علي بدوان

علي بدوان

كاتب فلسطيني



مما لا شك فيه أن ليبيا باتت الآن أمام منعطف جديد مع انهيار نظام العقيد معمر القذافي، ومواصلة قوات المجلس الانتقالي السيطرة على آخر الجيوب التي توالي وتناصر القذافي والموجودة حول مدينة سرت وداخلها أو في جيوب محدودة في الجنوب بالقرب من مدينة سبها الصحراوية.

ومما لا شك فيه أيضاً، أن قرب انتهاء المرحلة الأساسية الأولى للصراع هناك، المتمثلة بإنهاء حكم ونظام العقيد معمر القذافي في ليبيا، باتت تفترض الآن وضع تصور عام لما ستؤول إليه الأمور بعد سيطرة المجلس الانتقالي وتتالي الاعترافات الدولية والعربية به باعتباره الجهة المعنية والمسؤولة في ليبيا بعد انتهاء حكم النظام المتلاشي.

فكيف تحولت واستدارت الأمور في ليبيا بسقوط النظام صاحب الشعارات القومية؟ وما هي أبرز القضايا الأساسية المفترضة على طاولة الحل في ليبيا بعد انهيار الحكم البائد فيها من زاويتها السياسية وغير السياسية؟ وماذا ينتظر الشعب الليبي في ليبيا ما بعد القذافي؟
 
دور إيجابي ولكن
"
لمسات ليبيا ونظام القذافي كانت إيجابية على الفلسطينيين وعلى المقاومة الفلسطينية طوال فترة السبعينيات وحتى منتصف الثمانينيات, لكن لا يعني ذلك أن العلاقات الليبية الفلسطينية كانت ممتازة على الدوام
"
في البداية، ومن موقع الإنصاف والموضوعية والأمانة التاريخية، لا بد أن نشير إلى أن لمسات ليبيا ونظام القذافي كانت إيجابية على الفلسطينيين وعلى المقاومة الفلسطينية طوال فترة السبعينيات وحتى منتصف الثمانينيات من القرن الماضي بشكل عام (حتى وإن ترافقت مع تلك الفترة ممارسات معينة من قبل القذافي تجاه بعض الفصائل الفلسطينية، وقد أدرجت تلك الممارسات تحت عنوان غرابة أطوار في سلوك القذافي)، حيث قدمت ليبيا القذافي دعماً هاماً لا يمكن تجاهله لعموم القوى الفدائية الفلسطينية من أموال وعتاد دون استثناء من حركة فتح إلى الجبهة الشعبية-القيادة العامة وما بينهما.

وليس سراً القول إن أول صاروخ كاتيوشا من نوع غراد سقط على شمال فلسطين المحتلة عام 1948(على مدينة نهاريا على سبيل المثال) من جنوب لبنان كان مصدره ليبيا، كما أن أول قذيفة مدفعية من عيار 130 ملم أطلقت على شمال فلسطين من قبل قوات المقاومة الفلسطينية كان مصدرها ليبيا.

إن هذا الإطراء لا يعني البتة أن العلاقات الليبية الفلسطينية كانت ممتازة على الدوام، بل اعترتها في مراحل كثيرة مشاكل معينة، وقد وصلت في أحلك ظروفها إبان الانقسام الفلسطيني عام 1983 حين اتخذت ليبيا موقفاً واضحاً ميدانياً وعلى الأرض من خلال الدعم المادي واللوجستي لأحد طرفي الانشقاق في الساحة الفلسطينية و"تحت شعارات ثورية" مما أسهم في إطالة عمر الانقسام والانشقاق، وكبد الفلسطينيين خسائر باهظة كانوا في غنى عنها حيث سالت الدماء أثناء المعارك الطاحنة التي دارت بين مختلف الأطراف الفلسطينية في سهل البقاع وبعلبك وشمال لبنان صيف العام 1983.

أما في العقدين الأخيرين، وتحديداً بعد انهيار التوازن الدولي عام 1990 وتفكك الاتحاد السوفياتي، فقد بدأت عملياً الاستدارة الليبية في السياسات الخارجية، حين حاول العقيد معمر القذافي التقاط المتغيرات الدولية، فعمل على التخلص من تحالفاته السابقة والانفتاح على الغرب، وقد قام بخطوات معينة، منها تقليص الوجود الفصائلي لقوى منظمة التحرير الفلسطينية، التي رحلت آخر معسكراتها ومواقعها التدريبية من فوق الأرض الليبية، واقتصر وجودها منذ العام 1992 على العمل السياسي التمثيلي وبحدود ضيقة وتحت عنوان مكتب منظمة التحرير الفلسطينية (أو سفارة فلسطين).

جنت على نفسها براقش
إن هذه اللمحات السريعة والمختزلة في الانتقال والاستدارة الليبية في سياسات العقيد القذافي، تؤشر في جانب هام منها على محاولته -ومنذ انهيار التوازن- إعادة بناء علاقاته السياسية الخارجية مع مختلف الأطراف الدولية النافذة، وقد تتالى مسلسل تلك المحاولات من دفع التعويضات المالية الفلكية كتعويضات على حادثة طائرة لوكيربي التابعة لخطوط بان أميركان، وهي الحادثة التي ما زالت غير مثبتة ومؤكدة مائة بالمائة على القذافي (كانت وما زالت تهمة جوالة)، وصولاً إلى تسليم القذافي برنامجه النووي.

وانتهت جهود القذافي لترطيب علاقاته مع الغرب بتبنيه خطاً حاول فيه الابتعاد عن روح الصدام مع الغرب والولايات المتحدة، وتقرب من خلاله إلى بعض خصومه الأوروبيين السابقين، وقدم لهم رشوات مالية ضخمة لتمويل حملاتهم الانتخابية في بلدانهم، هذا ما حصل مع ساركوزي ومع الرئيس الإيطالي برلسكوني الذي سُجلت له صور مخزية في تزلفه للعقيد القذافي قبل أقل من عامين.

ولكن، ومع هذا، فإن كل محاولات القذافي لإعادة بناء علاقاته مع الغرب باءت بالفشل، ليس بسبب الموقف الغربي المضمر منه فقط، بل بسبب سياساته الداخلية أيضا عبر إهماله بناء المؤسسات المعاصرة القادرة على قيادة البلد، وإحلاله لما تسمى "اللجان الثورية" الهلامية مكان الهيئات التشريعية، التي باتت أثناء حكم القذافي تصول وتجول في أمر العباد، وقد ارتكبت مجزرة سجن بوسليم التي ذهب ضحيتها أكثر من ألف مواطن ليبي قبل خمسة عشر عاما مضى.
"
قادت سلوكيات القذافي البلاد نحو الهاوية، وأطاحت به ممارساته التي لم يعد ممكناً القبول بها في زمن باتت فيه إرادة الشعوب أقوى أكثر من أي وقت مضى
"
عدا عن تحويله ليبيا ذات المساحات الكبيرة والثروات الهائلة إلى إقطاعية خاصة به وبأولاده، الذين بزوا المجانين بحماقاتهم خاصة منهم المدعو سيف الإسلام القذافي.

وقد تابع القذافي خطاه تلك إلى درجة أبعد فيها كل القيادات التاريخية المعروفة التي قادت معه انقلاب الفاتح عام 1969، وعلى رٍأسهم أشخاص مثل عبد السلام جلود ومصطفى الخروبي وأبو بكر يونس جابر.. إلخ، وقد نأى كل واحد منهم عن التورط في الوضع الليبي الأخير.

وهذا "فقد جنت على نفسها براقش" على حد تعبير المثل الشعبي المتداول في بلاد الشام، فقد قادت سلوكيات القذافي البلاد نحو الهاوية، وقد أطاحت به تلك الممارسات التي لم يعد ممكناً القبول بها في زمن باتت فيه إرادة الشعوب أقوى أكثر من أي وقت مضى.

الإرث السلبي الكبير
وعليه، يمكن القول إن الإرث السلبي الكبير للحالة التالية في ليبيا سيكون مخيماً على الوضع في البلاد، نظراً لحالة التهشيم والتحطيم التي تعرضت لها مؤسسات الدولة في ليبيا منذ سيطرة القذافي على سلطة القرار في سبتمبر/أيلول 1969، حين حوّل ليبيا بأكملها من دولة الشعب إلى دولة العقيد، حيث تم إحلال المؤسسات بدلاً من تطويرها، ليحل مكانها شعار "اللجان في كل مكان" وما تسمى باللجان الثورية، التي كانت شكلاً هشاً هلامياً وكاركاتيرياً مضحكاً ومثيراً للسخرية، شكلاً مسخ وجود الناس ومواقفهم، وجعل منهم أتباعا عميانا وراء قائد وهمي مفترض، فيما غابت المؤسسات الديمقراطية الفعلية وغاب معها المبدأ الأساسي المتمثل في الانتخابات وحرية اختيار ممثلي الشعب، حيث لم تشهد ليبيا منذ تولي القذافي سلطته أي عملية ديمقراطية حقيقية لانتخابات برلمانية أو غيرها في عموم ليبيا.

وفي هذا المقام، إن أمام السلطات الجديدة في ليبيا مهام جسيمة قد تكون أصعب وأقسى من المرحلة التي سبقت إسقاط نظام القذافي، فالوضع الليبي يموج أمام مرحلة انتقالية غاية في الصعوبة بسبب هذا الإرث المتراكم من الأخطاء والمطبات والعثرات ذات البعد الإستراتيجي التي أوقع فيها نظام القذافي ليبيا على مدار العقود الماضية من وجوده على رأس القرار والسلطة.

إن التحدي الأول أمام ليبيا والمجلس الانتقالي يتمثل في تحديد فترة انتقالية (يجب أن تكون قصيرة زمنياً) يتم من خلالها إعادة بناء الدستور الليبي، وفتح الطريق أمام انتخابات برلمانية حقيقية، وبالتالي السير نحو بناء مؤسسات الدولة العصرية وإحلال الدمقرطة في حياة الناس وإدارة شؤون البلد، والتخلص من إرث الفرد والعائلة والقبيلة وهو الإرث الذي كرسه العقيد القذافي، خصوصاً في سنواته الأخيرة، دون إقصاء النخبة الليبية التي اضطرت للتعامل مع نظام القذافي، والاستفادة من قدراتها وخبراتها المتراكمة.

كما تأتي مهمة بناء الاقتصاد الليبي، وبناء ليبيا، بعد الدمار الذي لحق بها، والانتباه لأطماع بعض الدول الكبرى التي بدأ لعابها يسيل من أجل الاستحواذ على القسم الأكبر من فاتورة إعادة بناء وإعمار ليبيا، وهي تنظر بشغف إلى ثروات ليبيا ونفطها وغازها، ولا ترى غضاضة في رهن النفط الليبي لسنوات طويلة قادمة لصالح "إعادة الإعمار".
 
فالناتو ليس جمعية خيرية أو جمعية للبر والإحسان، وما كان له ليأتي إلى ليبيا إلا ولغة المصالح هي المحركة له، في جانبها السياسي للخلاص من نظام القذافي ولسبب اقتصادي يسيل له اللعاب.

"
الإفراج عن الأموال والأرصدة الليبية المجمدة في البنوك الغربية أمر لا بد منه، فهي حق من حقوق الشعب الليبي، وعلى المجلس الانتقالي العمل على تحريرها
"
إن الخسائر التي لحقت بليبيا وشعبها كبيرة جداً جداً، ولا يمكن اقتصارها على الجانب السياسي، بل هناك الجانب الاقتصادي الهام، فقد تحولت عشرات المؤسسات في ليبيا إلى كومة من الحطب أو إلى كومة من الخردة، نتيجة المعارك التي دارت ونتيجة القصف الجوي لقوات الناتو.

وفي هذا المقام، فإن الإفراج عن الأموال والأرصدة الليبية المجمدة في البنوك الغربية أمر لا بد منه، فهي حق من حقوق الشعب الليبي، وعلى المجلس الانتقالي العمل على تحريرها حتى تكون في خدمة إعادة بناء ليبيا، لا أن تذهب هدراً أو أن تصبح في عالم الغيب والضياع.

حتى لا يتكرر السيناريو العراقي
إن تحدي الاستقرار الأمني يمثل التحدي الأكبر أمام المجلس الانتقالي الليبي، فالسيناريو العراقي يجب أن لا يتكرر، وعلى الشعب الليبي أن يعي الدرس جيداً من غيره، فالعراق ما زال يئن تحت وطأة ما بعد الاحتلال، وقد دفع تدهور الأوضاع الأمنية قطاعات واسعة من السكان للترحم على زمن الرئيس الراحل صدام حسين.

إن نعمة الأمن يجب أن تتوفر فوراً حتى يمكن الانتقال إلى إنجاز باقي المهام المطلوبة والعودة بليبيا إلى الاستقرار وإلى دورها المرجو منها باعتبارها من الدول العربية الكبرى من حيث المساحة ومن حيث الثروات. وكلما تأخر استتباب الأمن تفاعلت التحديات وتأخر انطلاق برنامج إعادة البناء الاقتصادي والمؤسساتي.

ومن هنا، ضرورة التنبه للخصوصية الملازمة للوضع الليبي، في بلد نمت وترعرعت فيه في السنوات الأخيرة النزعات القبلية والعشائرية، وهو أمر يساعد ويهيئ التربة الخصبة لحدوث بعض الاضطرابات الأمنية خصوصاً وأن المعلومات تشير إلى أن هناك مقاتلين متطوعين في صفوف قوات المجلس الانتقالي متعددو الولاءات والقيادات، وأن هناك خمسة أطراف موجودة الآن في ليبيا، وهي ليبراليو المجلس الانتقالي، وقبليو المجالس المحلية، وتحالف ثورة 17 فبراير، والإسلاميون بمختلف تياراتهم، وأخيرا رجال وجمهور العهد السابق ولو كان حضورهم متواضعا.

"
لجم الاضطرابات المتوقعة مرهون إلى حد كبير جدا بقدرة المجلس الانتقالي على التصرف بحكمة، والابتعاد عن منطق الثأر وعن التحامل في التعامل مع أنصار القذافي
"
إن لجم تلك الاضطرابات المتوقعة حال حدوثها مرهون إلى حد كبير جدا بقدرة المجلس الانتقالي على التصرف بحكمة، والابتعاد عن منطق الثأر وعن التحامل في التعامل مع أنصار القذافي الذين سيبقى لهم حضور ما في المجتمع الليبي بشكل أو بآخر.
كذلك لا بد من العمل السريع من أجل تعميم سيادة روح القانون وتطبيقه على الجميع، ومنع أي ظواهر عسكرة أو نمو مجموعات مسلحة أو مليشيات تصب لصالح طرف أو لصالح اتجاه فكري أو سياسي ليبي.
 
وإبعاد السلاح عن إدارة الشأن الليبي الداخلي. فالمجلس الانتقالي معني بالحفاظ على التوازن بين قيادة عملية سياسية وطنية ودولية والقدرة على التوجيه العام داخل البلد، ومراعاة التوازنات القبلية في ليبيا واستيعابها في النظام الجديد ومعالجة الاختلالات الناتجة عن سياسات التقريب والإقصاء التي اتبعها القذافي للحفاظ على سلطته.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك