الإمارة الإسلامية- وتلقينا نسخة منه كمؤشر لاهتمام طالبان بمخاطبة الإعلام العربي, وفيه يؤكد الملا عمر قيام المفاوضات مع واشنطن بشأن الانسحاب.

ورغم أنه أشار إلى توقفها، يبدو واضحا أن هذا التوقف ليس انهيارا لها وقد تستأنف, ولكن ما هو مهم جدا أيضا في الخطاب تركيز الملا عمر وإعلانه محاور مهمة جدا لما بعد عودة طالبان، واستمرار تجاهل الإعلام الدولي لما يطرحه غريب جدا.

ولقد أكدنا مرارا في دراسات سابقة أن منهجية طالبان تختلف كليا عن القاعدة خاصة في شقها السلفي الطائفي ودمويته, وهذا لا يمنع أن القاعدة قد اخترقت بعض مواقع الولاء غير المباشر للملا عمر كشبكة حقاني أو غيرها، فظهرت ممارسات القاعدة الوحشية فيها, وهنا يبرز من جديد تشديد الملا عمر في الخطاب المذكور على الكف عن تعريض المدنيين لأي نيران، وطلبه المباشر بإبلاغ قادته عمن يمس المدنيين بسوء، ثم ركز الملا عمر على محاور رئيسية لبرنامجه ومنها:

1- إعلانه أن الإمارة الإسلامية لا تعتزم احتكار الحكم واستعدادها لمشاركة كل الأفغان -في إشارة إلى الأقليات- وتأكيده أن التنظيمات الإدارية للدولة القادمة ستراعي هذه الحقوق والشراكة لكل الشعب عبر النظام الإسلامي.

2- تأكيد الملا عمر على استقلالية الحركة والدولة وأن هدفها تحقيق مشروع الثوار من طرد المحتلين، وإقامة النظام الإسلامي الذي يرتضيه الشعب واستقرارها وليس برنامج حرب مستمرة والتعاون الإسلامي والدولي بعد الاستقلال وهي رسالة تعزيز استقلال -الإمارة الإسلامية- عن القاعدة.

3- تأكيد الملا عمر على حفظ الأمن لدول الجوار بعد التحرير، كإعلان إستراتيجي للحركة يفصح عن توجهها مقابل حملة تشكيك بها.

4- ركز الملا عمر هذه المرة على موضوع المرأة، وواضح المرارة التي يستشعرها الملا عمر مما يعده تشويها واسعا للحركة وموقفها الداعم -بمنظوره الإسلامي- لحقوق المرأة وتعليمها, مع إشارات الخطاب الأخرى التي تؤكد أن جزءا مما يمارسه بعض المسلحين خارج سيطرته وضد موقفه.

5- شدد الملا على أن حركة طالبان تولي التعليم أكبر اهتمام واستدل بواقع ميزانيات التعليم في مرحلة حكم طالبان.

من الواضح أن الملا عمر يعطي مرحلة ما بعد التحرير زاوية كبيرة، ويصله نقد الحركة التي تعاني جدا من إمكانيات التوضيح لشعوب المنطقة, إلا أن عنصر التضامن الوطني وانهيار شخصية كرزاي وكل مشروع حكمه يمهد الأرض فعليا لعودة طالبان الجديدة وسقوط الدب الأميركي بعد صديقه الروسي، أما مصير كرزاي فلا يبدو بعيدا عن نهايته بين أقدام الدببة في رحلة الانسحاب القاسية عليهم وعليه، ولعلها هذه المرة تكون نهايةً لحروب أفغانستان الدامية.

المصدر : الجزيرة

التعليقات