بشير عبد الفتاح

بشير عبد الفتاح

بشير عبد الفتاح, أكاديمي وباحث في مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية

 
 
رغم مشاركتها الفاعلة في ثورة الخامس والعشرين من يناير/كانون الثاني عام 2011، حيث كانت في الصفوف الأمامية بميدان التحرير وقدمت مئات الشهيدات والجريحات، كما لعبت دورا تعبويا ودعائيا بارزا من داخل البلاد وخارجها عبر وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة كفيسبوك ويوتيوب وتويتر، تجلى في عمليات الحشد والتحفيز والتجييش للثوار والمتظاهرين والتي رافقها إطلاع للعالم على أحدث التطورات عن مصر وثورتها، بدا الحضور السياسي الفعلي للمرأة المصرية في مؤسسات الدولة وأروقة صنع القرار خلال المرحلة الانتقالية متواضعا إلى حد يبعث على القلق بشأن دورها وفرص تمكينها في مصر الجديدة.
 
فما إن تنحى مبارك تاركا إدارة البلاد للمجلس الأعلى للقوات المسلحة، الذى عمد بدوره في البداية إلى الاستماع لآراء وطروحات أهل الفكر والخبرة ورموز وقيادات العمل الوطني حول السبل الناجعة لتجاوز المرحلة الانتقالية والآليات الناجزة لتحديد معالم مستقبل مصر ما بعد مبارك، حتى بدت المرأة شبه مستبعدة من تلك الحوارات والنقاشات المصيرية.
 
وعلى الرغم مما أظهرته الأحزاب السياسية -سواء تلك القديمة أو حتى التي تأسست بعد الثورة- من ترحيب بوجود المرأة بين أعضائها بل وحتى في بعض المناصب القيادية بها، إلا أن القليل جدا من هذه الأحزاب هو الذي تجاسر على ترشيح عدد قليل من السيدات في انتخابات برلمان الثورة بواقع امرأة واحدة فقط لم يتسع لها المقام إلا في ذيل قوائمه الحزبية.
 
وضع حرج
أبت الدراسات والتقارير الدولية المعنية بتمكين المرأة إلا أن تدرج مصر ضمن قائمة الدول التي لا تحظى فيها المرأة بفرص تمكين سياسي مقبولة عالميا. ففي دراسة للاتحاد البرلماني الدولي عن التمثيل البرلماني للنساء في 188 دولة حول العالم نشرت عام 2008، جاءت مصر في المرتبة 134، حيث لم تتجاوز نسبة وجود المرأة المصرية كنائبة في البرلمان 2% فقط.
 
"
النتائج المتواضعة التي حققتها المرأة في الانتخابات البرلمانية لا تتناسب بأي حال مع الوجود الفعلي للمرأة في المجتمع المصري، والذى ينعكس بشكل لافت في ثقلها الديمغرافي حيث تمثل نسبة 50% تقريبا من إجمالي عدد السكان
"
وفي ذات السياق، وضع المنتدي الاقتصادي العالمي في تقريره حول "الفجوة الجندرية العالمية" والذى شمل130 دولة حول العالم، مصر في المرتبة 122 من حيث التمثيل البرلماني للمرأة. يأتي هذا رغم حصول المرأة المصرية على حقها في المشاركة السياسية تصويتا وترشيحا عام 1957 بموجب دستور 1956، وهو ما يعتبر توقيتا مبكرا للغاية إذا ما قورن بتجارب دولية أخرى تأخرت كثيرا غير أن المرأة فيها تمكنت من تجاوز نظيرتها المصرية لاحقا.
 
وفي سياق متصل، خيمت أجواء من الغياب والتهميش على وجود المرأة في برلمان الثورة، ليس فقط كمرشحة وإنما أيضا كنائبة برغم مشاركتها الملفتة في عملية التصويت، والتي فاقت مثيلتها لدى الرجال إلى حد جعلها عنصر الحسم الرئيس في نتائج الانتخابات. فلقد رصد تقرير المركز المصري لحقوق المرأة تضاؤل إجمالي المقاعد التي حصلت عليها المرأة في انتخابات مجلس الشعب الأخيرة قياسا إلى عدد المرشحات، فضلا عن تراجع أعداد المرشحات والفائزات في الجولة الثانية عن الأولى وفي الثالثة عن الثانية برغم تنامى نسبة النساء اللائي شاركن في عملية التصويت بشكل مطرد حتى آخر أيام الماراثون الانتخابي.
 
ففي حين لم تفز أية امرأة على جميع المقاعد الفردية، كان نصيب المرشحات على القوائم الحزبية هزيلا، فبينما لم يتجاوز عدد المرشحات بالمرحلة الأولى 376 مرشحة، فازت ثلاث فقط بثلاثة مقاعد على القوائم الحزبية.
 
وفي المرحلة الثانية، فازت ثلاث مرشحات فقط من بين 328 مرشحة. أما في المرحلة الثالثة والأخيرة، والتي اختزل عدد المرشحات فيها إلى 280 مرشحة، فلم يتم الإعلان رسميا عن فوز أى منهن حتى جولة الإعادة. ومن ثم، توقع خبراء ألا تتعدى حصيلة مقاعد المرأة في برلمان الثورة -انتخابا وتعيينا- 15 أو عشرين مقعدا على أقصى تقدير بما لا يتعدى نسبة 1,5% فقط من إجمالي مقاعد البرلمان.
 
والمثير في الأمر أن هذه النتائج المتواضعة لم تتناسب بأي حال مع الوجود الفعلي للمرأة في المجتمع المصري، والذى ينعكس بشكل لافت في ثقلها الديمغرافي حيث تمثل نسبة 50% تقريبا من إجمالي عدد السكان، و25% من قوة العمل، و49% من طلاب الجامعات و40% من مجموع الناخبين المسجلين في جداول الانتخابات.
 
كما لا يتناغم وتجربة الأداء البرلماني للمرأة، إذ تعاملت نائبة مع جميع المشاكل والقضايا ولم يقتصر اهتمامها على قضايا المرأة فحسب، كما حظيت بمواقع هامة في البرلمان فشغلت مناصب رئيس ووكيل وأمين سر عدد من اللجان البرلمانية، التي وصلت نسبة مشاركة المرأة في مكاتبها إلي 5.5%.
 
بواعث التعثر
تتنوع العوامل التي تعوق التمكين السياسي للمرأة المصرية، بحيث يمكن رصدها في ثلاث مجموعات، تتعلق أولاها بالسياق المجتمعي والثقافي الذى تعيش فيه، حيث تبرز اعتبارات مهمة كالعادات والتقاليد والمجتمع الذكوري ذي النظرة المتدنية لدور المرأة في الحياة العامة. وأما المجموعة الثانية، فتتصل بتكوين المرأة المصرية ومدى اقتناعها بقدراتها على العمل العام وإيمانها بأهمية دورها السياسي، فما زال هناك قطاع لا بأس به من النساء -خصوصا الملتزمات دينيا- غير متحمس لدور المرأة السياسي ومن ثم تجده يخذل النساء ويصوت للرجال في أية انتخابات بما فيها تلك الأخيرة.
 
كما يؤكد في استطلاعات الرأي على عدم جاهزية المرأة لمناطحة الرجال في العمل العام. وهو الأمر الذى يفسر تدني مشاركة المرأة في الأحزاب السياسية، وضعف الوعي السياسي والقانوني والحقوقي لدى الكثيرات، في ظل ارتفاع معدل الأمية بينهن إلى نحو 43.8%، وعدم إدراكهن لتأثير قوة المرأة التصويتية وإمكانية توظيفه لتعزيز دورها في الحياة العامة.

"
تؤكد استطلاعات الرأي على عدم جاهزية المرأة لمناطحة الرجال في العمل العام, وهو الأمر الذى يفسر تدني مشاركة المرأة في الأحزاب السياسية، وضعف الوعي السياسي والقانوني والحقوقي لدى الكثيرات
"
وفي مرحلة ما بعد مبارك، برزت جلية الحزمة الثالثة من أسباب تقلص فرص تمكين المرأة المصرية، وهى المتعلقة بتضاؤل عنصر تكافؤ الفرص وغياب المعايير الموضوعية للمنافسة بينها وبين الرجل في العملية السياسية، وهو ما بدا واضحا في عدة ملامح أهمها:
 
النظام الانتخابي: إذ يمكن القول إن النظام الانتخابي المعمول به في الانتخابات البرلمانية الجارية لم يكن خير معين للمرأة المصرية. فلقد طوى كلية صفحة نظام الكوتة النسائية الذي يمنح المرأة حصة ثابتة من مقاعد البرلمان مع احتفاظها بحقها في المنافسة على باقي المقاعد،  وسبق لمصر أن أخذت به مرتين: كانت أولاهما، في العام 1979 حينما تم تعديل قانون الانتخابات رقم 38لسنة 1972 بالقانون رقم 21 لسنة 1979 والقاضي بتخصيص ثلاثين مقعداً للنساء كحد أدني وبواقع مقعد واحد على الأقل لكل محافظة، ومن ثم ارتفعت نسبة مقاعد المرأة في هذا البرلمان إلى 8%. وكانت ثانيتهما في الانتخابات البرلمانية لعام 2010 بموجب القانون رقم 149 لسنة 2009 والمعنى بتخصيص 64 مقعداً للمرأة من إجمالي 508 مقاعد، الأمر الذى خولها حصد نسبة 12% من إجمالي مقاعد ذلك البرلمان.
 
أما في انتخابات برلمان الثورة، فقد تم إلغاء نظام الكوتة النسائية استنادا إلى حكم أصدرته المحكمة الدستورية العليا في عام 1986 بعدم دستورية القانون رقم 21 لسنة 1979 لما ينطوي عليه من تمييز على أساس الجنس، متجاهلا توقيع مصر على اتفاقات دولية تطالبها بتوسيع فرص تمكين المرأة سياسيا، ولو من خلال نظام الكوتة النسائية، أسوة بدول عديدة، ونتيجة لذلك وفي ظل عدم وضع آلية بديلة تعظم فرص المرأة في البرلمان الجديد، لم يعد متاحا للمرأة في برلمان الثورة سوى 44 مقعدا فقط، بات من الصعب عليها تحصيلها عبر نظام القوائم الحزبية.
 
فلقد أفضى اختيار ثلثي مقاعد البرلمان الجديد وفقا لنظام القوائم الحزبية إلى إضعاف فرص تمثيل المرأة فيه، حيث اكتفي النظام الانتخابي باشتراط إدراج امرأة واحدة على الأقل بكل قائمة، ولم يضمن لها موقعا متميزا في القائمة مما تركها تقبع في ذيلها على نحو قلص من حظها في الفوز.
 
هذا في الوقت الذى عززت بعض النظم الانتخابية بدول عربية أخرى كالعراق وفلسطين من تعداد وترتيب المرأة على القوائم الانتخابية. ففي الأولى، تم اشتراط وجود امرأة بين كل أربعة مرشحين على القوائم، فيما اشترط في الثانية وجود امرأة بين الأسماء الثلاثة الأولى على كل قائمة انتخابية.
 
وبدوره، فاقم الاتساع الجغرافي الهائل للدوائر الانتخابية هذه المرة من الصعوبات أمام ترشح ونجاح المرأة، التي تعذر عليها تفقد دائرة شاسعة بغرض التواصل مع الناخبين في ظل الأوضاع الأمنية المضطربة وشيوع الثقافة الذكورية، علاوة على افتقاد غالبية النساء للإمكانات المالية التي تخولهن الإنفاق على الدعاية الانتخابية مقارنة بمنافسيهن.
 
"
أسهمت الأحزاب السياسية في تقليص فرص المرأة ببرلمان الثورة، حيث لم تقدم سوى أعداد قليلة من كوادرها النسائية كمرشحات، ولم تتح لهن موقعا متقدما على قوائمها الحزبية
"
ومن جهتها، أسهمت الأحزاب السياسية في تقليص فرص المرأة ببرلمان الثورة، حيث لم تقدم سوى أعداد قليلة من كوادرها النسائية كمرشحات، ولم تتح لهن موقعا متقدما على قوائمها الحزبية.
 
ولم تقتصر عثرات المرأة المصرية على المرحلة الانتقالية فحسب سواء على إقصائها من حوارات ما بعد الثورة أو تهميشها في انتخابات مجلس الشعب، وإنما امتدت لتطال مرحلة ما بعد الانتخابات، حيث حمل فوز التيار الإسلامي بشقيه الإخواني ممثلا في حزب الحرية والعدالة والسلفي ممثلا في حزب النور بأعلى نسبة أصوات ومقاعد قلق الكثيرين في مصر وخارجها بشأن أوضاع المرأة خلال المرحلة المقبلة حتى أن المجلس القومي للمرأة في مصر عبر عن قلقه على حقوق المرأة في حال هيمنة الإسلاميين علي الحكم، ومخاوفه من حدوث ارتداد عن الحقوق والمكتسبات التي انتزعتها المرأة خلال السنوات الماضية، برغم ما شاب البلاد خلالها من اضمحلال في مناح أخرى.
 
ومبعث هذا القلق أن الإسلاميين، إخوانا كانوا أو سلفيين أو جهاديين سابقين، لم يشجعوا المرأة على التواصل والتفاعل مع الناخبين إذ لم يرشحوا عددا كبيرا من النساء ضمن قوائمهم، كما انحصر العدد القليل من مرشحاتهم في المحجبات والمنتقبات، حتى أن حزب النور -أكبر الأحزاب السلفية الناشئة أخيراً- آثر وضع زهرة بجوار أسماء مرشحاته بدلاً من صورهن في الملصقات واللافتات والمطبوعات الدعائية الانتخابية.
 
وكان عالم السياسة الغربي الشهير روبرت دال قد وضع الانتخابات الحرة والنزيهة ضمن الشروط السبعة التي من المفترض توفرها في أي نظام ديمقراطي باعتبارها آلية من آليات تطبيق المبادئ الرئيسية للديمقراطية، شريطة أن تضمن الانتخابات وكذا المجالس التشريعية النيابية التي تنبثق عنها، تعددية سياسية حقيقية تضمن تمثيلا حقيقيا لكافة التيارات السياسية الرئيسية في المجتمع مع مراعاة التمثيل الأفضل للنساء والأقليات في الدول ذات التعددية العرقية أو اللغوية أو الدينية، وذلك وفقاً لقواعد النظامين السياسي والانتخابي المعمول بهما في تلك الدول.
 
تفعيل حضور المرأة
وبناء عليه، تبدو الحاجة ملحة الآن في مصر أكثر من أي وقت مضى لتفعيل حضور المرأة السياسي حتى لا تكون الانتخابات -التي هي أحد أبرز آليات الممارسة الديمقراطية- مفتقدة لأهم محددات نزاهتها ونجاحها بتهميشها أو إقصائها لشريحة مهمة وواسعة من المجتمع كالمرأة.
 
وأحسب أن خير بداية على هذا الدرب تتأتى من المضي قدما باتجاهات ثلاثة متوازية: أولها، تشريعي قانوني، بحيث يتم سن بعض النصوص التشريعية والقانونية والدستورية التي تضمن للمرأة حدا أدنى من التمثيل النيابي والسياسي في مسعى لكسر حاجز العزلة المفروض على دورها في الحياة العامة والذي كرسه غياب الحماس المجتمعي لذلك الدور بجريرة شيوع الثقافة الذكورية المناهضة لتنامى دور المرأة. 
 
"
لا بد من سن بعض النصوص التشريعية والقانونية والدستورية التي تضمن للمرأة حدا أدنى من التمثيل النيابي والسياسي في مسعى لكسر حاجز العزلة المفروض على دورها في الحياة العامة
"
وثانيها، سياسي إجرائي، يتجلى في ضرورة إشراك المرأة -على نحو جاد وفاعل- في الحوارات والجهود الخاصة بصوغ الدستور الجديد كما سائر مؤسسات وأجهزة النظام السياسي البازغ بما يساعد على تلافي أو على الأقل تقليص معوقات تمكينها، فضلا عن تذليل العقبات قدر المستطاع أمام مشاركتها الثرية في الانتخابات البلدية المقبلة عساها تكون بمثابة مدرسة للتربية والإعداد السياسيين وقاعدة للانطلاق بقوة نحو الاستحقاقات البرلمانية والرئاسية في مقبل الأيام.
 
وأما آخرها، فثقافي ودعائي، ينصرف إلى تبنى إستراتيجية متكاملة وطويلة المدى على الصعد الإعلامية والتعليمية والثقافية ترمي إلى تغيير الصورة الذهنية النمطية المزمنة التي تنتقص من مكانة المرأة وقدراتها في المجتمع المصري.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك