الصفحة الإيرانية إلى أين؟
الميدان النووي
جُمع الحسم الطريق للحرية
البعد الإقليمي والعربي

لم يعد خافيا على أحد أن مستوى الوحشية والإرهاب المنظم وجرائم الإبادة الجماعية التي يمارسها النظام في دمشق تشكل مدلولاتها الأخرى عجزه الكامل أمام تقدم الثورة وزحفها الميداني، وخصوصا حين يستفحل في قتل الأطفال وذبح المدنيين بوسائط التعذيب المختلفة.
 
بل إن قضية سب الله عز وجل وعقائد الإسلام الكبرى لم تكن حالات بالعشرات فقط، بل برنامجا يوميا لا يمكن أن يتم إلا إذا كان موجها من قيادة القطاعات العسكرية المختلفة في الجيش والقوى الأمنية، وهو يعكس حالة الفشل الذريع لمخطط الفتنة الطائفية التي قاتل النظام لأجل إيقاظها وتسويقها بكل قوة، وهُزم في ذلك كليا، وهو ما جعله يردد ويستخدم هذه الفظاعة في استفزاز الشعب، وينتهي إلى مفصل جديد من السقوط أمام قوة الإرادة الشعبية للثورة، ووحدة بنائها وخطها الوطني.
 
الصفحة الإيرانية إلى أين؟
ولعل من الطرائف أن هذه المؤسسات العسكرية، التي تمارس سب الإله والدين بصورة شنيعة، حظيت بفتوى تأييد لعملياتها المدافعة عن نظام بشار من بعض الشخصيات الدينية المحترقة شعبيا في الداخل، التي وصفت نظامه بنظام الإسلام!!
 
ومعتاد عند تصدع النظم الاستبدادية استقواؤها بشخصيات دينية منحرفة، لكن المفارقة كانت في فتوى الثورة الدينية في إيران، التي أطلقها مرشد الثورة علي خامنئي والمرجع الشيرازي لتأييد النظام باعتباره عملا دينيا، وهي بحق من العجائب، ثورة دينية تتحالف مع سب الخالق إله كل الأديان السماوية!!

"
تدرك طهران أن الاستمرار مع الطرف الخاسر يضاعف تكاليف الهزيمة وقد يعزز خسائرها الإستراتيجية، ولذلك تتابعت رسائلها المختلفة بأنها ستتقبل خلاصات الموقف الثوري في سوريا في النهاية
"
وهي أيضا تؤكد صلابة القاعدة الشعبية السورية للثورة في مواجهتها لهذا التقاطع الضخم لاستفزازها طائفيا، فتواجهه بقوة موحدة وواعية ومستمرة في زحفها الثوري، الذي تصدر العالم في قدرة التعبير السلمي الحضاري، وليس الثورات العربية فقط.
 
لكننا ما دمنا في الملف الإيراني وعلاقته بالثورة سنفصل في موقفه لأهمية ما يصدر من طهران، وخاصة في الانعطاف الأخير للثورة، الذي أصاب كل حلفاء دمشق الإقليميين والدوليين بالذهول من قدرة الثورة على  الصعود ذاتيا، على الرغم من كل العوائق والفرص التي أعطاها العالم للنظام.
لقد رصد العديد من المراقبين لغة تحوّل وقلق ومحاولة إرسال رسائل حذرة من طهران، لكنها أيضا ذات دلالة أخرى مهمة في تقييم طهران لمشهد النظام الداخلي أمنيا وسياسيا، وبلا شك فإن طهران وفروعها الأيدلوجية -خاصة حزب الله لبنان الذي خسر كل مشروعيته العربية عبر صلفه الموجه للشعب السوري والداعم عمليا وإعلاميا وسياسيا للمذابح التي تعرض لها المتظاهرون- لن تتردد في مواصلة الدعم لنظام دمشق لتحقيق أي قدرة سحق شاملة لثورة الشعب.
 
لكنها في النهاية تتسلسل من حضارة فارسية عريقة، لها تقديراتها النهائية لضمان مصلحة مستقبلها الذاتي كدولة تعتمد على قوتها الإقليمية ببعدها القومي التاريخي، الذي يدرك أن الاستمرار مع الطرف الخاسر يضاعف تكاليف الهزيمة وقد يعزز خسائرها الإستراتيجية، ولذلك تتابعت رسائلها المختلفة التي توحي بأنها في نهاية الأمر ستتقبل خلاصات الموقف الثوري في سوريا.
وعزز ذلك تعاطي طهران مع وساطة قطر، التي ذكر أنها حملت تطمينات لإيران لما بعد سقوط نظام الأسد، وإقناعها بعدم المخاطرة بزج المنطقة في احتقان إقليمي أكبر؛ المهم لدينا هو أن نوعية الرصد لإيران تنبع من تداخلها مع المؤسسة الأمنية والسياسية للنظام، كما هو وضع حزب الله الذي لم يكتف بنقل مستودعات سلاحه بل أيضا بعض المواقع الإستراتيجية الخاصة لبنائه السياسي والعسكري، وهو ما يؤكد -كإضافة مهمة- حركة تصدع النظام وانهيار قوة دفاعاته أمام المد الثوري الشعبي المستقل المذهل للشعب السوري.

الميدان النووي
إن قدرات تحول الثورة السورية إلى منهجية تجديدية تكثف زخم الثورة باضطراد دخلت في مدار جديد مهم للغاية ومفصلي للثورة السورية، وهو في ذاته بهذا التغيير والتطور الأخير يعزز قوة خيار انتصار الثورة السلمي، ويبعد خيار الكفاح المسلح الذاتي للدفاع عن الثورة السورية المشروع.
 
وكان من أهم ركائز هذا التغيير القدرة على إشعال الميدان كمّا ونوعا في فدائية الثوار، والتحام الجسم المدني لأهاليهم في كل مدن القطر مع بدء مشاركة نوعية جديدة لحلب وتفاعل مفصلي لدمشق، ومفاجئة درعا التي نفّذت ثورتها الثانية في قلب الحصار والدماء، ليتحول هذا المدار الجديد إلى انفجار ميداني شعبي، يرسل رسائله للداخل ولذاته التضامنية، ويرسلها للخارج: أن الملف الأقوى الذي لا يملك أحد أن يوقفه أو يتآمر عليه، هو مداد المشاعر الثورية السورية التي غدت إشعاعا نوويا يحرق الخصم ولو بدماء ضحاياه من الأطفال والشباب من الجنسين.
وهنا نحن لا نتحدث عن إسقاط عاطفي ملهم تحول في المرحلة الأخيرة منذ جمعة -إن الله معنا- إلى بعث روحي هادر، إنما نحدد أثر هذه الانطلاقة في تطوير حراك الثورة السورية إلى بُعد المدار النهائي لخطة الثورة، التي جاءت في لحظة تقديرية دقيقة ناجحة أسقطت بالفعل كل أحلام النظام بالنجاة من هذه الثورة الأعظم في تاريخ الربيع العربي.
"
الشعب السوري دخل بالفعل بقوة استعداد ضخمة للمواجهة، وأمّن قدرات هذه المرحلة في جانب الشارع المدني وبرنامج زحفه المنظم
"
ومن الواضح لنا كمراقبين أن حراك الثورة الميداني الأخير يتوجه بقوة نحو ما أطلقنا عليه جُمع الحسم، التي بدأت في آخر رمضان واشتعلت في قلب العيد، لتشكل مواجهات الشارع السلمية للأعمال الإرهابية التي اعتادها النظام طورا جديدا، من خلال قوة الزحف وتمدده نحو الهدف المركزي الجديد للثورة، وهو تسخين كل ميدانها لاختيار إحدى هذه الجُمع من قيادة الثورة، للزحف على المواقع الحيوية لإسقاط النظام.
 
وهذا التوقيت بدأ بالاقتراب، لكنه سيبقى في سياق تقدير قيادة الثورة، المهم أن الشعب دخل بالفعل بقوة استعداد ضخمة لهذا المدار، وأمّن قدرات هذه المرحلة في جانب الشارع المدني وبرنامج زحفه المنظم.

وكان لافتا أيضا حركة التعزز الكبيرة التي تشكلت من تدفق العسكريين المنشقين عن القيادة العسكرية التابعة للنظام، لينضموا إلى تشكيلات الفرق الجديدة المتجمعة في أماكن سرية، وإن كانت منفصلة عن جسم الثورة المدنية لكنها ستلعب دورا مهما في التأمين اللوجستي لمرحلة جُمع الحسم الأخيرة والزحف العام، وبالتالي تفوق قدرات قواتها ليس من حيث العدد بقدر ما هو من حيث المهمة والتحامها ووحدتها مع أبناء الشعب السوري، خلافا للقطاع المسيطر عليه من النظام. هذا التوازن يتقدم على الأرض بظروف صعبة لكن آماله تقوى وتتعزز باضطراد نحو هدف الثورة المركزي.

البعد الإقليمي والعربي
على الرغم من الإحباط الذي يحيط بالشارع العربي والسوري خصوصا من عدم تقدم تركيا بخطوات مركزية لنجدة الشعب السوري، إلا أننا نرى أن تركيا تظل تشكل حليفا متضامنا مع الشعب، مقابل حليف إقليمي معاد هو إيران وإسرائيل.
 
ثانيا: فسح الموقف التركي لحراك سياسي للمعارضة السورية وإنساني محدود، وكذلك إعلامي وأيضا لوجستي نسبي، وحكومة العدالة تواجه حربا شرسة من الأقلية العلمانية المتدثرة بالطائفة العلوية لإعاقة أي من خطوات التضامن، لكن هذا الوضع بدأ يتفكك لمصلحة الثورة السورية، ومن المهم جدا أن تبقى خيوط الاتصال والعلاقات الجيدة بين تركيا والثورة وأنصارها، خاصة أن لحظة الزحف العام سيُحتاج فيها إلى دور تركيا المهم للدعم اللوجستي المفتوح، الذي سيكون تحقيقه مغنيا كليا عن التدخل العسكري الخارجي المستبعد والمرفوض من الشعب السوري.
"
خطاب العاهل السعودي حرك بعض المياه الراكدة وغيّر موقف الخليج رسميا، إلا أنه لم يتحول حتى الآن إلى برنامج دعم واضح للثورة السورية
"
وبالرغم من أن خطاب العاهل السعودي حرك بعض المياه الراكدة وغير موقف الخليج رسميا، إلا أنه لم يتحول حتى الآن إلى برنامج دعم واضح، في حين المرتجى أن يتقدم الخليج العربي بشجاعة لتامين دعم إنساني وسياسي دولي أكبر للثورة السورية، والتعاون مع أنقرة لدعم الثورة بالحصار العالمي الحقيقي للنظام وخاصة في حركة الزحف العام، الذي سيؤدي نجاحها إلى إزالة نظام معاد ووصول قوى شعبية حليفة ومنتمية لإطارها العربي الرافض للمس بهوية المنطقة، وأيضا سيكفل التعاون التركي الخليجي مساحة قوية لضمان عدم تدخل عسكري سيؤثر سلبيا على المنطقة.
 
المهم أن احترام إرادة الشعب السوي وقيادته الثورية ومشروعها الديمقراطي في الداخل مفصل مهم لقواعد التحرك، الذي يلقي أيضا المسؤولية الكبيرة على معارضة الخارج وتوحيد موقفها، لضمان كل الأضلاع أو ما يمكن من مجهودها، لدعم حركة الزحف الكبير لجمعة الحسم المركزية، التي يعلن فيها الشعب لأرواح شهدائه وثورة أطفاله الانتصار.. سوريا تدخل بوابة الحرية.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك