مهنا الحبيل

مهنا الحبيل

مدير مكتب دراسات الشرق الإسلامي بإسطنبول

قاسم في مواجهة النفوذ الاستعماري
رفض صارم لإغراء الإنجليز
قاسم والفتنة الطائفية
في سبيل استقلال الخليج

هذه الدراسة عن الشيخ قاسم بن مهزع رئيس القضاء الشرعي في البحرين -لحكومة الشيخ المعزول من بريطانيا عيسى بن علي آل خليفة- خلال فترة الانتداب الإنجليزي ستعرض لمعلومات دقيقة ومهمة وحقائق خطيرة تضمنتها مكاتبات الشيخ قاسم بن مهزع الفقيه المالكي الشرس في مواجهة الإنجليز, وهي معلومات ووثائق لا تزال ذات علاقة بأوضاع الصراع الحالية في البحرين وقضية التوزان الطائفي فيها ومشكلة التجنيس القديمة والحديثة وعلاقتها بالملف الإنجليزي مع إيران.

وقاسم بن مهزع من شخصيات البحرين العديدة التي سلكت الإصلاح الوطني ومواجهة النفوذ الإنجليزي إبان الاحتلال، وتُعتبر سيرتها وموقفها مفصلا مهما للتاريخ الوطني الحديث للبحرين يحمل إضاءات تفسيرية لما جرى بعد ذلك من قضايا الانفصال الطائفي.

والشيخ قاسم بن مهزع والإصلاحي الإسلامي الشيخ عبد الوهاب الزياني ممن لم يعتن بسيرتهما الوطنية بسبب النزعة الطائفية والتطرف العلماني الذي هيمن على حركة الفكر البحريني مدة من الزمن، وهما من طلائع هذه النخبة العلمية الإصلاحية المقاومة للنفوذ الأجنبي الاستعماري للبحرين والساعية للإصلاح السياسي المركزي معًا، وبالتالي كانت مؤثرة في الخليج وجميع الساحل. وقد كانت لهما مشاركات كل عبر فلسفته في مواقف مفصلية وفاعلة لتحقيق الإصلاح وتطوير العمل الوطني في البحرين في اتجاه النهوض والاستقلال.

ومن أهم المصادر التي وثقت لشخصية هذه الدراسة كتاب الأستاذ مبارك الخاطر رحمه الله "قاسم بن مهزع القاضي الرئيس"، الذي دوّن أحداثًا ومواقفَ تاريخية للحركة الوطنية في البحرين وأحد روّادها الشيخ قاسم بن مهزع. وقد أتى الشيخ قاسم ضمن امتداد المدارس الشرعية في الخليج التي كانت عاصمتها الأحساء، حيث كان لدراسته فيها وفي الأزهر ومجاورته للحجاز أثر كبير في حياته، وكان منهجها هو المنهج السائد لعلماء الشرع في ذلك الزمن، وهي المدارس التي كان لها دور مركزي ضارب في التاريخ في مقاومة الاستعمار البرتغالي وورثته من الاستعمار الإنجليزي وكان لإقصائها ومحاصرتها دور في توسيع النفوذ الأميركي في الخليج.

قاسم في مواجهة النفوذ الاستعماري
ومن خلال جولة تدقيق في كتاب الأستاذ مبارك توضّح لي أن الشيخ قاسم كان يخوض معركة قوية بطموح وإصرار وتحمّل بأسلوب ابتكره الشيخ في مواجهة سلطة الإنجليز سعى فيها لتحقيق أمله في إشعال حركة وطنية واسعة ضد الوجود الإنجليزي ذي التدخل الواسع في شؤون البحرين بما فيه عزله للشيخ عيسى بن علي آل خليفة لرفضه المصادقة على تدخلاتهم الكبيرة وذلك يتبين في توجهات ومواقف الشيخ قاسم على ثلاثة محاور:

كان الشيخ قاسم يعتمد على دعم الحراك الوطني المعارض للإنجليز والمطالب بالاستقلال والانتخابات وشخصياته قدر استطاعته كما تبين ذلك في مواقفه وأقواله

المحور الأول: دفعه الواضح والحاسم للحاكم العربي الخليفي للتمرد على نفوذ الإنجليز وتدعيم موقفه وتحفيزه على تنشيط المواجهة السياسية للمندوب مع مسلك أدبي وعبارات من الاحترام اعتاد عليها طلبة العلم الشرعي لهذه المدارس, ودفعه المكثف على أن الحكم يقوم على الولاية الشرعية المستقلة عن الأجنبي وهو ما يبرز من خلال رسائل الإمام قاسم إلى الشيخ عيسى بن علي وإلحاحه ورغبته في أن يطور الشيخ عيسى بن علي من مشروع وحراك المقاومة السياسية, وألم الشيخ من تردده وإحباطه لعدم التجاوب مع مقترحاته الذي يعكس بكل وضوح ضمير الشيخ العربي الإسلامي المتحفز في التعامل مع الأجنبي المستعمر أو المباشر لنفوذه في القطر العربي ومن ذلك قوله:

فقلت له (أي للباليوز-المعتمد البريطاني): ''اسمح لي فيما أُبْدي، فإن المنتمي للعلم له حريَّة الفكر فيما يُبدي في الشريعة وقانون الدول، فأقرَّ بذلك فقلت له: البحرين في أمنٍ من الله الكريم باستقلال مَلِكِها، وما أقامهُ الله جلَّ جلاله فيه من اتِّباع الحق بالشرع، ولا بادية لها عليها تسلُّط، بل ولا ذي إمْرةٍ (أي فلا حاجة لاستمرار انتدابكم) لكن مِن سوء المعاملة في وكيل المراكب أكريبال (قائد إنجليزي)، فإنَّ عنده خٌدَّاما فاقدين لخشية ربِّ العالمين''.

والمحور الثاني: في توجه الشيخ قاسم كان يعتمد على دعم الحراك الوطني المعارض للإنجليز والمطالب بالاستقلال والانتخابات وشخصياته قدر استطاعته كما تبين ذلك في مواقفه وأقواله، ومنها اعتماده لأركان الحركة الوطنية كأهل للحل والعقد والسعي للإفراج الفوري عن شخصياتهم بعد مواجهة الإنجليز لهم.

ولعل الشيخ قاسم كان يطمح بقوة إلى ما هو أبعد من المقاومة السياسية والدفع بهذا المشروع وبرز ذلك في نقد المعتمد البريطاني في البحرين الميجر ديلي لقاضي البحرين الشيخ قاسم بن مهزع ومعاتبته له على عدم زيارته بعد نجاته من حادثة محاولة الاغتيال، إذ لم يجامله الشيخ بل قابله بتبرير لمحاولة الاغتيال وذلك بأن ذكّر الميجر ديلي بمظالمه.

ولقد برزت حسرته وقوة مشاعره ضد نفوذ الإنجليز في معاتبته العميقة للشيخ عيسى على قبول عزل الإنجليز له ومطالبته برفضها وذلك في رسالة قال فيها "وأما أنا يا قاضي فقد ملأت قلبي حسرة كلما أتذكرها تتجدد علي من قولك لرئيس الخليج (المندوب السامي) اكتب لي خطا رسميا على عزلي فأواه.. أفترضى بخمسة أسطر من موظف أن تنخلع من مكانك؟ ولكنني أفوض أمري إلى الله ومئات من نصائحي أضعتها"، ثم يعلن له ولاءه ومعصيته للإنجليز في عزله رغم كل الألم فيقول "على أنني أدين الله جل جلاله في ولايتك".

ثم يشير على الشيخ عيسى بن علي بالتهدئة والإعداد للانقلاب على المستعمر بقوله "ثم الآن أنصحك أيضا بالمداراة مع ولدك (الشيخ حمد بن عيسى الذي نصبه الإنجليز خلفًا لوالده المتمرد) الذي استخلفته ولا تتحامق ولا تعتب ولا تظهر ما في ''جوفك'' من غضب ووافقهم على مسكن المصيف إلا أن يكون لك وسائل ترجح عندك أن تكون لها نتيجة فحينئذ تتجه بتجافيك حتى يأتي الله بأمر من عنده بسبب تلك الوسائل والسلام عليكم".

ولكن الأحداث والتطورات لم تسعف الشيخ لتنفيذ ما يصبو إليه من حركة تمرد تدعم حاكما عربيّا يجتمع الوطنيون عليه بدل اضطراب الساحة المعارضة أو اختراقها أو خلافها في مواقف شتى بحسب رؤية قاسم.

أما المحور الثالث فهو ما كان يمارسه قاسم بن مهزع احتسابًا بتحقيق القضاء العادل الذي ينصف المظلوم ولا يقبل مطلقا بالولاية الأجنبية على المجتمع البحريني وسعيه لمناكفة الإنجليز والتضييق عليهم في كل ما يستطيع من صلاحيات الموضع الذي كان فيه أو الصلاحيات المعنوية التي يشكلها موقع القاضي العام للدولة، ولقد كانت قضية دفعه لاستقلال القضاء وربطه به استقلال الحكم السياسي في الدولة عن نفوذ الإنجليز همًّا قائمًا لدى الإمام، وذلك برز في الرسالة التي بعثها إلى الشيخ عيسى بن علي يفصح فيها عن تحمله للتعب في سبيل عدم توجه الشعب إلى المستعمر بقوله: "فأنا السامع المطيع، ولكن إذا تعارض واجبان يُقدَّم ما قدَّمَ الشرع الشريف المعظم، فإنني حسب فراغي من حين خروجي من المسجد وأنا أتحمَّل الصَّبر لأجل أن تجري أحكام الذين يترافعون إلى الباليوز إلى شريعتك عند قاضيك في بلدتك، فتراني أكلِّف نفسي فوق طاقتي، ولا يفقدني خصومهم عن محلِّ قضاء محكمتك".

هذه المواقف والمواضع التي كفلت له أن يخدم الاستقلال والإصلاح الوطني في البحرين ويعالج بحماس ومتابعة كل الثغرات التي تَنفذ إلى المجتمع البحريني بسبب ما أوجده الإنجليز من أوضاع تدفع إلى اختراق أو اختلال المجتمع البحريني مع مبادرته لمقاومة أعمال التبشير التي سعى لها الغرب مبكرا في البحرين لتكون عاصمة انطلاق لها في الخليج العربي, لذا كان حريصا على حماية هذا الموقع الذي لم يستلم عليه قرشًا واحدا وتعامل معه كما تعامل زعماء القضاء الشرعي المميزون في التاريخ الإسلامي وهو الاكتفاء بالثروة والتوسع بها في مصارف الحلال الذاتية حتى تكون معاونًا له في قوة موقفه ودعم مبادراته الشرعية الوطنية.

حين حاول الإنجليز استمالته وإخضاعه لمنهجهم المعتاد في تجبير الولاء للدولة العظمى انتفض الشيخ قاسم بن مهزع على نياشينهم في عبارات قوية تبين مدى اشمئزازه من المندوب الإنجليزي

رفض صارم لإغراء الإنجليز
ولذا حين حاول الإنجليز استمالته وإخضاعه لمنهجهم المعتاد في تجبير الولاء للدولة العظمى انتفض الشيخ قاسم بن مهزع على نياشينهم في عبارات قوية تبين مدى اشمئزازه من الباليوز (المندوب الإنجليزي) ومحيطه فرد على قرار منحه الوسام الإنجليزي بقوله: "أستغفر الله، لا حاجة لي بنياشينكم وتقديركم، ولا برواتبكم، أنا لست بنجم العلماء، ولا أستطيع أن أكون كذلك، أنا أحقر العلماء، ولست محتاجًا إلى رواتب أو مخصَّصات، أنا غنيٌّ بفضل الله وكرمه، وخادم لله ورسوله".

إن ما كان الشيخ يستخدمه من لغة خطاب وسياسة لمواقفه كان يخضعه لوضع المصلحة العليا لمشروع الاستقلال الوطني وليس أبدًا مهادنة أو تراخيًا أمام حراك الأجنبي ومشاريعه، ولكن موقعه أخص بكثير من الحراك الوطني المستقل لباقي زعماء الحركة الوطنية وعلى رأسهم الفقيه المالكي الآخر الشيخ عبد الوهاب الزياني حيث ركّز على البرلمان المنتخب في حين ركز قاسم على الاستقلال، ومن هنا نفهم التكامل بينهما واختلاف وجهات نظرهما في ظل هذه الأحداث التاريخية الصعبة وسيطرة الإنجليز وتطبيق قرارات النفي فورًا.

قاسم والفتنة الطائفية
لقد أعطت تلك الرسائل دلالة واضحة على أنّ الشيخ قاسم بن مهزع كان واعيًا وراصدًا للثغرات التي يَنفذ منها الإنجليز إلى المجتمع وبسط وصايتهم وتعزيزها، وهذا تبين في حادثة 1904 بين رجال أحمد بن علي الخليفة وأحد عمال كبير التجار الإيرانيين في المنامة، ورغم أنها حادثة عرضية فإن الإنجليز أشعلوها وأصدروا بيانات تثير المشاعر وقالوا إن الحادثة تستهدف -كما عبر عنه المصدر الإنجليزي الذي نقل عنه الأستاذ مبارك الخاطر- "الشيعة الإيرانيين" وإن بريطانيا العظمى هي المسؤولة عن حمايتهم باعتبارهم أجانب في البلاد. (هذه الجالية تم تجنيسها بعد ذلك ومنحها المواطنة البحرينية قبل الاستقلال في أكبر حركة تجنيس تاريخية بالبحرين).

أدرك قاسم خطورة هذه الفتنة وأرسل وفدًا للمصالحة السنية الشيعية فورًا، ولكن الإنجليز من خلال بعض الإيرانيين كما يذكر الأستاذ مبارك انزعجوا من هذا التحرك وحركوا المشاعر قبل أن يصل الوفد لإحباط مهمته، وبرز ذلك من خلال حوار الوكيل السياسي البريطاني وقوله للحاكم الشيخ عيسى بن علي: إن الإيرانيين الذين في جزر البحرين أجانب، وإنهم بالتالي تحت الحماية البريطانية فرد عليه الحاكم "هم رعيتي وهم مسلمون والنزاع حدث بين طائفتين من المسلمين وستحسمه محاكم الشرع الموجودة في البحرين ولذلك لا أقبل تدخلك".

هنا يتبين لنا مدى سعي الإنجليز لاستثمار الفتنة الطائفية، ولذا صعّدوا من الموقف الذي انتهى باحتجاز الشيخ قاسم وعدد من الشخصيات الوطنية في البارجة الحربية المسماة ردبريست بعد أن رفض الشيخ وندد بقوة بهذا التدخل.

ولعل المفارقات المستخلصة من هذا الحادث تشير بوضوح إلى توجيه المستشارين الإنجليز الخطاب الطائفي لإثارة المجتمع بتطوير نزاع عرضي على أنه قضية طائفية وعلاقة هذا الموقف التاريخي الموثق بقضايا تجنيس ذوي الأصول العربية التي كانت إحدى أهم أسباب صراع جمعية الوفاق الشيعية مع الحكم بعد الميثاق.

سيطر همّ مواجهة الإنجليز على الشيخ قاسم بن مهزع ولذا كان يدعم معركة الاستقلال للخليج عن النفوذ الإنجليزي حتى خارج البحرين

في سبيل استقلال الخليج
لقد سيطر همّ مواجهة الإنجليز على الشيخ قاسم بن مهزع ولذا كان يدعم معركة استقلال الخليج عن النفوذ الإنجليزي حتى خارج البحرين، وذلك برز في رسالته إلى الملك عبد العزيز وتحذيره من تحكيم الإنجليز في الخلاف الخليجي، وفيها يقول: "وبلغني البارحة ما أخذ بمجامع أمري وأدهش فكري من أن ولاة الكويت سيلتجئون إلى الإنجليز بمقارّة (اتفاقية) بينهم فإن صح ذلك فما أصرعه لقلب كل ذي دين وعقل"، ثم ينصحه بإخلاص بالمصالحة مراسلاً له "فاطمئِن بأقل خراج واجعل أهل الكويت لك رعية مسترعاة (أي أحسن جوارهم كأنها أرضك)، والاستقصاء يفصم العرى، وما استقصى كريم قط، وأخو الفطانة لا يحرك فتنة، وإذا حركته الفتن اطمأنّ، فالحذار الحذار والبدار البدار برابطة التآلف البدار".

ويبعث برسالة أخرى في الموضوع نفسه إلى الشيخ أحمد الجابر الصباح حاكم الكويت يقول فيها "ومع توارد الخطاب منكم ومنه بلغني أن يلجيكم (الخلاف) إلى الالتجاء بمن تعلمون (الإنجليز) فساءني وأحزنني لأنكم أمة إسلامية، أحكامكم شرعية ولما بيني وبينه (أي الملك عبد العزيز) من الذاكرة الدينية في المناقشة الشرعية كتبت إليه بما هذا لفظه ومعناه (أي الصلح دون تحكيم إنجلترا). وهنا نختم الدراسة عن الشيخ قاسم بن مهزع مستحضرين حالة الخليج العربي ودوله وأوضاع البحرين على الخصوص في مفارقات وموافقات تثير العقل والتفكير.
ـــــــــــــــــــ
*مصدر النقول: كتاب الأستاذ مبارك الخاطر –قاسم بن مهزع القاضي الرئيس.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك