لعل من أبرز مفارقات ما حصل في العراق بعد الاحتلال، ومن ثم خروج القوات الأميركية منه، أن قوى المقاومة المسلحة التي أرغمت الأميركيين على التعجيل بانسحابهم بعد أن جاؤوا ليبقوا، قدمت إنجازات النصر السياسي الذي ترتب على مواجهتها مع قوات الاحتلال، هدية مجانية للكتل والأحزاب الطائفية التي جاءت مع طلائع القوات الأميركية، أو بعد ذلك بفترة وجيزة لتلتحق بالعملية السياسية.
 
وقد تمثل هذه النتيجة، استثناء نادرا في تاريخ حركات المقاومة والكفاح المسلح الذي خاضه أيُّ شعب تعرض للغزو والاحتلال، إذ عادة ما يتسلم المنتصرون مقاليد البلد الذي حرروه بتضحياتهم بعد أن يجبروا المحتلين على الجلوس على مائدة المفاوضات كما حصل في الجزائر، أو بعد أن ينسحب المحتلون من البلد انسحابا مضطربا كما حصل في فيتنام، ولكن ما جرى في العراق وبالصورة المعروفة، كان السبب الرئيس وراء أزمته السياسية الحادة، التي تتفجر بين آونة وأخرى على شكل فلتان أمني يذهب ضحيته المئات من العراقيين بين قتيل وجريح، وما حصل يوم الخميس الدامي الجديد لم يكن إلا الانعكاس المؤكد لعمق الأزمة التي وصلتها العملية السياسية التي صممها الأميركيون.
 
"
نتيجة ضيق الأفق والصدر وانعدام الخبرة، تميزت المرحلة التي أعقبت الولادة العسيرة لحكومة المالكي، ببذل جهود حثيثة لقضم السلطات الشكلية الممنوحة لشركاء الحكومة
"
من المعروف أن بول بريمر الحاكم المدني الأميركي، كان قد انساق وراء تقديرات مكتبية، غير مستندة إلى إحصاءات دقيقة عن عدد السكان في العراق، إلى الجانب الأميركي لغرض اعتمادها في الطبخة السياسية المعدة لعراق ما بعد الاحتلال، فجاءت خطوة تشكيل مجلس الحكم الانتقالي تجسيدا لهذا الوهم أو الخطأ، والذي جرّ العراق إلى  صراع إرادات، قد تنتقل من غرف الحوار إلى الشارع المعبأ بعوامل التأزم.
 
ثم جاء دستور عام 2005 الجامد ليكرس هذا التصور، ويقيم قاعدة المحاصصة الطائفية والعرقية لحكم العراق، بما أدى إلى تأجيج أسباب الصراع المستمر على السلطة بين لاعبين كثيرين، بما يضمن استرخاء الوجود الأميركي في العراق طويلا، وجرت الانتخابات البرلمانية الأخيرة بموجب قواعد المحاصصة، وحصلت فيها القائمة العراقية على أكبر عدد من مقاعد مجلس النواب، وحينما كانت العراقية تحتفل بهذا الانتصار، كان خصومها في التحالف الوطني الشيعي منهمكين في التخطيط لنزع نصرها، والإعداد لاحتفالهم بتشكيل الحكومة الجديدة، ونتيجة لالتقاء إرادات متصادمة في ظاهرها، بين واشنطن وطهران، عاد نوري المالكي ليشكل حكومته الثانية في أكبر مفارقة سياسية من مفارقات الصراع الإقليمي والدولي حول العراق.
 
ونتيجة ضيق الأفق والصدر وانعدام الخبرة، تميزت المرحلة التي أعقبت الولادة العسيرة لحكومة المالكي، ببذل جهود حثيثة لقضم السلطات الشكلية الممنوحة لشركاء الحكومة، والذين يتحملون المسؤولية الدستورية في تجاوز المالكي السقف الزمني الممنوح له، للقفز فوق الحاجز القانوني الذي أوشك أن يؤدي إلى سحب كتاب التكليف منه وتحويله إلى ممثل القائمة التالية.
 
لقد كان تركز السلطة بيد المالكي، وخلافا لما جاء في دستور عام 2005، وامتلاكه لحق تحريك الأجهزة الأمنية والقوات المسلحة والمال العام، من بين أكثر أسباب إثارة القلق لدى أطراف العملية السياسية، وهذا الأمر نظر إليه كثيرون على أنه محاولة لتقليم أظافر الكتل المشاركة في الحكومة، وتحويل رموزها إلى شهود زور على سلامة سير العملية في طريقها الدستوري.
 
وبدأت خطوات تحجيم الأطراف المشاركة عندما أصرّ المالكي على رفض المرشحين لإشغال الحقائب الأمنية الثلاث في حكومته، وهي الدفاع والداخلية والأمن الوطني، وإبقائها تحت إشرافه المباشر، مما أوصل رسالة إلى بقية الأطراف بأن مرور أكثر من سنة على تشكيل الحكومة من دون ملء الشواغر الثلاثة فيها، لا يعكس حقيقة المواقف المعلنة للمالكي عن عدم صلاحية المرشحين لها، بقدر ما يعكس رغبة جارفة بالإمساك بخيوط اللعبة السياسية كلها، وخاصة عن طريق الاحتفاظ بالملف الأمني، بهدف تحريك ملفات عند الحاجة، ضد كل من لا ينصاع لإملاءات رئيس الوزراء.
 
وتميزت سنة من عمر حكومة المالكي الثانية باشتداد نزعة التسلط والاستبداد، كما كان خصوم المالكي، وشركاؤه في الحكم على حد سواء يصفونه، مثل إياد علاوي وطارق الهاشمي وأسامة النجيفي، ويعبرون عن خيبة أملهم من مآل العملية السياسية والطريق المسدود الذي وصلته. إذ كانوا يتهمونه بالعمل على فرض وجهات نظره ومواقفه، كأمر واقع باسم الديمقراطية، تارة بالإغراء وتارة بالابتزاز، للقبول بأسلوب حكمه والذي هو مزيج من تناقضات اللحظة الملتبسة بين ديمقراطية على مستوى الإعلام ودكتاتورية على مستوى التطبيقات.
 
ويبدو أن المالكي الذي وجد في تعدد مراكز القيادة في القائمة العراقية، وما واجهته منذ الأيام الأولى من تصدعات وانشطارات، فرصته لإحداث المزيد من الشروخ داخل صفوفها، ولكن عدم تأكد نجاحه القاطع في هذا الطريق دفع به -وبعد الإعلان عن انسحاب القوات الأميركية، وزيارته للولايات المتحدة واجتماعه بأوباما في البيت الأبيض ومشاركته معه في وضع إكليل من الزهور في مقبرة الجنود الأميركيين الذين قتلوا خلال المواجهات الساخنة التي شهدتها مختلف مدن العراق، وخاصة في معركتي الفلوجة الأولى والثانية- إلى إيصال المواجهة مع القائمة العراقية إلى حافة الهاوية.
 
هذه اللعبة الخطيرة التي تحتاج إلى اصطفافات قوية وراء من يريد أن يخوض غمارها، وقدرة على تحمل تبعات الخسارة المحتملة من المقامرة بما بقي من رصيد. وعلى نحو صاخب تفجرت الأزمة السياسية الجديدة بين أطراف العملية السياسية، بحيث أثارت تساؤلات جدية عن قدرة المالكي على الاحتفاظ بكل خيوطها حتى نهاية الشوط. في البداية تفجرت قضية صالح المطلك، وهي لما تزل في بدايتها جاءت قضية مذكرة القبض على طارق الهاشمي لتعكس الطابع المتسرع للمالكي في إدارة الشأن الرسمي.
 
فهل خالف المالكي نصائح الإدارة الأميركية في ضرورة الاحتفاظ بشعرة معاوية مع شركائه وخصومه؟ أم أنه حصل على ضوء أخضر من الرئيس أوباما بالمضي قدما في استبعاد خصومه من العملية السياسية، بمقابل تعهدات ملزمة لضمان مصالح الولايات المتحدة سياسيا وأمنيا واقتصاديا، وعدم المضي في الخيار الإيراني إلى أبعد مما هو عليه.
 
"
الأزمة السياسية الحالية تدل على أن السياسات المتبعة من بداية الاحتلال حتى اليوم، ما تزال قاصرة عن فهم طبيعة المجتمع العراقي ومعرفة حاجاته الأساسية بإتقان فن حل الأزمات، بدلا من إتقان فن إثارتها وتركها معلقة على مشاجب القلق
"
وسط هذا الجو الساخن والمفتوح على كل الاحتمالات، وقعت تفجيرات الخميس الدامي في بغداد، ولما كان ظرفه الجديد لا يسمح له بتوجيه التهمة الفورية إلى الخارج كما كان يفعل في الماضي، فإن المالكي بدأ بتسويق فكرة أن ما جرى هو أحد نتائج الأزمة الأخيرة التي وصلت ذروتها مع الهاشمي والمطلك، وبهذا يريد استثمار الظرف الناشئ عن اتهام الهاشمي بالإرهاب ليدخل في روع الشارع الذي يعيش شدا عصبيا بلغ ذروته، بأن ما جرى هو رد فعل من الأطراف المطلوبة للقضاء على إجراءات الحكومة.
 
وقد لا تتوفر أدلة فورية وقاطعة على الجهات التي نفذت التفجيرات، إلا أن أماكن وقوعها لا تسمح إلا لجهات مرتبطة بأجهزة الأمن من الوصول إليها، وهذا قد يترك تساؤلات حول دور الحكومة أو مليشيات مرتبطة بها في تنفيذها. ويمكن فهم دوافع من كان يقف وراءها، بأنه كان يتوقع أن الأصابع ستتجه نحو السياسيين الذين اتهمتهم الحكومة بالضلوع بأعمال إرهابية قديمة، ويبدو أن الرسالة أريد لها أن تأخذ مداها في الشحن الطائفي، لتزامنها مع تراجيديا مسيرات أربعينية الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما.
 
إن تزامن أحداث الأزمة السياسية الجديدة، وتفجيرات الخميس الدامي، مع الانسحاب الرسمي للقوات الأميركية من العراق، وبعد عودة المالكي من زيارته للولايات المتحدة، وتفجر أزمة الحكم بين شركاء متشاكسين، ليست بعيدة عن الرغبة في التماهي مع أجواء الشحن الطائفي المتزايد، ومحاولة الحكومة نزع الصفة الوطنية الجامعة لأطياف الشعب العراقي عن القائمة العراقية، وحصرها في تمثيل السنة فقط، إنما تدل على أن السياسات المتبعة من بداية الاحتلال وحتى اليوم، ما تزال قاصرة عن فهم طبيعة المجتمع العراقي ومعرفة حاجاته الأساسية بإتقان فن حل الأزمات، بدلا من إتقان فن إثارتها وتركها معلقة على مشاجب القلق.
 
ربما ينظر إلى التفجير الذي استهدف مبنى هيئة النزاهة في بغداد -وما أعقبه من استيلاء على مئات الملفات التي يحقق بها قضاة الهيئة، والتي تتعلق بقضايا فساد مالي وإداري كبيرة، وتطال مسؤولين يشغلون وظائف عليا في هرم الدولة العراقية- على أنه مفتاح للشيفرة التي ستكشف الغموض الذي اكتنف اثني عشر تفجيرا دمويا هزّ العاصمة العراقية، بعد أقل من 24 ساعة على المؤتمر الصحفي الذي عقده نوري المالكي رئيس الحكومة العراقية، ووجه فيه أكثر من رسالة تحذير أو تهديد إلى شركائه في العملية السياسية التي يبدو أنها وصلت إلى مفترق طرق جدي، قد يؤدي، في حال عدم التمكن من تطويق تداعياته، إلى انزلاق العراق إلى حافة حرب أهلية تعيد إلى الأذهان، ذكريات ما جرى عامي 2006 و2007.
 
ومردّ الأهمية الاستثنائية للهجوم الذي طال هيئة النزاهة، أنه الوحيد من بين التفجيرات الاثني عشر العبثية، الذي يحمل دوافع مقصودة بحد ذاتها، ويوجب التوقف عندها، وخاصة ما أعقب التفجير من مهاجمة مسلحين -بوضح النهار- لأرشيف الهيئة وسرقة الملفات المحالة إليها عن جرائم الفساد والتلاعب بالمال العام، مما يترك هامشا محدودا للمراقب في محاولة البحث عن تفسيرات أخرى لهذا الهجوم غير محاولة الجهات المتورطة في مثل هذه الأعمال، إزالة آثار تورطها.
 
"
الأحداث الدامية التي وقعت في العراق مؤخرا أثبتت أن الأجهزة الأمنية ليست أكثر من هياكل مفرغة من أي مضمون فعلي، لأنها تفتقر إلى التجهيز اللازم والتدريب، إضافة إلى أنها موزعة الولاء بين الطائفة والحزب والسياسي
"
منذ نحو سنة وجهات رسمية عليا مسؤولة عن الملف الأمني تبعث برسائل مطمئنة للمواطنين عن استكمال الاستعدادات لملء الفراغ الأمني الذي قد ينشأ عن انسحاب القوات الأميركية وجاهزيتها لحفظ دم العراقيين وممتلكاتهم، حتى بدا وكأن القصد من وراء تلك الرسائل مجرد تخدير وتغييب وعي المواطن عن الاحتراز لنفسه، أمام تحديات وأخطار تأكد عجز الحكومة -بعد حوالي تسع سنوات- عن حلها.
 
فالأحداث الأخيرة أكدت -وبشكل لا يقبل التأويل- أن أجهزة الأمن المتضخمة عدديا، حتى وصل عدد منتسبيها إلى أكثر من مليون ونصف مليون فرد، والتي تستنزف الشطر الأعظم من ميزانية الدولة، ليست أكثر من هياكل مفرغة من أي مضمون فعلي، لأنها تفتقر إلى التجهيز اللازم والتدريب الحديث والعقيدة القتالية الوطنية. وكذلك انعدام منظومة الاستخبارات الحديثة، إضافة إلى أنها موزعة الولاء بين الطائفة التي تنحدر منها والحزب الذي تنتمي إليه، والسياسي الذي تعمل بإمرته، مما يجعل منها -من الناحية العملية- أجهزة متناحرة يحبط بعضها خطط البعض، ويشل قدرتها على مواجهة التحديات التي تأتي من داخلها بدرجة أكبر مما تأتي من خارجها.
 
الأزمة وصلت مرحلة خطيرة، فلا المالكي يستطيع قبول فكرة اللعبة الديمقراطية بفصولها المختلفة، ولا شركاؤه يستطيعون تحمل تسلطه عليهم وتفكيره نيابة عنهم، وهذا هو الذي حدا به إلى التهديد بالذهاب إلى خيار حكومة الأغلبية، ومثل هذا الخيار سيفتح أبواب الصدام بين مكونات الشعب العراقي، مكون تزعم الحكومة أنها تريد تكريس ما حصل عليه من مكتسبات، ومكون يطالب بحقه بالعيش في وطنه بحرية وفي مجتمع لا درجات للمواطنة فيه.
 
فأي الخيارات سينجح؟ تبدو الطرق مغلقة ما لم يأخذ كل طيف استحقاقه من دون زيادة أو نقصان على ما يطرح كل فريق.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك