عبد الستار قاسم

عبد الستار قاسم

كاتب وأكاديمي فلسطيني


مضت سنوات على حديث متكرر حول المصالحة الفلسطينية، وكلما أحس الفلسطينيون أن المصالحة قد باتت قريبة المنال ابتعدت، أو أبعدها من روجوا لها. تجتمع الفصائل الفلسطينية -خاصة حماس وفتح- ويتعانق الزعماء والقادة ويتبادلون القـُبـَل، وينبري المحللون السياسيون بتحليلات متعددة الأشكال والألوان حول القادم من أيام الفرح الفلسطيني. لكن الأمور لا تكتمل، وسرعان ما يتراجع التفاؤل ليحل محله الإحباط.
 
لقد تم توقيع اتفاق القاهرة عام 2005 ولم ينفذ، وكذلك كان مصير اتفاق مكة عام 2007. ولم يختلف مصير الأوراق الثانوية التي تم توقيعها في لقاءات متناثرة. فهل هناك مصالحة فلسطينية؟ الجواب لا، ما دامت الظروف الموضوعية والذاتية القائمة الآن على حالها، والمطلوب من الفصائل ألا تستمر في إيهام الشعب الفلسطيني.
 
المصالحة والوحدة الفلسطينية
يلاحظ المراقب أن الحديث يتركز حول المصالحة بين حركتيْ حماس وفتح، وليس حول الوحدة الوطنية الفلسطينية. وهذا يفترض أن المجتمع الكلي العام غير موجود، وأن المشكلة فقط فصائلية أو قبلية، وإذا تنادى زعماء الفصيلين إلى صلح فإن الحرب الداخلية ستنتهي. وهذا يعني غياب الرؤية العامة لترتيب أوضاع المجتمع الفلسطيني في الداخل والخارج، وتقليص الأمر إلى مجرد خصام بين فريقين لا علاقة مباشرة لهما بمجتمع أوسع يجمعهما معا ضمن نسيج متكامل.
 
يحتاج الشعب الفلسطيني إلى وحدة وطنية فلسطينية تجمعه ضمن إطار ميثاقي أو دستوري واحد يلتزم به الجميع أفرادا وجماعات، ويقيم وحدة ثقافية ونضالية واحدة من شأنها أن تؤدي إلى نتيجة واحدة وهي استعادة الحقوق الوطنية الثابتة للشعب الفلسطيني. لكن المحادثات التي تجري بين الحمساويين والفتحاويين ما زالت ضمن رؤية فئوية ضيقة لا تأخذ أبعادا إستراتيجية تخدم هذا الهدف.
 
"
الخلافات على الساحة الفلسطينية ليست آنية أو ظرفية بحتة، وإنما هي تركيبية تضرب جذورها في عقلية الحكم العربية، أو عقلية القيادة بالنسبة للفلسطينيين
"
الخلافات الفلسطينية تركيبية
الخلافات على الساحة الفلسطينية ليست آنية أو ظرفية بحتة، على الرغم من أن العوامل الظرفية قد تساعد على تأجيجها، وإنما هي تركيبية تضرب جذورها في عقلية الحكم العربية، أو عقلية القيادة بالنسبة للفلسطينيين. لقد عانت الساحة الفلسطينية على مدى عشرات السنين من التفرد باتخاذ القرار، والتفرد في السيطرة على الأموال، ونفي الآخر أو استبعاده كلما تبين أنه يمكن أن يسبب الصداع، وتغييب الشعب عن المشاركة السياسية والصياغة الثقافية على مختلف المستويات.
 
سبق للفصائل الفلسطينية أن اقتتلت فيما بينها أواخر الستينيات في الأردن، وفي لبنان في أوائل السبعينيات، وكذلك في الثمانينيات، ولم يحصل أن تم تطوير رؤية واضحة مسجلة دستوريا أو قانونيا، ومحمية بإجراءات عملية لمنع أي اقتتال يمكن أن يطرأ. كان الفلسطيني يقتل الفلسطيني، وينتهي الأمر عند تصريحات الأسف والندم الصادرة عن قيادات بائسة سببت الاقتتال ونزيف الدم، وعند لقاءات هؤلاء القادة في مؤتمرات جوفاء يرفعون في نهايتها الأيدي المتشابكة كدليل على الوحدة الوطنية.
 
ما هو عدد الفلسطينيين الذين كانوا يعلمون بمفاوضات أوسلو، والاتفاق الذي تم التوصل إليه قبل التوقيع العلني؟ أنا كأستاذ جامعي في العلوم السياسية لم أكن أعلم، وأعضاء الوفد الفلسطيني المفاوض في واشنطن سمعوا عن الاتفاق من وسائل الإعلام. ومما تناقلته الألسن بعد ذلك، تبين أن ثلاثة أشخاص فقط كانوا يقومون بإعداد الوليمة وقدموها للناس الذين يجب أن يبتلعوها شاؤوا أم أبوا. لم يختلف هذا عن التصرف الفلسطيني التقليدي الذي يزرع القرار بأيدي فرد أو مجموعة قليلة من الأفراد، ولم يختلف في توريطه الدموي للساحة الفلسطينية.
 
كان من المفروض أن تركز الفصائل الفلسطينية جهودها منذ البدء على آلية علمية لصناعة القرار الفلسطيني وبمشاركة الشعب الفلسطيني، لكنها ركزت كثيرا على المحاصّة، أي على نصيبها من الكعكة، وتركت المصلحة الوطنية الفلسطينية بدون تعريف وبدون اكتراث، فدفع الشعب الفلسطيني في النهاية الثمن الباهظ.
 
هذا أمر قائم حتى الآن، وهو واضح تماما عند تشكيل حكومة أو توزيع أموال أو وجود كعكة معينة. لقد انصرفت الفصائل بعيدا عن مهمة التحرير وانشغلت في الكثير من اللغو السياسي مثل العقلانية والمرونة وإعطاء الفرص والهجوم السلمي والهجمات الدبلوماسية، إلخ.

كان واضحا منذ السبعينيات أن التركيبة القيادية الفلسطينية ومنتجاتها الفصائلية كانت تقود الشعب الفلسطيني إلى الهزيمة، وإلى التخلي عن كل الشعارات والمبادئ النظرية والطموحات، لصالح مقولات تبريرية تجعل من الهزيمة انتصارا، ومن الفشل إنجازا تاريخيا، ومن الهبوط صعودا وطنيا. لقد تحدثت عن هذه الأمور في تلك الحقبة وما تلاها من الحقب، ولم يكن من بعض الفصائل إلا أن شنت حربا تخوينية ضدي.
 
يختلف الناس الذين يعيشون معا فيما بينهم سواء على مستوى الأفراد أو الأسر أو الأحزاب، وهذا جزء من واقع الحياة. لكن ما يخرج عن واقع الحياة هو الاختلاف الذي يؤدي إلى تدمير يأكل الأخضر واليابس ويقضي على مستقبل الجميع. يختلف الناس حول المكان الذي يبنون فيه مدرسة، لكن يجب ألا يختلفوا على هدف المدرسة ومعايير توظيف المدرسين.
 
يختلفون في الأمور الفنية، لكن يجب ألا يختلفوا في الأمور المبدئية وإلا فشلت المؤسسة قبل أن تبدأ. في فلسطين، يختلفون حول مدير المدرسة لأنهم لا يبحثون دائما عن الكفاءة وإنما عن الانتماء السياسي. وربما لا يختلفون على موقع بناء جامعة، لكنهم يتشادون حول انتماء رئيس الجامعة السياسي. هذا يكفل لهم فشل المؤسسة. طبعا الأنظمة العربية تتبع نفس النهج.
 
ساد قول في الساحة الفلسطينية يطالب السياسيين بالموازنة بين الوحدة الوطنية وأي مصالح فئوية يمكن أن تتحقق عند اتخاذهم للقرار السياسي، وإن عليهم أن يختاروا الوحدة الوطنية الفلسطينية إذا تضاربت معها المصالح الفئوية. السبب أن الوحدة الوطنية تقي الجميع من الخسائر، لكن المصالح الفئوية تخدم الفئة حينا ولا تحميها دائما.
 
"
ساد الظن أن الميثاق الوطني الفلسطيني -الذي ألغيت أغلب بنوده- يعبر عن المصلحة الوطنية الفلسطينية، لكن تبين فيما بعد أن تصرف القيادة الفلسطينية تجاه الميثاق قد فاق تصرف دول عربية تجاه دساتيرها
"
وقد ساد الظن أن الميثاق الوطني الفلسطيني -الذي ألغيت أغلب بنوده- يعبر عن المصلحة الوطنية الفلسطينية، وأن الالتزام به يجب أن يفوق أي اعتبار سياسي. لكن تبين فيما بعد أن تصرف القيادة الفلسطينية تجاه الميثاق قد فاق تصرف دول عربية تجاه دساتيرها.
 
فمثلا عدلت سوريا دستورها ليناسب الأسد الابن، وعدلت لبنان دستورها ليناسب رئيسا بعينه، أما القيادة الفلسطينية فقد تجاهلت الميثاق تماما ووقعت على اتفاقيات تتناقض معه تماما، ولم تعدل الميثاق إلا بعد ثلاث سنوات ليتناسب مع ما بدأت في تطبيقه فعلا. لم يتم الالتزام بمبدأ الوحدة الوطنية، وتحول مفهوم المصلحة الوطنية إلى مفهوم ذاتي يعرّفه كل فصيل فلسطيني بما يتناسب مع رؤيته.
 
التنسيق الأمني -الذي هو تعبير مهذب عن خدمة الأمن الإسرائيلي- هو جوهر اتفاقات الفلسطينيين مع الإسرائيليين. نص اتفاق أوسلو على التنسيق الأمني بين الطرفين، وأتت اتفاقية طابا لتوضح الأمور تفصيلا، فنصت على واجب الفلسطينيين في محاربة "الإرهاب"، أي المقاومة الفلسطينية، وعدم محاسبة أو مضايقة من يعملون مع إسرائيل. أي على الفلسطيني أن يقف في وجه الفلسطيني الذي يقاوم إسرائيل، وأن يربت على ظهر المتعاون معها والمطبع والجاسوس. صحيح أن السلطة الفلسطينية قامت باعتقال بعض الجواسيس، لكن يبدو أن المسألة كانت لذب المغيبة، ولتقول للناس إنها تقوم باعتقال المتعاونين مع إسرائيل.
 
حرصت إسرائيل في كل اتفاقياتها مع العرب على المسألة الأمنية واعتبرتها حجر الزاوية في كل اتفاقية، ذلك لأن أمنها فوق كل اعتبار. حرصت إسرائيل في كل اتفاقية وقعتها على أن يقوم الطرف العربي بتوظيف نفسه أمنيا لصالح أمنها، وأن يقوم الجيش ودوائر الأمن بواجباتهم الأمنية تجاه إسرائيل، وإذا كان الطرف العربي لا يريد أن يكون موظفا أمنيا إسرائيليا فإن الاتفاقية لا تتم.
 
هكذا كان الوضع مع مصر والأردن ولبنان في اتفاقية 17/أيار. وقد حرصت إسرائيل دائما على تذكيرنا بأن قوات الأمن المصرية في سيناء تقوم بواجباتها الأمنية المطلوبة، وكذلك يفعل الجيش الأردني.
 
على الطرف العربي، وطبعا الطرف الفلسطيني، أن يقوم بما هو مطلوب منه أمنيا، مع إعطائه الحق في كيفية الإخراج، وكيفية تزيين الأمر لشعبه بالطريقة المناسبة له. وإذا أخل بالمعايير الأمنية فإنه يتعرض للعقاب.
 
أخل الجانب الفلسطيني بالمعايير الأمنية أحيانا في عهد عرفات، وعمدت إسرائيل والدول التي تدعمها إلى وقف التمويل أو صرف الرواتب، وهكذا حصل بعد فوز حماس التي ترفض التنسيق الأمني. وهكذا سيحصل إذا قررت السلطة الفلسطينية أن تتخلى عن التنسيق الأمني.
 
هل من الممكن أن تتحقق وحدة وطنية فلسطينية، أو على الأقل مصالحة بين حماس وفتح في ظل التنسيق الأمني؟ نعم ممكن في حال اعترفت حماس بإسرائيل وألقت السلاح وقررت أن تقاوم المقاومة. لكن هذا لن يحصل إلا إذا قررت حماس أن تخلع عن نفسها ثوب الإسلام وتلقي بشعاراتها الإسلامية جانبا، وتتنكر لكل ما وعدت به الشعب الفلسطيني. وتقديري أن هذا لن يحصل.

من الناحية الأخرى، هل من الممكن أن تتخلى السلطة الفلسطينية عن التنسيق الأمني مع إسرائيل، وتقرر إعادة الحياة للميثاق الوطني الفلسطيني؟ إذا كان للسلطة الفلسطينية أن تفعل ذلك فإنه من المطلوب منها خطوات جذرية وكبيرة حتى تضمن سلاسة الانتقال من مرحلة إلى أخرى مغايرة تماما.
 
"
 السلطة الفلسطينية لم توقف التنسيق الأمني مع إسرائيل كرد على استمرار الاستيطان، وإنما أوقفت المفاوضات العلنية, لأن وقف المفاوضات لا يتجاوز الخطوط الحمر، أما وقف التنسيق الأمني فيتجاوزها ويأتي على السلطة بالعقاب
"
مطلوب منها أن تبحث عن مصادر تمويل جديدة، وأن تقيم تحالفات إقليمية جديدة، وأن تتخلى عن الجري وراء الولايات المتحدة لحل مشاكل الشعب الفلسطيني. لكن هذا غير ممكن أيضا لأن السلطة ربطت نفسها تركيبيا بإسرائيل وبالدول الغربية عموما، وفيها من والوْا جهات أجنبية وأصبحت مكانتهم وأحوالهم مرتبطة بهذه القوى.
 
فما دام التنسيق الأمني قائما، وما دام الفلسطيني ملتزما باعتقال أخيه الفلسطيني لصالح عدوه الإسرائيلي فإن المصالحة تبقى بعيدة المنال، بل هي مربوطة بذيل التنسيق الأمني مع إسرائيل. وليس أمام من أراد معرفة مصير المصالحة إلا أن يستجير بوضع التنسيق الأمني.
 
ويلاحظ المتتبع أن السلطة الفلسطينية لم توقف التنسيق الأمني مع إسرائيل كرد على استمرار الاستيطان، وإنما أوقفت المفاوضات العلنية. والسبب هو أن وقف المفاوضات لا يتجاوز الخطوط الحمر، أما وقف التنسيق الأمني فيتجاوزها ويأتي على السلطة بالعقاب. إسرائيل ليست بحاجة للمفاوضات، لكنها بحاجة للتنسيق الأمني.
 
يستمر الفصيلان الكبيران في قول الأشعار الجميلة في المصالحة والوحدة الوطنية الفلسطينية، لكنهما لن يفعلا أكثر من مما فعلاه في الماضي. لا يريد أي فصيل تحمل مسؤولية قول الحقائق كما هي، ويفضل قول الكلام الجميل حتى لو كان في ذلك ما يبقي على الشعب في تيه. فمصلحة الفصيل في النهاية غالبة. فقط السيد إسماعيل هنية ملك الجرأة وقال الحقيقة في خطابه في ذكرى انطلاقة حماس.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك