مؤمن بسيسو

مؤمن بسيسو

كاتب فلسطيني


 
ألقت دعوة إسماعيل هنية رئيس الحكومة الفلسطينية في غزة وأحد القيادات البارزة في حركة حماس، حول ضرورة الوحدة والاندماج بين حركتي حماس والجهاد الإسلامي، حجرا كبيرا في بحر المياه الراكدة في إطار العلاقة القائمة بين الحركتين.
 
لم تكن مبادرة هنية الأولى من نوعها في مضمار العلاقة بين الحركتين اللتين تصدران عن مشكاة إسلامية واحدة وتتنافسان في إطار مسيرة المقاومة ومشروع التحرير ضد الاحتلال الإسرائيلي، فقد طُرحت عناوين مشابهة في مراحل ومنعطفات سابقة، إلا أن دعوة هنية الأخيرة تكتسب أهمية خاصة بحكم المتغيرات المحلية والإقليمية التي غيرت كثيرا من المعادلات الراهنة، ومنحت المشروع السياسي الإسلامي في المنطقة العربية حظوة التصدّر والريادة خلال المرحلة المقبلة.
 
وأيا كانت التقديرات بخصوص فرص نجاح مبادرة هنية ومدى واقعيتها، فقد راودت حلما بعيدا ولامست طموحا أصيلا لدى الكثيرين من أنصار المشروع الإسلامي الذين يتوقون لتوحيد الجهد الإسلامي المقاوم على أرض فلسطين.
 
بين التأرجح والثبات
العلاقة التي تربط حركتي: حماس والجهاد أعمق، فكرا وتاريخا، من أن يستغرقها بحث عابر أو نقاش سطحي دون الولوج إلى بوابة الجذور والنشأة الأولى.
 
منذ بدايات نشأة وتكوين الجهاد عام 1981 وانفصالها عن الخط الرسمي لجماعة الإخوان المسلمين آنذاك، وما تلا ذلك من مراحل متعددة، مرورا بالانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987وتأسيس السلطة الفلسطينية عام 1994، واندلاع انتفاضة الأقصى عام 2000 التي شهدت قفزة في عمل الحركة، وصولا إلى مرحلة الانتخابات التشريعية مطلع عام 2006 التي فازت فيها حماس وقاطعتها الجهاد وما بعدها، كان واضحا أن مسار العلاقة الذي يحكم الحركتين يغلب عليه التأرجح وعدم الثبات، وأن الطرفين لا ينشدّان إلى محور معالجة إستراتيجي بقدر ما يحتكمان إلى محددات تعايش وتنسيق اعتيادية لا ترقى إلى حجم ومستوى التحديات الإستراتيجية التي تستهدف المشروع الإسلامي المقاوم الذي تحمله الحركتان، في وجه مشروع التسوية المدعوم بقوة من لدن النظام الإقليمي والدولي بقيادة الإدارة الأميركية.
 
"
مناخات التشكك وعدم الثقة لدى قواعد الحركتين، جعلت من أفكار وأطروحات الوحدة والتقارب بين الحركتين غير ذات صلة، أو قاصرة على ميدان التداول النظري وسجينة الجانب الشعاراتي
"
وقد لعبت صور التنافس الميداني بين عناصر وكوادر الحركتين في العديد من الأحيان -وخصوصا في ميدان إدارة المساجد والسيطرة عليها وتبني العمليات العسكرية ضد الاحتلال، وبعض حالات الاشتباك الميداني التي بلغت حد استخدام العنف والصدام المسلح في إحدى الحوادث الميدانية التي اعتبرت استثناء في تاريخ العلاقة عام 2006- دورا سلبيا عزز من مناخات التشكك وعدم الثقة لدى قواعد الحركتين، وجعل من أفكار وأطروحات الوحدة والتقارب بين الحركتين غير ذات صلة، أو قاصرة على ميدان التداول النظري وسجينة الجانب الشعاراتي دون أي نصيب على أرض الواقع في أفضل الأحوال، رغم القواسم المشتركة وعناصر التقارب الهامة بين الحركتين.
 
موجبات الوحدة والاندماج
لا خلاف على أن هناك مُشتركات واسعة بين حماس والجهاد اللتين تحملان مشروعا إسلاميا مقاوما مشتركا على اختلاف في بعض التفاصيل وتباين في الاجتهاد في بعض الأولويات، بما يهيئ لوحدة جادة تنتظم الحركتين في مواجهة التحديات القاسية التي تستهدفهما.
 
ومع ذلك تقفز إلى الواجهة العديد من أسباب وموجبات الوحدة والاندماج التي كانت غائبة عن مشهد العلاقة بين الحركتين في الماضي، وذلك على النحو التالي:
 
أولا: صعود الحركات الإسلامية عربيا: أسهم صعود الإسلام السياسي في عديد البلدان العربية، وخصوصا في مصر التي حقق فيها الإسلاميون نجاحات انتخابية كبرى، في إعادة طرح عناوين التحالف السياسي والوحدة التنظيمية بين مكونات الحالة الإسلامية الفلسطينية التي تضم في إطارها الرئيس حركتي حماس والجهاد الإسلامي.
 
وشكل صعود الإسلاميين عربيا تغييرا في معادلات الواقع القائم التي سادت طيلة العقود الماضية، فللمرة الأولى تخترق الحركات الإسلامية جُدُر العزل والقمع التي حرمتها حق التعبير عن إرادة شعوبها، ويصل بعضها إلى تولي مقاليد الحكم والسلطة، مع ما يعنيه ذلك من تحولات ذات صبغة تاريخية تنقلب على كل مخلفات وموروثات المرحلة السابقة، وتهيئ لمرحة جديدة وواعدة في حياة الأمة وشعوبها.
 
وغني عن القول إن المشروع الإسلامي يقف على محك الاختبار العملي خلال المرحلة المقبلة في إطار تجربته الحاكمة التي يخوضها للمرة الأولى في عصر الحرية والديمقراطية الذي ولّده الربيع العربي الثائر، مما يحتم على الحركات الإسلامية المختلفة التعاضد والتكاتف وإبداء أقصى درجات التعاون المشترك في سبيل إنجاح المشروع السياسي الإسلامي الحاكم الذي يعود نجاحا أو فشلا -وبدرجة لا يمكن تجاهلها- على مختلف أطراف الحركة الإسلامية في المنطقة العربية رغم تباينات وخصوصيات البيئات الجغرافية العربية.
 
كل ذلك، يجعل من فكرة وطرح الوحدة بين طرفي الحركة الإسلامية الفلسطينية الأساسيين أولوية هامة تحاكي تطورات وإفرازات الربيع العربي، وترتقي بالعمل الإسلامي الفلسطيني إلى مستوى التحديات الكبرى التي تفرضها المرحلة القادمة.
 
ثانيا: الإقلاع بمنظمة التحرير لإنقاذ الوطن والقضية: لا يخفى أن حماس والجهاد تعولان على إعادة صياغة منظمة التحرير الفلسطينية كي تتولى قيادة المشروع الوطني الفلسطيني خلال المرحلة المقبلة.

وتدرك كلا الحركتين أن الرئيس محمود عباس، ومن ورائه حركة فتح، مضطر لرفع "الفيتو" عن انخراط ومشاركة الحركتين في المنظمة في ظل اتفاق المصالحة الذي يقضي بإجراء انتخابات متزامنة، رئاسية وتشريعية وأخرى للمجلس الوطني الذي تنبثق عنه اللجنة التنفيذية للمنظمة، خلال العام الجاري.
 
"
الرهان على الإقلاع بمنظمة التحرير عبر إعادة بنائها سياسيا وإداريا يرتبط أساسا بمدى قدرة الحركتين على العمل بشكل موحد وحقيقي لتحقيق الانطلاقة المرجوة وإحداث التغيير المنشود
"
تبعا لذلك، تسعى الحركتان لاستثمار الانخراط المتوقع في المنظمة التي تحظى بشرعية التمثيل الوطني الفلسطيني في الداخل والخارج لجهة إعادة بنائها وترتيب أوراقها من جديد، سياسيا وإداريا، بما يخدم نهج المقاومة ومشروع التحرير الذي تعتبره الحركتان أساس إنقاذ الوطن والقضية الفلسطينية من حال الضياع الذي يتقاذفها بفعل ارتهانها المزمن لمشروع التسوية والمفاوضات الذي أودى بالقضية في متاهات بلا حدود طيلة العقدين الماضيين.
 
ومن البديهي أن الرهان على الإقلاع بمنظمة التحرير عبر إعادة بنائها سياسيا وإداريا يرتبط أساسا بمدى قدرة الحركتين على العمل بشكل موحد وحقيقي لتحقيق الانطلاقة المرجوة وإحداث التغيير المنشود.
 
ثالثا: النضوج الفكري والسياسي: لا يختلف اثنان أن مستوى الوعي الفكري والسياسي لكلا الحركتين قد بلغ مستويات رفيعة في الفترة الأخيرة خلافا لما كان عليه الحال السائد في مراحل سابقة تميزت بالتقوقع في إطار الذات، والتوجس الدائم من الآخر، والعقم الفكري والسياسي الذي سدّ منافذ الفهم واللقاء والتعاون المشترك.
 
نضج الحركتين أضحى بائنا في هذه المرحلة، ويبدو أن دروس وتجارب المراحل الماضية، بما لها وما عليها، قد فعلت فعلها وتركت أثرها في خلفية التفكير السياسي والوطني للحركتين، وجعلت مواقفهما أكثر مرونة واقترابا من أي وقت مضى، ومنحتهما الأرضية المواتية للبحث في شأن إرساء الوحدة التنظيمية بينهما.
 
العوائق ومسببات الافتراق
لعل تفحّص مسار وطبيعة العلاقة القائمة بين حماس والجهاد يشي بوجود فجوة ذات رؤوس ثلاثة تبدو عصية على الردم، وتعترض نقل وتطوير العلاقة والمواقف إلى آفاق أبعد وأرحب بين الحركتين، وذلك على النحو التالي:
 
أولا: إشكاليات الموقف السياسي: يشكل الموقف السياسي من السلطة والانتخابات نقطة اختلاف وافتراق جوهرية بين الحركتين، إذ ترفض حركة الجهاد الانخراط في أجهزة ومؤسسات السلطة الفلسطينية أو المشاركة في الانتخابات التشريعية بحجة خضوعها تحت سقف ومظلة اتفاق أوسلو، فيما تؤكد حماس أن دخولها منظومة العمل السلطوي من بوابة الانتخابات لا يرتبط بأوسلو، ويهدف أساسا إلى محاربته وإضفاء الشرعية على المقاومة وحمايتها.
 
ولا يبدو أن أيًا من الحركتين في وارد التراجع عن موقفهما السياسي المعروف خلال المرحلة المقبلة في ظل استمرار تمسك حماس بالمشاركة في الحكم والسلطة، مما يعني تباعد إمكانيات التلاقي والاندماج في بوتقة واحدة مستقبلا.
 
ثانيا: خشية الذوبان التنظيمي: من المعلوم أن الجسم التنظيمي الأصغر يخشى دوما الوحدة والاندماج في الجسم التنظيمي الأكبر خشية التماهي والذوبان، وها هنا فإن حركة الجهاد ليست في وارد التضحية بجسمها التنظيمي الذي شيدته طيلة العقود الثلاثة الماضية، وتخشى وتتحسب تماما حيال أي انسياق تجاه أطروحات الوحدة الكاملة مع حماس.
 
وبالرغم من أن حركة الجهاد امتدت وتشعبت وكَبُر جسمها وهيكلها التنظيمي كثيرا قياسا بمرحلة البدايات إلا أن توسع حركة حماس، بشريا ومؤسساتيا، يجعل الجهاد أكثر خشية وأقل تعاطيا مع مبادرات الاندماج المؤسسي الذي تعتبره الحركة قفزة في الهواء تصب في صالح حماس.
 
"
من الصعب إلغاء أو كشط الإرث النفسي الطويل المبني على ثلاثة عقود من التنافس الوطني سياسيا وميدانيا بين حماس والجهاد، وخصوصا بين قواعد الحركتين الأكثر احتكاكا في ميادين التنافس اليومية
"
ثالثا: الإرث النفسي الطويل: من الصعب إلغاء أو كشط الإرث النفسي الطويل المبني على ثلاثة عقود من التنافس الوطني سياسيا وميدانيا بين الحركتين، وخصوصا بين قواعد الحركتين الأكثر احتكاكا في ميادين التنافس اليومية.
 
لقد أفرزت الأوضاع الفلسطينية الداخلية في ظل الانتفاضتين (1987، 2000) حالة غير مستوية من التنافس الميداني بين الحركتين، الذي وجد انعكاساته على خطابهما السياسي والإعلامي في العديد من الأحيان، دون استدعاء معالجات جذرية كافية لتقنين التنافس إلى حده الأدنى تمهيدا للبدء في إزالة رواسبه السلبية وتكلساته الضارة. وهكذا، فإن الإرث النفسي الطويل والمعقد الذي خيم على قواعد الحركتين يلعب دورا كبيرا في إحباط جهود الوحدة والاندماج بينهما.
 
فرص النجاح والبديل
بإمكان الحركتين الحديث أمام وسائل الإعلام عن حوارات معمقة حول فكرة الوحدة والاندماج، وتصدير تصريحات صحفية ترحب بالفكرة وتعِدُ بدراستها، لكن الشعار السياسي والإعلامي شيء، وحقيقة الموقف والممارسة شيء آخر تماما.
 
ومن هنا فإن فرص نجاح مبادرة الوحدة والاندماج الكامل تبقى ضعيفة تماما كون واقع العلاقة الراهن بين الحركتين يقطع بأن العوائق ومسببات الافتراق أكثر قوة وصخبا من موجبات الوحدة والاندماج.
 
من السهل الحديث عن تباينات سياسية وخلافات تنظيمية وإرث نفسي في إطار العلاقة بين الطرفين، واستحضار ذلك كعقبة في وجه تجسير الخلافات وتطوير العلاقات، لكن تلك الإشكاليات تبدو كنقطة صغيرة في بحر المخاطر والتحديات التي تستهدف الوجود الإسلامي المقاوم في فلسطين بشكل عام.
 
"
فرص نجاح مبادرة الوحدة والاندماج الكامل تبقى ضعيفة تماما كون واقع العلاقة الراهن بين الحركتين يقطع بأن العوائق ومسببات الافتراق أكثر قوة وصخبا من موجبات الوحدة والاندماج
"
البديل الموضوعي لتعثر أطروحة الوحدة والاندماج الكامل، والذي يشكل الحد الأدنى وأقل القليل، أن ترتقي العلاقات البينية بين الطرفين إلى علاقات تحالف إستراتيجية من الطراز الأول، مبنية على عهد الدم والعقيدة وفق قاعدة "دمي دمك ودمك دمي"، وتطوير وتعميق آليات التعاون والتنسيق المشترك بينهما، والشروع في بناء جبهة سياسية إسلامية مشتركة تُصدّر رؤية موحدة تجمع الحركتين وتعينهما على مواجهة نوائب وتحديات المرحلة المقبلة.
 
لا عذر لحركتي حماس والجهاد في إنجاز الوحدة على أي شكل كانت بينهما مهما كانت درجة ومسببات الخلاف، وهل يمكن للإسلامي أن يصطلح مع الوطني أو يصطلح مع أبناء شعبه دون أن يصطلح مع ذاته ويبني نفسه ويعيد ترميم بيته الداخلي؟!

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك