كمال الجزولي

كمال الجزولي

كمال الجزولي



لو كان الترابي أقل "دغمسة" للحقائق، والصحفيون أكثر اعتباراً بالتاريخ، والذاكرة الشعبية أقوى مما هي عليه، لما تحولت دعوة الجبهة الإسلامية للمهدي وحزبه للمشاركة فـي انقلاب يونيو/حزيران 1989م من واقعة تاريخية إلى مغالطة سياسية!

 

ظلت هذه الواقعة تتواتر في مقام الإثبات عقداً ونيفا، والترابي يؤثر الصمت تجاهها، بينما القاعدة الفقهية الراسخة هي أن الصمت في موضع الحاجة للكلام.. كلام! وحتى عندما تطرق المهدي إليها ضمن خطاب اﻻستقلال بتاريخ 2/1/2012م -رداً علـى اتهام حزب الترابي له بالسعي للمشاركة في السلطة، مقنعاً كان ذلك الرد أو غير مقنع، إذ ليس هذا مطلبنا هنا- فإن الترابي لم يجد ما يعقب به سوى اﻻلتواء بالمعنى قائلاً إن "من يريد أن يعمل انقلاباً ﻻ يستشير المهدي"!

 

هكذا، وبتأثير هذه "الدغمسة الجنائية"، تحول المهدي -في تقارير صحفية كثر- إلى "شاهد ملك"، وأضحى موضوع تصريحه "السياسي"، كما لو لم يكن انقلاب 1989م، بل اﻻنقلاب الذي اتهمت السلطة مؤخراً -كعادتها في التلفيق- حزب الترابي بالتحضير له، مما حدا بمكتب المهدي ﻹصدار توضيح، في 7/1/2012م، يستعيد فيه المعنى اﻷصلي لتصريحه.

 

فما الذي يغلب أصلاً اعتبار دعوة الجبهة اﻻسلامية باكراً للمهدي كي يشارك في انقلاب 1989م، "واقعة ثابتة" غير قابلة للتزوير أو المحو مـن الذاكـرة بمـثل هـذه البهلوانيات؟!
  
 
(1)
"
نخشى -مع كر مسبحة الزمن المتلاف، وتفويت مثل مكيدة الترابي هذه- أن تنطمس الأحداث، وتنبهم المعلومات، ويختلط الواقع بالخيال، والحقيقة بالوهم، مما يستحيل معه التأريخ للحدث
"

يجدر أن نذكِّر -بادئ ذي بدء- بأننا ربما كنا أول من اهتم بتحقيق تلك الواقعة ودور المرحوم أحمد سليمان المحامي فيها، ﻻ من باب المبالغة في تقدير دور الفرد، وإنما بالعكس من باب عدم الإهدار المطلق لهذا الدور؛ فالرجل كان قيادياً بارزاً في الحزب الشيوعي، ولعب -من خلف ظهر الحزب- دوراً مهماً فـي انقلاب النميري فـي مايو/أيار 1969م، قبل أن ينتقل -عقب انتفاضة أبريل/نيسان 1985م- إلـى قيادة حزب الترابي.

 

سبب آخر لهذا اﻻهتمام هو أن القليل مما يُجتر من وقائع انقلاب "الإنقاذيين" يكاد لا يغادر محطة العموميات، فمعظمه -كسلفه "المايوي"- إما تحت التراب أو طي الصدور، أو رهن المشافهات والمغالطات الكثيفة. ونخشى -مع كر مسبحة الزمن المتلاف، وتفويت مثل مكيدة الترابي هذه- أن تنطمس الأحداث، وتنبهم المعلومات، ويختلط الواقع بالخيال، والحقيقة بالوهم، مما يستحيل معه التأريخ للحدث، دع تحليله.
 
(2)

حدثني السيد الصادق المهدي أواخر 1992م، قال: "كنا، في مارس/آذار 1989م خارجين لتوِّنا من أزمة ديسمبر/كانون الأول 1988م، وسببها زيادات كنا اعتزمناها فـي اﻷسعار، وكانت اﻷجواء ملغومة بـ"مذكرة الجيش" لمجلس السيادة في 20/2/1989م، عندما جاءني- في ما حسبته للوهلة الأولـى زيارة اجتماعية- أحمد سليمان القيادي في الجبهة الإسلامية المؤتلفة معنا وقتها فـي "حكومة الوفاق". وأثناء أنسنا سألني فجأة:
ـ "ألا توافقني في أننا معاً اﻷكبر تفويضاً شعبياً"؟!
فهمت أنه يشير لحزب الأمة والجبهة الإسلامية مجتمعين، فأجبته:
ـ "بحسب صناديق الانتخابات.. نعم".

ـ "حسناً.. أنا لا أرى مخرجاً من هذه الأزمات ما لم نحسم قضية السلطة عسكرياً، ونتحول إلى النظام الرئاسي، ونغلق البلد لعشـر سنوات انتقالية، نعالج خلالها مشكلة الجنوب، ونصفي ديوننا، وننعش اقتصادنا، ونرمم علاقاتنا الخارجية، ونحسم الفوضى الحزبية والنقابية والصحفية، فنهيئ البلد بالتدريج لديمقراطية راشدة؛ ولا أرى أنسب منك طوال الفترة المذكورة رئيساً للجمهورية"!

 

ومضى المهدي يقول: "لم يخطر ببالي -أثناء حديث الرجل- سوى أنه مَن ورَّط الشيوعيين فـي انقلاب مايو/أيار 1969م، وها هو يريد أن يسوِّق للجبهة الإسلامية ولنا معها مغامرة أخرى، فقلت له: قد تبدو الخطة نظرياً براقة، لكنها عملياً ليست كذلك. انظر.. بالديمقراطية عالجنا أزمة ديسمبر/كانون الأول، وأزمة الحكم التي فجرتها "مذكرة الجيش"، وهذا لا يعيب النظام الديمقراطي لكونه من طبعه، أما النظام الشمولي فيركز -وفق قوانينه الباطنية- على تأمين نفسه، من تضييق إلى تضييق، ومن عسف إلى عسف، مع ما يجره ذلك من إنفاق بلا حدود على اﻷمن والدفاع، وهيهات أن ينجح مع ذلك في تحقيق أي استقرار".

 

وختم المهدي روايته قائلاً: "بعد أيام وأثناء مناسبة عائلية، اقترب مني الترابي هامساً: هل جاءك أحمد؟! ففكرت برهة، لكني حين أدركت المقصود والتفت إليه ألفيته فص ملح وذاب!، هكذا بلغتني الرسالة واضحة: ننتظر ردَّك"!
 
(3)

لم أنشر رواية المهدي تلك إلا مطالع مايو/أيار 1999م، بعد زهاء سبع سنوات، عبر ندوة "أخبار اليوم" بمناسبة "لقاء جنيف" المفاجئ آنذاك -وكان لا يزال مستمراً دون أن يرشح منه شيء- بين الترابي والمهدي، بوساطة د. كامل إدريس ود. عمر الترابي. وممن شاركوا فـي ندوة الصحيفة: د. إبراهيم أحمد عمر، د. علـي حسن تاج الدين، عـلي السيد، تاج السـر محمد صالح، الحاج وراق، يحيى الحسين. وعلمت ﻻحقا أن المهدي روى تلك الواقعة فور عودته من جنيف فـي احتفال حزبه، خلال النصف الثاني من مايو/أيار 1999م، بعيد العمال في مقره بالقاهرة.

 

دفعني لرواية الواقعة في ندوة "أخبار اليوم" احتياجي لأن أسند بها تحليلاً للقاء جنيف بدت لي وجاهته، وفحواه أن الفتق اتسع علـى الراتق بين الترابي الذي كان يريد المضـي في خطة العشر سنوات حتى نهاية الشوط، وبين تلاميذه الذين أرادوا تكريس تحالفهم نهائياً مع العسكر. ومن ثم خلصت إلى أن اللقاء لا بد من أنه وقع من خلف ظهر أولئك التلاميذ، خصوصاً أنهم كانوا -قبل ذلك بخمسة أشهر- قد فاجؤوا الترابي بـ"مذكرة العشرة" فـي 10/12/1998م، قبل أن يقصوه من السلطة نهائياً بـ"قرارات رمضان" في 12/12/1999م.
 
(4)
"
في مغارب عمره أجرى أحمد سليمان حوارين مهمين: الأول قبل خمس سنوات من وفاته مع "الصحافة"، واﻵخر قبل أربع سنوات منها مع "الرأي العام" بشأن الانقلاب؛ واشتمل كلا الحوارين على رواية مغايرة لرواية المهدي
"

في مغارب عمره أجرى أحمد سليمان حوارين مهمين: الأول قبل خمس سنوات من وفاته مع  "الصحافة"، واﻵخر قبل أربع سنوات منها مع "الرأي العام"؛  وعقب وفاته أعيد نشر الحوار اﻷول في 2 أبريل/نيسان 2009م، والآخر فـي 3 أبريل/نيسان 2009م. واشتمل كلا الحوارين علـى رواية مغايرة لرواية المهدي، لكنها متناقضة ومفتقرة للتماسك؛ إذ قال إنه هو الذي أقنع الترابي بتلبية دعوة تلقاها من المهدي للتفاكر حول "مذكرة الجيش"، وإنه ذهب مع الترابي بطلب منه إلى المهدي، حيث "عرضت عليه أن يقود معنا انقلاباً داخل البرلمان لتغيير نظام الحكم.. إلى رئاسي.. ويكون هو رئيس الجمهوريَّة.. (لكن) الصادق شعر وكأنني أستدرجه لقيادة انقلاب عسكري.. لم يفهم مقصدي جيداً!" (الصحافة، 2/4/2009).

 

غير أن الرجل عاد -في الحوار اﻵخر مع "الرأي العام"- لينقلب على روايته السابقة تماماً، حيث أكد أن الترابي اتصل وحده بالمهدي، لإقناعه بالمشاركة في الانقلاب ".. ولكن الصادق تَردَّد.. لم أكن الوسيط، ولكني أثرت على الترابي ليقابله" (الرأي العام، 3/4/09).

 

نقطة الضعف الأساسية في رواية المرحوم اﻷولى هي زعمه أنه كان يدعو للتغيير بالوسائل الديمقراطية! وهي حُجَّة يصعب شراؤها لكونها تتعارض ليس فقط مع رواية المهدي التي تترجح بالمضاهاة، وإنما مع مجمل ما عُرف عن المرحوم من تغليب -في مستوييْ التنظير والعمل- للأسلوب "الانقلابي".

 

وليس الدليل اﻷوحد على ذلك انحيازه المطلق ﻻنقلاب مايو/أيار 1969م، حدَّ قيادته -في سياق صراعه مع عبد الخالق- ﻷخطر انقسام شهده الحزب الشيوعي؛ فثمة ما هو أدنى من ذلك للتدليل على غربة الأساليب الديمقراطية عن فكره ومزاجه، حيث تباهى قبيل وفاته بأنه عندما كان في قيادة الحزب الشيوعي كان ينادي بالنهج اﻻنقلابي؛ مثلما كان في قيادة الجبهة الإسلامية يدعو علناً بعد "مذكرة الجيش" للانقلاب، مردداً: "أحَرامٌ علـى بلابلهِ الدَّوْحُ، حَلالٌ للطيْر مِنْ كلِّ جِنْس؟!"(الرأي العام، 2/4/09)؛ بل بلغ به التباهي حدَّ أن برَّأ غريمه عبد الخالق من أي "تأهيل انقلابي"، محتكراً هذه "المعرفة" لنفسه: "كنت.. أسهر الليل كله مع الضباط ومسؤولي اﻷمن، وأعرف منهم تفاصيل ما يدور؛ أما عبد الخالق فقد كان يفتقر لمثل هذه التجارب التي "تؤهل" لقيادة انقلاب عسكري ناجح!" (الصحافة، 3/4/09).

 

ذلك، فضلاً عما رواه بنفسه عن تحريضه ﻻنقلابيّي يونيو -في اجتماع مشترك بين مجلس الثورة وقيادة حزب الترابي- على الاستمساك بشموليتهم، سائقاً الموعظة من غفلة مجلس الثورة في غواتيمالا حسب وود وورد فـي كتابه "القـادة ـ The Commanders"، حيث نصحهم وزير داخليتهم المتأثر بالأفكار "الديمقراطية الليبرالية" بإجراء انتخابات ففعلوا، "فراحوا فـي ستين داهية!" (المصدر). ولعل تلك الوقائع وحدها تغني عن أي دحض آخر للزعم بأن المرحوم أراد إقناع المهدي بالتغيير بالوسائل "الديمقراطية"، أو ما أسماه في تلاعب لفظي "الانقلاب الديمقراطي"!
 
(5)

أما د. الطيب زين العابدين، العضو السابق فـي مجلس شورى الجبهة، فقد قطع حول مـا إن كان ﻷحمد سليمان موقـف مغايـر للترابي في موضـوع اﻻنقـلاب، بقـوله: "على العكس تماماً، أحمد سليمان ساهم حتى فـي إقناع الترابي نفسه بالموضوع ده!، وكان يردد قولته المشهورة: الانقلاب زي الموزة، أحسن حاجة تأكلها أول ما تنضج، مش قبل ما تنضج أو بعد ما تنضج خالص!" (الوطن، 7/2/09).

 

وبصرف النظر عما إن كان "الموز" هو ما ضرب به المرحوم مثلاً، أو "المانغو" -كما في رواية أخرى- فقد قال الطيب قولاً شبيهاً بقول المهدي لأحمد سليمان عندما دعاه للمشاركة في اﻻنقلاب، حيث تمسك الطيب بالموقف المبدئي من الانقلاب، مغلباً سداد التحمل لكلفة الاستحقاق الديمقراطي على مخاطر كلفة المشروع الانقلابي، "فالانقلاب.. شغله الشاغل تأمين سلطته.. بأي وسيلة أخلاقية أو غير أخلاقية، دينية أو غير ذلك، ويفعل أي شيء لتثبيت سلطته، وعبارة (أي شـيء).. بمعيار الدين والأخلاق، غير مقبولة!" (المصدر).
(6)
وأما د. علي الحاج، أحد أبرز قياديّي الجبهة، فبصرف النظر عن تناقضه مع الترابي حول اﻻنقلاب، حيث إنه "مع اﻻنقلاب، لكن ليس مع نتائجه!" (سودانايل، 11/11/2009م)؛ بينما يصفه الترابي اﻵن بأنه "خطيئة الإسلاميين!" (اﻷخبار، 5/11/2009م)؛ فثمة نقطة في حديث الحاج تشد اﻻنتباه -بوجه خاص- حول ما إن كانوا قد كلفوا أحمد سليمان بإقناع المهدي باﻻشتراك في اﻻنقلاب، حيث قال: "لم نكلفه، لكنه شخص انقلابي بطبعه، وقد حكى لنا اﻷمر كمبادرة شخصية منه!" (سودانايل، 11/11/2009م).
(7)
"
خمس روايات ترجِّح واقعة دعوة الجبهة للمهدي للاشتراك فـي انقلابها عام 1989، الرواية اﻷولى للمهدي نفسه، واﻷخرى للطيب زين العابدين، والثالثة لعلـي الحاج، واثنتان متناقضتان ﻷحمد سليمان
"

خمس روايات إذن ترجِّح واقعة دعوة الجبهة للمهدي للاشتراك في انقلابها عام 1989م، سواء بواسطة أحمد سليمان أو الترابي أو كليهما: الرواية اﻷولى للمهدي نفسه، واﻷخرى للطيب زين العابدين، والثالثة لعلي الحاج، واثنتان متناقضتان ﻷحمد سليمان، بينما الترابي يفاقم التعتيم و"الدغمسة"، ساحباً أقدام الصحافة وراءه؛ فانظر مدى صعوبة استجلاء الحقيقة بتكبُّد التقاط مثل هذه الجزازات، وتدقيقها ومضاهاتها قبل لصقها إلى بعضها البعض -على طريقة الكوﻻج- للظفر بـ"صورة" ربما قربت، وربما لم تقرب، شيئاً من "اﻷصل"!

 

وما كان أغنانا عن كل ذلك لو توخت الصحافة الحذر، ودوَّن صناع اﻷحداث مذكراتهم وصدقوا، وأدلى شهودها بإفاداتهم خالصة لوجه الحقيقة، والتاريخ، واﻷجيال القادمة!
 

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك