أحمد بحر

أحمد بحر


شكلت ذكرى انطلاقة حركة المقاومة الإسلامية "حماس" الرابعة والعشرين قبل عدة أيام فرصة حقيقية لتقييم الموقف، ومراجعة الحال والمسار، في ضوء التحديات الكبرى التي تواجهها الحركة محليا وإقليميا ودوليا.
 
حين نتحدث عن انطلاقة حركة حماس فإننا لا نتقوقع داخل الإطار الحزبي الفصائلي، لأن حركة حماس لم تعد مجرد فصيل فلسطيني مقاوم فحسب، بل إنها تشكل اليوم أنموذجا متقدما للمشروع الوطني التحرري فلسطينيا، وحالة سياسية رفيعة وذات مصداقية هائلة عربيا وإسلاميا ودوليا.
 
"
حركة حماس لم تعد مجرد فصيل فلسطيني مقاوم بل إنها تشكل اليوم أنموذجا متقدما للمشروع الوطني التحرري فلسطينيا، وحالة سياسية رفيعة وذات مصداقية هائلة عربيا وإسلاميا ودوليا
"
لا نريد اليوم استعراض التاريخ المجيد والاكتفاء بعرض المحطات المضيئة في إطار مسيرة حركة حماس الحافلة، فهذا أمر معروف ومفهوم، لأن جهد وتضحيات وإنجازات الحركة تخلّل مختلف النواحي والمجالات الفلسطينية، ولم يعد يعنينا تكرار سرد وقائع التاريخ المشرق رغم أهمية ذلك بقدر ما يعنينا الحديث عن ظروف ومعالجات وتحديات الحاضر وآفاق وتطلعات المستقبل، في ظل ريادة الحركة للشعب الفلسطيني وعملها رأس حربة للدفاع عن قضايا ومصالح الأمة في مواجهة التغول والمخططات الصهيونية المتعاظمة.
 
لقد حققت حركة حماس قفزات نوعية في المجالين السياسي والجهادي في الأعوام الأخيرة، وارتقت مرتقى مباركا، رغم كل أشكال الحصار والعدوان التي حاولت استئصالها وتغييبها عن المشهد الفلسطيني، سواء عبر المواجهة المباشرة المكشوفة كما في الحصار الظالم المستمر والحرب الأخيرة نهاية 2008 وبداية 2009، أو عبر محاولات الترويض والتدجين والاحتواء السياسي التي فشلت في ثني الحركة عن التمسك بمبادئها وحقوق شعبها وثوابت قضيتها.
 
وبكل إنصاف وموضوعية، يمكن القول إن حركة حماس قد تصدرت المشهد الوطني، سياسيا وكفاحيا، في المرحلة الماضية، وباتت عقب فوزها في الانتخابات التشريعية مطلع العام 2006 في ذروة المسؤولية أمام شعبنا الفلسطيني، وتمكنت بموجب ذلك من تحقيق إنجازات كبرى لشعبنا ووطننا وقضيتنا لا يماري فيها إلا حاقد ولا يشكك فيها إلا جاهل ولا يتجاهلها إلا منافق قد عميت بصيرته عن إدراك الحقائق والتماس الفهم السليم لمعطيات وصيرورة القضايا والأحداث.
 
للمرة الأولى يجد شعبنا من يحمي حقوقه وثوابته الوطنية التي ماعت في دهاليز السياسة غير النظيفة منذ توقيع اتفاقات أوسلو، ويضفي على المقاومة شرعية وطنية ويحمي أبناءها وكوادرها وبناها العسكرية، بل يوفر الدعم والشرعية لها بعيدا عن الملاحقة والاعتقال والاغتيال الذي شرعته مفاهيم التنسيق والتعاون الأمني مع الاحتلال الصهيوني.
 
وللمرة الأولى يشهد الواقع الفلسطيني تزاوجا حقيقيا بين الحكم والسياسة وبين الكفاح والمقاومة سارت في ضوئه القضية الفلسطينية بعيدا عن أي إفراط أو تفريط أو ملوثات تعكر طهر ونقاء مسيرة ومشوار المواجهة والتحرر والانعتاق من نير الاحتلال.
 
لقد أوفت حماس بوعدها حين رفعت شعارا "يد تبني ويد تقاوم" مع خوضها غمار الانتخابات التشريعية مطلع العام 2006، وطبقت تجسيداته في مرحلة ما بعد الانتخابات حين حملت أمانة ومسؤولية الحكم مع ما يترتب على ذلك من استحقاقات من جانب، ومارست المقاومة الراشدة المشروعة ضد الاحتلال من جانب آخر.
 
لقد قيل الكثير في تجربة حكم حماس طيلة السنوات الماضية، لكن منصفا لا يستطيع أن يجنح نحو تقييم التجربة بشكل متعسف بعيدا عن ظروف وسياقات الواقع الموضوعي الذي هد كيان الفلسطينيين في المرحلة الماضية.
 
هل يستطيع أحد أن ينكر أو يتجاهل أن الحصار الذي فرض على غزة هو الحصار الأقسى والأكثر شراسة ولاإنسانية في التاريخ البشري المعاصر؟! وهل يمكن لأحد أن يقفز عن حقيقة التآمر الإقليمي والدولي على التجربة الديمقراطية الفلسطينية عقب فوز حماس في الانتخابات، والعمل السافر المكشوف الذي استهدف إسقاط حكم حماس وتأليب الشارع الفلسطيني عليها عبر أساليب قذرة ووسائل غير أخلاقية سياسيا وأمنيا وإعلاميا واجتماعيا؟!
 
لقد صمدت حماس وحكومتها في وجه أعتى حصار عرفه التاريخ الحديث، ولو أن حركة أو جهة أو حتى دولة تعرضت لما تعرضت له حماس لسقطت دون شك، وهذا ما يدفعنا للتأكيد على أن تحدي حماس للإرادة الإقليمية والدولية التي تستهدف إدخال حماس والفلسطينيين إلى بيت الولاء والطاعة الأميركي والإسرائيلي يشكل إنجازا عظيما بكل المقاييس.
 
كان اعتقاد الإدارة الأميركية والاحتلال الإسرائيلي خاصة، والنظام الإقليمي والدولي عموما، الذي بلور منذ البداية ما يسمى شروط الرباعية لمواجهة حكم حماس الجديد أن فرض الحصار على حماس سوف يجبرها على الرضوخ للاشتراطات الدولية المجحفة، ويجعل منها أسيرة الإملاءات الدولية التي سبق أن خضعت لها حركة فتح، إلا أن حماس صمدت وثبتت على مواقفها، ولم تغيّر ولم تبدّل، وتحملت الأثمان الباهظة في سبيل ذلك من حرب وحصار وعدوان.
 
"
كان اعتقاد الإدارة الأميركية والاحتلال الإسرائيلي خاصة والنظام الإقليمي والدولي عموما، أن فرض الحصار على حماس سوف يجبرها على الرضوخ للاشتراطات الدولية المجحفة، إلا أن حماس صمدت وثبتت على مواقفها
"
ومع صمود حماس في مواجهة الجبروت الدولي بدأت العديد من الأصوات تعلو تدريجيا على امتداد الساحة الإقليمية والدولية، وتطالب برفع الظلم والحصار عن الشعب الفلسطيني ومنح حماس فرصتها الديمقراطية، وهكذا تقاطرت على غزة مئات الوفود التضامنية، عربيا وإسلاميا ودوليا، التي تضم سياسيين وبرلمانيين وشخصيات وازنة في بلدانها، والتقت على هدف واحد هو رفع الحصار عن غزة واحترام نتائج العملية الديمقراطية الفلسطينية والتخلي عن الاشتراطات الدولية التي تنافي الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني وثوابته الوطنية.
 
ومن وراء ستار كانت العديد من الدول الأوروبية تخوض حوارات غير معلنة مع حماس في فترات زمنية مختلفة طيلة السنوات الماضية، وتستكشف موقف الحركة في مختلف المجالات، وتعترف لها بخطأ حساباتها ومواقفها السياسية تجاه حظر التعامل العلني مع الحركة وزجها ضمن خانة الحركات والمنظمات الإرهابية.
 
فوق ذلك، استطاعت حماس، وفي ظل هذا الوضع الشائك والظروف المعقدة، أن تسير بسفينة المقاومة الفلسطينية إلى بر الأمان، وحققت الإنجاز الأهم في تاريخ المقاومة والثورة الفلسطينية المعاصرة عبر اختطاف الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط، والاحتفاظ به 64 شهرا في معجزة أمنية واستخبارية أعجزت الدولة العبرية التي تباهت بأنها لا تقهر، وأذهلت كل الاستخبارات العالمية التي نشطت أقمارها الصناعية وعيون أدواتها وعملائها في محاولة تحديد مكان الجندي شاليط في الشريط الساحلي الأصغر والأضيق جغرافيا على مستوى العالم دون جدوى.
 
وهكذا فإن صفقة وفاء الأحرار لتبادل الأسرى التي اختتمت مرحلتها الثانية مؤخرا شكلت أحد الإنجازات الهامة التي حققتها الحركة في سبيل خدمة ورفعة شعبها الفلسطيني، وفاء منها لقضية الأسرى الأبطال في سجون الاحتلال، وتعبيدا للطريق نحو الحرية والاستقلال الوطني.
 
ولأول مرة في تاريخ الكفاح الفلسطيني يتجسد نموذج فلسطيني مقاوم لا يخضع لسطوة الضغوط وأساليب الترغيب والترهيب الدولية، ويعتمد على قواه وإمكانياته وموارده الذاتية لحماية قراره الوطني المستقل، وحفظ الحقوق والثوابت الفلسطينية من العبث والتدخل الخارجي، لتعيش غزة حرة طليقة من تأثيرات المال السياسي المسموم والضغط الخارجي اللعين، وتقدم نموذجها المتميز الذي يضع مصلحة الشعب والوطن والقضية أولا وأخيرا.
 
أمنيا، حققت الحركة ما لم يستطع فعله وإنجازه الآخرون، فقد قضت تماما ونهائيا على حالة الفوضى والانفلات والتسيب الأمني، ووفرت الأمن لجميع أبناء شعبنا الفلسطيني، وفككت بؤر التوتر الميداني ومراكز القوى الأمنية والعشائرية التي أرهقت كاهل المواطنين دهرا من الزمن، وقدمت نموذجا للأجهزة الأمنية المخلصة ذات العقيدة الوطنية الخالصة التي تسير بوحي من مصلحة شعبها وقضيتها ولا تخضع لأجندات أمنية خادمة لمصلحة عدوها حولتها إلى مجرد أدوات أمنية تنفذ إرادة الآخرين المعادية لحقوقنا وتطلعات شعبنا.
 
وحين توافقت حماس مع القوى والفصائل الوطنية والإسلامية على تهدئة الأوضاع الميدانية فإنها انطلقت من منطلق وطني خالص، رائده الحفاظ على مصلحة الفلسطينيين في وجه أهداف العدوان التي تحاول كسر إرادتهم وسحق صمودهم وتدمير مقوماتهم وإمكاناتهم واستئصال مقاومتهم في ظل تآمر دولي خطير في بعضه، وصمت مريب في بعضه الآخر.
 
لقد حافظت حماس في تجربة حكمها على المقاومة الفلسطينية وحقها الكامل في مواصلة مشوارها حتى إنجاز التحرير بإذن الله، وحرصت على صيانة بناها التحتية وقواها العسكرية وتجنيبها أي معركة غير محسوبة، ودفعت باتجاه تشكيل غرفة عمليات عسكرية لقوى المقاومة المختلفة لتنسيق الموقف والقرار الإعلامي والميداني بما يجعل ضربة المقاومة في مواجهة الاحتلال أكثر رشدا وسدادا، وبما يقطع الطريق على مخططات وأهداف الاحتلال.
 
وكما أدارت حماس معركة عسكرية ذكية في وجه الاحتلال فإنها أدارت -أيضا- معركة أمنية بالغة التعقيد، وتمكنت بموجبها من ضرب وتفكيك الكثير من خلايا العملاء الذين اخترقوا الجبهة الفلسطينية الداخلية وعملوا على تقديم المعلومات لأسيادهم الصهاينة لضرب قوى المقاومة وحاولوا تثبيط معنويات الفلسطينيين وتخذيل إرادتهم في مواجهة العدو.
 
ومع كل يوم جديد نلمس نضوجا مطردا في مسار تجربة حركة حماس الرائدة، وحرصا بينا من الحركة على التلاحم مع آمال وآلام شعبنا الفلسطيني، يجد تجسيداته الواضحة في المرونة الكبرى التي تقدمها الحركة لإنجاز مسيرة المصالحة وبلوغ آفاق الشراكة الوطنية المنشودة، وخدماتها الواسعة التي لا تتوانى في تقديمها للمواطنين الفلسطينيين بهدف تعزيز صمودهم في مواجهة الاحتلال، فحماس تعتبر المصالحة إستراتيجية حقيقية وضرورة شرعية ووطنية من أجل وحدة الشعب الفلسطيني لتحقيق أهدافه في الحرية والاستقلال وتحرير بيت المقدس أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين.
 
لقد عانت حماس أشد المعاناة من مسيرة الانقسام الفلسطيني، ودفعت ثمنا باهظا في سبيل استنقاذ الوطن والقضية من مخطط التذويب والتصفية، وتحملت كل أشكال الانقلاب على التجربة الديمقراطية، وها هي تواجه أشكال العنت والقمع من قبل أبناء جلدتنا والاحتلال في الضفة الغربية، وتتصدى للعدوان الصهيوني الوحشي في قطاع غزة، وتحمي الحدود والثغور التي يتربص بها الاحتلال دوائر الاستهداف كل لحظة.

"
حين نتحدث عن إنجازات حماس يجب ألا نغفل حرص الحركة طيلة مسيرتها الحافلة على التخفيف من معاناة شعبنا الفلسطيني، وجهدها الكبير المبذول في إطار معالجة القضايا الاقتصادية والاجتماعية المختلفة
"
كل ذلك حول حماس إلى جزء صلب من المعادلة السياسية، فلسطينيا وإقليميا، وجعل منها رقما صعبا يستحيل تجاوزه أو القفز عنه بأي حال.
 
وحين نتحدث عن إنجازات حماس يجب ألا نغفل حرص الحركة طيلة مسيرتها الحافلة على التخفيف من معاناة شعبنا الفلسطيني، وجهدها الكبير المبذول في إطار معالجة القضايا الاقتصادية والاجتماعية المختلفة، كالفقر والبطالة، والتقليل من مشكلة الخريجين والخريجات.
 
لقد أرخ الواقع الفلسطيني للعمل الأصيل الذي بادرت به –ولا تزال- الجمعيات الخيرية الإسلامية التابعة للحركة التي خففت من ثقل المعاناة التي هدت كاهل أبناء شعبنا تحت الاحتلال وفي ظل العدوان والحصار الصهيوني.
 
وفي مرحلة ما بعد الانتخابات التشريعية وتشكيل الحكومة الفلسطينية العاشرة عام 2006، ومن ثم حكومة الوحدة الوطنية عام 2007، تولت الحكومة التي تعبّر عن مشروع ومبادئ الحركة رعاية الجانب الاجتماعي عبر تقديم المساعدات الإغاثية للطبقة العمالية وكل الشرائح الفقيرة والمستورة من أبناء شعبنا، وأقدمت على توظيف الآلاف من الخريجين والخريجات في المؤسسات الرسمية في جهد مثابر ودؤوب للمساهمة الفاعلة في حل مشكلة الفقر والبطالة التي يعاني منها المجتمع الفلسطيني، وكلنا أمل أن تحقق حماس رغبة الجماهير في إنهاء ومحاربة ظاهرة البطالة وتتمكن من تخفيف المعاناة بقدر المستطاع عن أبناء شعبنا.
 
لقد حققت حماس في مسيرتها العديد من الأهداف الوطنية، ولا زالت تسير باتجاه تحقيق أهداف أخرى بإذن الله، ونحن على يقين بأن الإنجازات الوطنية برسم حماس ستتواصل في حياة هذه الحركة الوطنية الإسلامية المجاهدة المناضلة التي قدمت قادتها ومؤسسيها فداء للدين والوطن والقضية، وأن الحركة ستواصل مسارها الأصيل في حفظ والتمسك بالحقوق والثوابت الوطنية وقيادة المشروع الوطني الفلسطيني نحو التحرير والاستقلال في ظل دعم وإسناد ومؤازرة شعبنا الصامد وكل الغيورين والمحبين من أبناء أمتنا وكل أحرار العالم.

المصدر : الجزيرة

التعليقات