منى عبد الفتاح

منى عبد الفتاح

كاتبة وصحفية سودانية



 
عندما تُذكر ولاية "جونقلي" التي تُعدّ من أكبر ولايات دولة جنوب السودان، تتراءى معها ذكريات الحرب الأهلية بين شمال وجنوب السودان، والتي استمرت لأكثر من نصف قرن.
 
وحين تجيء أسماء مدن المنطقة، خاصة عاصمتها "بور" ومدينة "البييبور" في أهازيج المحاربين من الجهتين وبلغتين مختلفتين، يدرك السامع أنّ هذه المنطقة هي مهدٌ لحروب لم تنته فصولها وإن تغير اللاعبون الأساسيون.
 
فما إن انتهت الحرب الأولى إلا نشبت حرب أخرى من بين ثغور الصراعات القبلية والعرقية المتجددة في بلدٍ تحمّل مشقة الإبحار في غياهب الانفصال ليحصل على استقلاله قبل ستة أشهر فقط.
 
عوامل الصراع
إن كانت دولة الجنوب ما هي إلا النتاج الذي أفرزته سنوات الحرب الأهلية المرعبة، فإن القبائل الجنوبية -وعلى مدى تاريخ علاقاتها مع الشمال- لم تكن سواسية في أدوارها وتمثيلها لشعب جنوب السودان في حالتي الحرب والسلم.
 
وحين تم توقيع اتفاق السلام الشامل عام 2005 حظي أبناء بعض القبائل الكبرى بمقاعد في السلطة وتم إقصاء البعض الآخر. وهذا الوضع الذي ولّد هيمنة هذه القبائل واستقواءها على بعضها البعض انعكس على أرض الدولة الجديدة في شكل صراعات من أجل البقاء على المناطق الخصبة الصالحة للرعي الذي يعتبر النشاط الاقتصادي الأول في الجنوب.
 
وشكل الاستيلاء على الأراضي الخصبة والموارد -رغم قدمه في المنطقة وبدائيته- أحد أسباب الصراع الدائر الآن في منطقة "جونقلي" والتي أعلنتها حكومة الجنوب منطقة كوارث.
 
ورثت دولة الجنوب إقليماً يسود فيه النظام القبلي الإقطاعي، فحيازة الأرض لا تخضع لقوانين معلومة كي تتعامل مع ظروف تنقل القبائل الرعوية. كما أنه لذات السبب لم يُتح لأي تعداد سكاني أن يكون بالدقة المطلوبة، نسبة للكثافة السكانية العالية والتنقلات تبعاً للتغيرات البيئية والإيكولوجية.
 
والدولة الحديثة بميراثها لشعب تتعدد إثنياته ولهجاته وعقائده الروحانية، تضع كل السلطة في يد زعيم القبيلة، والتي تعتبر هي المكون الأساسي لمجموعة السكان.
 
وصراع "جونقلي" الذي نشب بين قبيلة النوير (حاميون) وقبيلة المورلي (نيليون حاميون)، يحوّل من مؤشر الاحتكاكات بين قبيلتي "الدينكا" و"النوير" الخصمين اللدودين التاريخيين من جهة، وبين "المورلي" و"الدينكا" من جهة أخرى.
 
"
بينما يسود اعتقاد بأن قبيلة "النوير" من بين ثلاث قبائل جنوبية أخرى، تجري في عروقها دماء عربية مختلطة مع الزنجية، تُعتبر قبيلة "المورلي" أفريقية خالصة تمتد من جنوب السودان إلى أواسط تنزانيا
"
وبينما يسود اعتقاد بأن قبيلة "النوير" من بين ثلاث قبائل جنوبية أخرى هي الدينكا والشلك والنوير، تجري في عروقها دماء عربية مختلطة مع الزنجية، تُعتبر قبيلة "المورلي" أفريقية خالصة تمتد من جنوب السودان إلى أواسط تنزانيا.
 
يعود سبب احتدام العنف القبلي في ولاية جونقلي إلى رد قبيلة "النوير" على قيام قبيلة "المورلي" باختطاف الأطفال من مضاربهم قبل عدة أشهر. هذا الصراع تغذيه معتقدات شعبية سائدة بأن قبيلة "المورلي" تعاني من لعنة "العقم الجماعي"، وهي لهذا السبب تقوم باختطاف الأطفال والنساء للمحافظة على جنس "المورلي".
 
ووفقاً لهذه المعتقدات فإن القبيلة لا تعتبر أن اختطاف الأطفال والنساء جُرماً تُعاقب عليه، بل تبرره كما تبرر سرقة الأبقار، تلك العادة المنتشرة بين القبائل المتناحرة والتي تعتبرها شجاعة يتفاخرون بها.
 
وحيث إن الأبقار وأعدادها تمثّل أحد معايير المكانة الاجتماعية لدى قبائل جنوب السودان، فإن سرقتها قد دخلت كعنصر إضافي في احتدام الصراع.
 
تحرك شباب "النوير" على شكل قوات قوامها 8000 مقاتل يملؤهم التفكير في التطهير العرقي ومحو قبيلة "المورلي" من الوجود، وذلك بحرق القرى وسرقة الماشية واختطاف الأطفال في رد مشابه لما قامت به "المورلي".
 
هذا العنف الدموي تحول من عنف اجتماعي إلى سياسي، مما يعني مزيداً من الشقاق القبلي. فبينما زاد استقطاب المعارضة في الجنوب لأحد الطرفين على حساب الآخر، يرجّح المحللون احتمالية مدّ  "المورلي" بالسلاح لتغذية الصراع القائم بالأساس على الموارد وبطريقة تبدو كأنها عمليات سلب ونهب وردود فعل انتقامية.
 
وإن صح هذا الافتراض فإن النداءات تمتد أيضاً لتصل أجهزة الحكم وضلعها الأكبر قبيلة "الدينكا" لرفع يدها عن تأجيج الصراعات. وذلك لاعتبارات عديدة وهي أن قبيلة "الدينكا" كبرى القبائل الجنوبية وصاحبة النفوذ في الحكومة وإليها ينتمي الزعيم الراحل جون قرنق دي مبيور ورئيس دولة الجنوب الحالي سلفاكير ميارديت.
 
كما أنها المكون الرئيس للجيش الشعبي الذي يحتوي على قوات مختلطة تنتمي لقبائل عدة وتسيطر عليه قبيلة "الدينكا". بالإضافة إلى أن قبيلة "الدينكا" نالت الحظوة التعليمية والسياسية والشراكة في السلطة في سنوات الوحدة كما في الانفصال.
 
آثار الصراع على الاستقرار
كحال كل الصراعات الداخلية في بلدان العالم فإنها تشكل تهديداً أمنياً واضحاً. وفي حالة صراع "النوير - المورلي" في جنوب السودان فإنّ صدًى من أصداء الحرب الأهلية بدأ يصمّ الآذان الآن. وقد أدت الصراعات إلى مقتل وتشريد الآلاف من المدنيين من أفراد القبيلتين، مما علّق نشاط المنظمات الإنسانية التي هبت إلى منطقة القرى المحروقة بالكامل وعجزت عن إنقاذ أهاليها الذين لاذوا بالعراء دون ماء أو غذاء.
 
هناك تحديات عديدة تواجه حكومة جوبا وتقعدها عن الإمساك بأطراف النزاعات الدائرة. وهناك عجز يلازمها في التدخل لفض هذا النزاع الدائر في منطقة معزولة بحيث لا يمكن لقواتها المحدودة التي أرسلتها بقوام 3000 جندي و800 شرطي -ورغم تعزيزات القوات الدولية- أن تتمكن من فض الاشتباكات الدائرة بين الطرفين. كما أنها -ومنذ لحظة ميلاد الدولة- تدور رحى حلولها لاحتواء الصراعات مع الجماعات المسلحة المعارضة مما أسهم في إنهاك قواتها.
 
كما أن هناك تحديًا آخر يكمن في انتشار السلاح وصعوبة جمعه من المواطنين بعد انتهاء الحرب الأهلية بين الشمال والجنوب. فقد كان هناك اعتقاد سائد لدى النخبة الجنوبية الشريكة في الحكم في زمن وحدة السودان، بأن حكومة الخرطوم كانت لديها رؤية وهي تجريد الجنوب من أي شأن إستراتيجي.
 
"
الصراع حول المرعى في جنوب السودان قديم، إلا أن الصراعات -وبعد توقيع اتفاقية السلام الشامل عام 2005- تطورت إلى صراعات حول ملكية الأرض، وزاد نفوذ القبائل واستقواؤها على بعضها البعض
"
أما الاعتقاد الآن فهو أنها -في ذات الاتجاه- قد قامت بتسليح القبائل ودعم قوات المتمرد جورج أطور الذي قُتل في ديسمبر/كانون الأول الماضي في صراعات عسكرية مما أدى إلى تشتت قواته وانتشار السلاح وسط المدنيين.
 
إن الصراع حول المرعى في جنوب السودان قديم، إلا أن الصراعات -وبعد توقيع اتفاقية السلام الشامل عام 2005- تطورت إلى صراعات حول ملكية الأرض، وزاد نفوذ القبائل واستقواؤها على بعضها البعض نتيجة لعودة الجنوبيين من الشمال ومن خارج السودان.
 
وتأثرت بذلك المناطق التي تعاني من تلك الصراعات القبلية، مثل منطقة البحيرات، وخاصة مناطق جونقلي والبيبور اللتان تعتبران بؤراً ملتهبة بالإضافة إلى مناطق أعالي النيل. وقد ازداد الوضع سوءاً نتيجة لانعدام سبل الاستقرار مع فقدان البُنى التحتية نتيجة عدم التفرغ لمشروعات التنمية.

إنّ توتر المنطقة بالإضافة إلى بؤر الصراع المفتوحة في منطقة القرن الأفريقي ستلقي بظلال كثيفة على أمن المنطقة بكاملها. أما بالنسبة لقضايا الحدود الدولية غير المحسومة فإن الأثر المباشر على السودان ودولة الجنوب يكمن في أنّ ولاية جونقلي المتاخمة للحدود الأثيوبية، ستفتح الباب لأثيوبيا وتمكنها من الاستثمار في الأزمة وتقوي من موقفها التفاوضي المتشدد فيما يتعلق بالنزاعات الحدودية وفرض مطالبها المتعلقة بالحدود بين الدولتين.
 
محاولة الخروج من النفق المظلم
بغض النظر إذا ما كانت حكومة الخرطوم تدس إصبعها في اضطرابات دولة الجنوب -كما يتهمها البعض- أو أنه صراع قبلي متوارث، فإن واقع الحال يشكّل تحديات جدية يتعذر تعليقها على أحد أو التهرب منها بأي حال من الأحوال.
 
وإن تخلت الخرطوم عن الجنوب باعتباره دولة مستقلة، ووقفت جانباً تتفرج على انزلاقه في الحرب الداخلية، فقد يكون تأثيرها أكثر كارثية من الحرب الأولى التي كانت بينهما. إذن سلام دولة الجنوب فيه سلام للسودان إذا تم التوافق على مسائل السيادة القومية ومقدرتها على حل مشاكل الأمن والعجز الديمقراطي.
 
إنّ أمن البلدين مرتبط بالمسائل الجيوسياسية المتعلقة بمرحلة ما بعد إعلان انفصال الجنوب، وهي مسائل غير مجردة بل ستجرّ من ورائها قضايا معلقة بين البلدين كقضية ترسيم الحدود ومنطقة أبيي التي لم يتم حسمها بعد.
 
وبالتالي فليس من مصلحة البلدين الرجوع إلى الوراء بأخذ مواقف عدائية قد تصبح سيفاً معلقاً فوق رؤوس الحكومتين.
 
وإن كان الصراع القبلي قديما كممارسة قبل انفصال الجنوب، فإن الحلول أيضاً مطروقة فيما قبل وهي لا تخرج عن إطار عقد الحوارات والمصالحات بين القوى المختلفة، لتعود الصراعات إلى الواجهة مرة أخرى لأسباب انتقامية.
 
إن المبادرات الحكومية لحل الأزمة بين الأطراف القبلية المتصارعة تتعذر بالحوار وحده دون إدارة سليمة تعبّد طريق التصالح بين القبائل وتعمل على تسوية النزاعات بطرق ودية لإعلاء سبل المصالحة بين المجموعات السكانية، بدلاً من الاستفادة من هذا الصراع باستقطاب طرف في حربه مع الآخر.
 
يتكئ النظام السائد في الجنوب على ميراث صراع قائم على معتقدات قبلية ضاربة بجذورها في تاريخ المنطقة من الصعب زحزحتها، لذا فإن الأمر يتطلب تفعيل آلية نشر الوعي وثقافة السلام ورعاية مشاعر التسامح ورفع الروح القومية.
 
ليس سلاماً بين "المورلي" و"النوير" وحدهما وإنما سلام يعمّ أرجاء الدولة، لأنه الطريق الأقصر للوصول إلى التنمية التي تأخرت وتأثرت سلبياً بفعل الاستعداد النفسي الدائم للدخول في الحرب.
 
"
لكي لا ينتقل الصراع القبلي إلى داخل جسد أجهزة السلطة والمؤسسة العسكرية في دولة الجنوب، فإن التقسيم العادل للسلطة على أساس الكفاءة وبعيداً عن معايير الاختيار القبلية، سيؤدي إلى نقلة نوعية في الوعي
"
ويُلاحظ أنّ هناك صعوبة كبيرة في تعايش القبائل مع بعضها البعض لأنها ليس لديها زعامة مركزية سياسية واحدة، فالسلطة تتركز في أيدي الزعماء الروحيين الذين يقولون كلمتهم فيما يتعلق بشؤون القبيلة. وبالرغم من عدم التداخل والتمازج الاجتماعي بين قبائل الجنوب نتيجة للتوجس الأمني، فإن المواجهات متصاعدة بسبب المراعي وحركة القبائل المستمرة، وهي لذلك تنتفي عندها فرضية التعايش السلمي، لأن كل مجموعة تتمترس خلف جدار القبيلة وتضع سياجاً بينها وبين الأخرى، بل تحاول كل منها إثبات أحقيتها في الموارد المتاحة.
 
ولكي لا ينتقل هذا الصراع القبلي إلى داخل جسد أجهزة السلطة والمؤسسة العسكرية في دولة الجنوب، فإن التقسيم العادل للسلطة على أساس الكفاءة وبعيداً عن معايير الاختيار القبلية، سيؤدي إلى نقلة نوعية في الوعي من أعلى ابتداءً من أجهزة الحكم.
 
إن قومية الجنوب على قِدمها إلا أنها تنازع الآن في مخاضها العسير لتتشكل في إطار الدولة الجديدة بعد الاستقلال، وبالرغم من الهوة الواسعة بين شمال وجنوب السودان إلا أن خيار الانفصال القاضي بتحول الجنوب إلى كيان مستقل أضعف من الدفاع عن قضية الوحدة والتعايش السلمي في الدولة الجديدة، مثلما شهدت كثيراً من الصعوبات والتعقيدات فيما قبل.

ليس هناك من خلاف على أنّ أبناء المنطقة الخارجين لتوهم من رحم الحرب الأهلية لم يتوانوا في رد الهجوم بهجوم مضاد أعنف في سلسلة من الصراعات المتواصلة، حتى تحولت منطقة "جونقلي" إلى دوامة صراع يصعب اجتراح نهج للسلام على أرضها.
 
ورغم ذلك فهناك أمل بأن ما مثّلته الصراعات القبلية من اختبارات قاسية للشعب الجنوبي ولحكومته الجديدة، يمكن أن يُخرج من ثناياها حلّاً للأزمة ما زال ينتظره شعب الجنوب.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك