ياسر الزعاترة

ياسر الزعاترة

كاتب أردني


نحاول أن نتعاطف مع طارق الهاشمي وصالح المطلك وسواهم من ممثلي العرب السنة في العملية السياسية أمام طغيان نوري المالكي وغطرسته، فنجد صعوبة في ذلك، ولولا أن الأمر يمس فئة معتبرة وذات تاريخ مشرف من العراقيين (أعني العرب السنة) لكان لنا رأي آخر فيما جرى ويجري.
 
في كلمة بالغة الأهمية والدلالة تعليقا على قضية الهاشمي وطلب محاكمته بتهم "إرهابية"، قال نوري المالكي ما نصه "الدستور سيكون المرجعية العليا لإدارة شؤون البلاد ومعالجة الخلافات مستقبلا، لا التوافقات والمبادرات (...) في السابق كنا نحتاج إلى توافقات أما اليوم فلا حاجة إليها"، وأوضح المالكي أنه قد يلجأ إلى تشكيل "حكومة أغلبية سياسية" إذا تواصل غياب نواب القائمة العراقية عن جلسات البرلمان، أما وزراؤها فقد هدد باستبدال أي منهم يغيب عن عمله وجلسات الحكومة.
 
"
إذا صحَّ ما قاله طارق الهاشمي حول تعرضه لعملية ابتزاز من أجل اتخاذ مواقف سياسية تخالف القائمة العراقية مقابل لفلفة القضية المثارة ضده، فإن الموقف يسجل له، وقد يغفر بعض خطاياه التي ارتكبها ومعه آخرون بحق العرب السنة
"
إذا صحَّ ما قاله طارق الهاشمي حول تعرضه لعملية ابتزاز من أجل اتخاذ مواقف سياسية تخالف مواقف قائمته "العراقية" مقابل لفلفة القضية المثارة ضده، إذا صحَّ ذلك -ونرجح صحته، لأن المالكي مسكون بروح الابتزاز الوقح حتى مع شركائه في الائتلاف الوطني "الشيعي"- فإن الموقف يسجل للهاشمي، وقد يغفر له بعض خطاياه التي ارتكبها -ومعه آخرون- بحق العرب السنة، مع الإشارة إلى أن موقفه من قضية المهجرين العراقيين وأصواتهم في الانتخابات هو الذي منحه أعلى الأصوات في بغداد في الانتخابات التشريعية، إلى جانب انفصاله عن الحزب الإسلامي بتراثه البائس، مع أنه أحد أهم الأشخاص الذي يُسألون عن ذلك التراث.
 
على أن ذلك لن ينسي عقلاء العرب السنة في العراق حجم الجريمة التي ارتكبت بحقهم من قبل الحزب وسواه من ممثلي العرب السنة، بمن فيهم صالح المطلك، عندما كانوا يبيعون صوتهم في سوق النخاسة السياسية مقابل فتات لا يسمن ولا يغني من جوع.
 
طوال السنوات الماضية منذ مجيء الاحتلال، لم يكن بوسع منظومة المحتل ومن جاؤوا على ظهر دبابته إبرام أمر "سياسي" ذي بال في العراق من دون شرعية العرب السنة، وقد تولى الحزب الإسلامي -قبل قيادة الهاشمي وبعدها أيضا- كِبَر هذه اللعبة، إذ كان يمنح تلك الشرعية مقابل مكاسب هزيلة لا تغير من حقيقة أن المكاسب الكبرى إنما كانت تصب في جيب القوى الشيعية، فضلا عن الأكراد الذين لم يعد يعنيهم شأن العراق إلا بمقدار ما يعفيهم من مواجهة مخاطر الانفصال الكامل فيما يتصل بردود فعل دول الجوار، بينما يعلم الجميع أنهم يتمتعون عمليا بمزايا تبدو أفضل من الناحية العملية من الانفصال الكامل.
 
لو كان هناك سياسيون عقلاء وشجعان يمثلون العرب السنة، لكان بوسعهم الحصول على مكاسب حقيقية لا تحشر الفئة التي يمثلونها في دائرة الأقلية، لا سيما أنها هي عنوان المقاومة التي كانت ترهق الأميركان وتستنزفهم ماليا وبشريا، وليس الطرف الشيعي الذي كان يعتمد على ضغط المقاومة في الحصول على التنازلات من الاحتلال تحت لافتة ترتيب وضع سياسي يخلصه من عبء المواجهة مع المقاومة، ويمنحه فرصة الانسحاب من دون الشعور بالهزيمة الكاملة.
 
منذ مجلس الحكم والمشاركة فيه، قبل القوم حشر العرب السنة في دائرة العشرين في المائة، بينما كنا نسمعهم يصرخون في كل نادٍ بأنهم يمثلون ثلث السكان في أقل تقدير، وهي النسبة التي ثبتت صحتها من الناحية العملية في الانتخابات الأخيرة التي أفرزت البرلمان الحالي، مع أن النظام الانتخابي كان ظالما لمحافظاتهم بقدر لا يمكن تجاهله بأي حال، وهو ظلم يُسأل عنه ممثلوهم أيضا.
 
بعد ذلك توالت التنازلات التي تشرِّع العملية السياسية، والتي كانت تأتي غالبا بعد تمنّع كان الأميركان ومعهم القوى الشيعية العاملة معهم يدركون أنه "تمنّع الراغبة"، وليس رفضا حقيقيا لا يمكن كسره من دون تنازلات فعلية مقابلة.
 
وفيما عاقب جمهور العرب السنة الحزب الإسلامي على خطاياه تلك في الانتخابات الماضية، فقد جاءت القائمة العراقية الجديدة التي كانت توليفتها نتاج جهد تركي مدعوم من عدد من الدول العربية، جاءت في محاولة لتدارك الأمر، لكن ذلك لم يكن ليؤتي أكله في ظل سيطرة المالكي والقوى الشيعية على الجيش والأجهزة الأمنية وسائر المفاصل الحساسة في البلاد، ومن ضمنها القضاء، بما يقلل عمليا من قيمة أي شراكة سياسية مهما كان شكلها (الوزارات نفسها تخضع فيما دون الوزير للقوى الشيعية).
 
"
فيما عاقب جمهور العرب السنة الحزب الإسلامي على خطاياه في الانتخابات الماضية، فقد جاءت القائمة العراقية الجديدة كمحاولة لتدارك الأمر
"
هنا سيقول البعض إن غياب العرب السنة عن الجيش والأجهزة الأمنية كان جريمة تتحملها القاعدة وهيئة علماء المسلمين كما ردد ويردد رموز الحزب إياه وسواهم، وهو كلام غير مقنع بالطبع لأن الطرف الآخر كان واعيا لهذه المعادلة منذ البداية، ولم يكن ليمنح أحدا فرصة السيطرة على تلك المؤسسة الحساسة حتى لو رغب في ذلك، فضلا عن أن تمرير هذا الخيار كان يعني بدوره شل المقاومة منذ البداية ومنح مشروع الغزو فرصة الانتصار على الجميع، بما ينطوي عليه من تهديد لعموم المنطقة، فضلا عن إمكانية تحويل المقاومة إلى الطرف الآخر (شعبية وعسكرية) على نحو يمنحهم فرصة السيطرة على البلد بقوة الأغلبية وفضل التحرير في ذات الوقت، لا سيما أن إيران تقف من ورائهم تدبر وتخطط، بينما يعيش العرب السنة اليتم السياسي بسبب مخاوف العرب من غضب أميركا إذا تدخلوا في غير مصلحتها.
 
والحال أن حشر السنَّة في الإطار الطائفي يشكل جريمة بحد ذاته، إذ إن السنّة لم ينظروا لأنفسهم في يوم من الأيام بوصفهم طائفة، بل هم عنوان الدين و"أم الصبي" التي ترفض تقطيعه حتى لو أخذته امرأة أخرى، وكان بوسعهم دائما استيعاب الآخرين مهما اختلفوا معهم لأنهم لم يشعروا يوما بتهديد لوجودهم، وكانت مقاومة السنّة في العراق تعبيرا عن روح الدفاع عن الأمة ككل، وليس عن طائفة بعينها.
 
الأهم من ذلك كله يتمثل في جريمة حلّ الجيش والأجهزة الأمنية، والتي ما كان لها أن تمرّ لو رفض أولئك القوم منح شرعية العرب السنة للعملية السياسية، وقد كان بوسعهم أن يرفضوا تلك المشاركة مشترطين عودة مؤسسة الجيش التي لم تكن طائفية في يوم من الأيام، ولو فعلوا ذلك لكان لهم ما أرادوا، لكنهم سكتوا عن تلك الجريمة التي فتحت الباب على مصراعيه أمام جنون الطائفية الذي اجتاح البلاد.
 
وفيما رفع القوم إياهم شعار مواجهة النفوذ الإيراني الشيعي لتبرير انخراطهم في عملية سياسية بائسة تصب في صالح الطرف الآخر وتعمل على إنقاذ المحتل من مأزقه، فقد جاءت الأحداث لتؤكد أن ما فعلوه قد ألقى البلد ثمرة ناضجة في يد النفوذ الإيراني. ألا يكفي ذلك دليلا على الفشل؟!
 
لا خلاف على أن أخطاء أخرى قد ساهمت فيما جرى ويجري؛ من بينها تحولات القاعدة والأخطاء التي ارتكبتها والمعارك التي أطلقتها ضد فعاليات عربية سنية، فضلا عن حرف بوصلة المقاومة نحو استهداف الشيعة والمنخرطين من السنة في العملية السياسية ومنهم رموز عشائر، فضلا عن الاشتباك مع بعض قوى المقاومة (هذه الأجواء هي التي ساهمت في إنتاج ما عرف بالصحوات)، لكن تبقى جريمة السياسيين هي الأكبر والأكثر تأثيرا.
 
اليوم، وبعيدا عن التلاوم (الاعتراف بالأخطاء ضرورة لرسم مسار المستقبل)، فإن المطلوب هو وقفة عربية تركية لصالح العرب السنة توازن الموقف الإيراني وتحفظ وحدة البلد، مع تصعيد الضغط على نظام الأسد حتى إسقاطه كمحطة لتحجيم طموحات إيران وفتح لآفاق التفاهم معها على أسس للتعايش في المنطقة ككل، وفي العراق ابتداءً كمختبر لذلك التعايش.
 
"
سياسات إيران الداعمة لطائفية المالكي وهمجية نظام بشار الأسد سترتد وبالا عليها، وليس من باب الإفراط في التفاؤل القول إنها ستكون الخاسر الأكبر من ربيع العرب
"
أما التبشير بالتقسيم، وإن من خلال تطبيق مبدأ الفدرالية فيما خص محافظات العرب السنة، فهو جريمة أخرى بحق العراق، وبحق الأمة، تروج لها أصوات سياسية على قدر من الرعونة، مع تفهمنا لمشاعر الجمهور العربي السني التي تأتي ردا على سياسات التهميش والإقصاء التي تمارسها بحقهم حكومة المالكي، ومعها مؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية والقضائية. ومن الأفضل التبشير بوضع آخر يحفظ وحدة العراق وانتماءه إلى فضائه العربي والإسلامي، وقيامه على أسس من العدالة والمساواة بين جميع أبنائه.
 
كل ذلك سيكون في حاجة إلى حراك شعبي واسع النطاق في مناطق العرب السنة، وفي مقدمتها بغداد، وسياسة جديدة واعية لممثليهم في العملية السياسية بعيدا عن الصفقات البائسة في الغرف المغلقة، والتي تعلي من شأن المكاسب الحزبية والشخصية أكثر من مصير العراق، بل أكثر من مصير العرب السنة أنفسهم.
 
يبقى ضرورة القول (وفي ذلك بشارة للمظلومين في العراق) إن سياسات إيران الداعمة لطائفية المالكي وهمجية نظام بشار الأسد سترتد وبالا عليها، وليس من باب الإفراط في التفاؤل القول إنها ستكون الخاسر الأكبر من ربيع العرب إلى جانب دولة الاحتلال الصهيوني على ما بينهما من تناقض.
 
ولعل ذلك سيؤدي إلى تواضع القيادة الإيرانية ومن ثم تراجع منسوب غرور القوة الذي أصاب بعض القوى الشيعية، مما سيؤدي بدوره إلى تفاهم على أسس للتعايش بين أبناء الأمة بعيدا عن ثارات التاريخ والسياسات الطائفية بكل أشكالها، لا في العراق فحسب، بل في عموم المنطقة، مع أن العراق سيكون المختبر الأول لذلك التعايش كما أسلفنا من قبل.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك