منى عبد الفتاح

منى عبد الفتاح

كاتبة وصحفية سودانية



إن تعقيد الهوية السودانية يكمن في إشكالية مدى إدراك السوداني لهذه الهوية, وهذا الإدراك يختلف من مجموعة إلى أخرى حسب التقسيم المناطقي للسودان. أما الأهم من هذا الإدراك فهو في مدى مقدرة هذه المجموعات على التعايش السلمي الذي يبرز أحد مكونات الدولة الأساسية، ومدى احترامها بعضها لبعض.
 
هذه المجموعة أو تلك لديها من الحقوق والواجبات مثلما لغيرها، فضرورة الاعتراف بهذه الحقيقة هو جزء من مفاهيم الدولة الرشيدة الذي يجب أن تزرعه في نفوس أفراد المجتمع.
 
بين الهامش والمركز
اقترنت على مدى تاريخ السودان الحديث التفاصيل الثقافية التاريخية بالسياسة، فما من مسألة تتعلق بقضايا الهوية والوعي الاجتماعي بالمكون الذاتي والمكون المختلف إلا وارتبطت مباشرة بالسياسة، وإذا أخذنا قضية الوحدة التي تعد من أكثر القضايا ارتباطا بالمكونات الاجتماعية والثقافية في السودان، نجد أنه قد تم إقصاؤها من مكونها الثقافي إلى عالم السياسة لتصبح مفردة سياسية بامتياز.
 
أما وقد صار السودان إلى ما صار إليه فإنه في انفصال جنوبه عن شماله وفقا لاستفتاء عام تم في يناير/كانون الثاني 2011م، يكون حق تقرير المصير قد ألهب صدور جماعات الهامش في أقاليم عديدة من السودان.
 
"
استعلاء تيار السلطة الحالي الذي استولى على الحكم إثر انقلاب عسكري عام 1989، ابتسر قدَر السودان المتنوع في أن تكون وحدته في حوار قائم ومساءلة تاريخية بين المركز والهامش
"
وقد كانت هذه الأقاليم ترى من قبل فيما يرى المنادون بالوحدة أن مقوماتها الثقافية أقوى من مقومات الانفصال، ولكن استعلاء تيار السلطة الحالي الذي استولى على الحكم إثر انقلاب عسكري عام 1989م، ابتسر قدَر السودان المتنوع في أن تكون وحدته في حوار قائم ومساءلة تاريخية بين المركز والهامش.
 
ورغم تغير أشكال الحكم في السودان منذ استقلاله عام 1956م من عهود ديمقراطية شهدت المناداة بقوانين العدالة الاجتماعية، إلى عهود ديكتاتورية شهدت سيطرة الفرد، فقد تقاربت وجهات نظرها في طرح مبادئ الاشتراكية. ففي تجربة الرئيس الأسبق جعفر محمد نميري الذي انقلب على النظام الديمقراطي عام 1969م وإلى أن أطيح به في انتفاضة شعبية عام 1985م، كانت العدالة الاجتماعية أقوى شعارات نظامه.
 
فقد التف حول هذه الشعارات التي كانت ديدن اليساريين والبعثيين والقوميين العرب والناصريين كثير من الأكاديميين والمثقفين، لأنها وعدت بنقل البلاد إلى التنمية ابتداء من الأرياف وهوامش الأقاليم البعيدة.
 
ولا يمكن فهم أن نظام الإنقاذ قد انقلب على هذه القاعدة إلا باستبيان أنه عندما كان رموز النظام في صفوف المعارضة كوادر للجبهة الإسلامية القومية بقيادة د. حسن الترابي قبل الإنقاذ، كانت من شعاراتهم العدالة الاجتماعية والاشتراكية بثوبها الإسلامي.
 
وهذا لا يبرر خلق دائرة احتراب عقائدية وفقا لإيمان الفئة الحاكمة دون اعتبار لبقية المجتمع، كما أنه لا يعطي الحق في أدلجة المجتمع وفقا لمعتقدات النظام سواء كان يساريا أو إسلاميا أو غير ذلك بقدر ما يعطي أوجها للتشابه في ركوب موجة الدين لحماية النظام. وقد فعلها الرئيس نميري في أواخر أيام حكمه، فقد قام بتطبيق الشريعة الإسلامية، مما عدّ تحولا كبيرا في سياسة نظامه.
 
ومواصلة لما تم فرضه من جعل الإسلام وشريعته نقطة من نقاط الجدل الواسع بين مكونات المجتمع السوداني المتباينة إثنيا ودينيا، فإن السلطة الحاكمة في الشمال "المركز" تتعامل مع أهل الهامش على أنهم أقوام ناقصو أصل ودين.
 
مع أن المسلمين منهم أكثر حرصا على تطبيق الشريعة التي تساوي بين الناس وتحارب مظاهر الفساد واستغلال المناصب. وبناء على هذه الدعوة الفكرية والدينية لتصحيح مسار حياة الآخر المختلف فرضت اللغة العربية بدلا عن اللهجات المحلية، وبهذا يمكن التشكك في مقدرة الجماعات حال تسنمها زمام السلطة خاصة تلك التي تعتد بعرقها ودينها في تحكيم ديمقراطية التعايش القومي بدلا من الاستعلاء العرقي.
 
مكونات الهوية السودانية
"
لا عجب في أن نجد أن تكوين الدولة السودانية رغم تاريخها الطويل نسبيا مقارنة بالدول في المنطقة العربية والأفريقية قد لازمه الفشل في أن يخرج بصيغة واضحة بعيدا عن التوتر القومي
"
منذ اختلطت الدماء العربية بالدماء النوبية في شمال السودان والسودان الشمالي لا يكف عن التباهي بنقاء العرق واللغة والثقافة ورفعها درجات في مقابل ثقافات وأعراق أخرى محلية، هذا الاستعلاء جرى مع مجرى النيل بعد حركة الاستعراب والتأسلم بعد اتفاقية البقط الشهيرة عام 651م بين عبد الله بن أبي السرح ومملكة المقرة في منطقة النوبة المسيحية وما تلا ذلك من تزاوج وتمازج للثقافة العربية الإسلامية مع الثقافة المحلية.
 
وهكذا كان الدين الإسلامي نموذجا واللغة العربية نموذجا، وأي أقلية لا تتفق مكوناتها مع هذا النموذج تعد خارجة وغير منسجمة مع هذا النموذج السائد فتتم معاقبتها بتهميشها وإقصائها في مجالات التنمية، مما يخلق تربة خصبة لاشتعال بؤر التوتر الإثني والجهوي والثقافي كمادة للحروب الأهلية والصراعات القبلية.
 
لا عجب في أن نجد أن تكوين الدولة السودانية رغم تاريخها الطويل نسبيا مقارنة بالدول في المنطقة العربية والأفريقية قد لازمه الفشل في أن يخرج بصيغة واضحة بعيدا عن التوتر القومي.
 
فقد كان الوعي بالمكونات الأفريقية باهتا رغم التأثير القوي لحركات التحرر الأفريقية على السودان والمنطقة. ليس هذا فحسب وإنما أصبحت وظيفة التيار السلطوي في تعاقبه على حكم السودان هي بناء شكل من أشكال الحكم يقوم بالذود عن الثقافة العربية والإسلامية نيابة عن العالم العربي والإسلامي وليس أصالة عن نفسه. ولكن المشكلة الكبرى هي في أن هذا المركز "السودان الشمالي" يعد بشكل آخر هامشا للعالم العربي والإسلامي، رغم محاولته فرض هذه الهوية عبر آليات الهيمنة والسيطرة داخليا.
 
وليس أدل على أن الهوية الأصلية لقومية السودان الموحدة في تنوعها بإمكانها الإعلان عن نفسها بشكل ما رغم الكبت الذي يمارس عليها، من ظهور ألسنة متعددة لكيان واحد من خلف لون وظل الجماعة البعيدة التي يرنو إليها وعي التيار السلطوي المستعرب. وهذا الظهور نجح في فصل الجنوب وفي أن يكون هذا الفصل من جسد الوطن صيرورة سياسية، ولكنه رغم كل شيء باق كشكل ومضمون اجتماعي وروحي وفكري.
ومع عودة الجدل حول هوية السودان بعد انفصال الجنوب، عادت النخب المثقفة تنظر فيما تبقى من السودان إلى هوية متنوعة أخرى بعد ذهاب الجنوب الذي كان يمثل قمة التنوع في السودان. وقد كان قلق النخب المثقفة في محله تماما بعد تفاقم الأوضاع وعودة نذر الحرب في ولايتي النيل الأزرق وجنوب كردفان اللتين حلتا محل جنوب السودان ليس بموقعهما الجغرافي فحسب وإنما بثراء قومياتهما وتنوعهما الإثني والديني والثقافي.
 
هذا القلق ينسحب بالضرورة على تشكيل الوضع السياسي الراهن ومدى مواءمته لظروف المرحلة التي ينشد فيها مواطنو الولايتين كما جميع السودانيين ضرورة التحول الديمقراطي.

ورغم بقاء السودان المتنوع هناك فشل ذريع لازم إدارة هذا التنوع، ذلك الفشل ابتدأ بفصل الجنوب ولن ينتهي بزرع بذور الفتنة في مفاصل بقية أقاليم السودان الملتهبة كإقليم دارفور وولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق.
 
وأكثر ما يضر بهذه الأزمة هو تبسيط أمر التنوع واختزاله في الجنوب الذي يؤكد أهل الحكم أنه انتهى بانفصاله، فإنه لن يكون هناك من علاج سوى الاعتراف بالتعدد والتنوع والقبول بالآخر وليس فصله عن جسد الوطن.
 
فشل إدارة التنوع
"
لا بد من النظر إلى الهوية العربية والأفريقانية ليس كهويتين متناقضتين ولكن كهوية واحدة تجمعهما علاقات تكاملية متنوعة تخضع للعوامل الجغرافية والثقافية والتاريخية والاجتماعية
"
يستبين الفشل الذي أدى إلى فرض اللغة العربية والتباهي بها عوضا عن تركها تنساب انسيابا سلسا باعتبارها موصلا ثقافيا، وذلك في الفشل الذريع بالإقرار بأن اللغة العربية كمكون رئيس لعلاقات الانتماء القومي للشخصية السودانية، هي لغة مشتركة بين الجماعات القبلية بصفتها الحضارية بغض النظر عن أصولها العرقية.
 
فمثلاً يتحدث أهالي جنوب السودان لهجة عربية مبسطة من اللغة العربية تسمى "عربي جوبا" كقاسم لغوي مشترك فيما بينهم من جهة، وبينهم وبين الشمال من جهة أخرى، في حين أنهم يملكون عشرات اللغات واللهجات المحلية.

كما أن الفشل أيضا يبدو في عدم فهم التيار السلطوي أن الدين الإسلامي هو عنصر موّحد، فرغم أن قبائل مثل البجة في شرق السودان وقبائل إقليم دارفور وجبال النوبة تتحدث لهجاتها المحلية الأصلية فإنها تدين بالدين الإسلامي ولم يقترن ذلك بأن لغتها الأصلية هي العربية، بل وصل بها الحال إلى أن شقت رحلاتها غرب أفريقيا ومنطقة القرن الأفريقي داعية إليه بلغاتها الخاصة.
 
إذن لا بد من النظر إلى الهوية العربية والأفريقانية ليس كهويتين متناقضتين، ولكن كهوية واحدة تجمعهما علاقات تكاملية متنوعة تخضع للعوامل الجغرافية والثقافية والتاريخية والاجتماعية والحضارية. إن محاولة صياغة هوية سودانية ذات اتجاه أحادي، يعتد بالهوية العربية أو الأفريقية وحدها، تعد محاولة أقل ما سوف تفعله أنها ستسهم لا محالة في إعادة إنتاج أزمة الهوية التي رافقت جميع الحكومات المتعاقبة على السودان وأخفقت في إدارتها.
 
إذا نظرنا في تجارب التعايش السلمي في دول العالم ذات التنوع الحضاري والثقافي فإننا نرى أن هذا التعايش لا يتحقق إلا باحترام هذا التنوع وعدم الهجوم على ثقافة أو أمة أو دين أو معتقد.
 
فدولة مثل الولايات المتحدة الأميركية تلتقي بداخلها العديد من الأديان والأعراق والثقافات في غير ما تناقض أو انفصام، بل انصهرت كل هذه المكونات فخلقت تنوعا نجح في أن يكون مصدرا للثراء الفكري والوئام المجتمعي.
 
في ظل تنوع المجتمع الأميركي، أصبح النشاز هو الرأي المتعصب إلى فئة أو دين، وبذا نجحت الولايات المتحدة الأميركية في أن توظف هذا التنوع لتحقيق الأهداف الوطنية والرفاهية لمجتمعها.
 
"
للتحرر من الفشل الذريع في إدارة التنوع الذي يذخر به السودان، لا بد من تأسيس نظام حكم ديمقراطي يضمن مشاركة ممثلين عن كل فئات المجتمع دون تمييز
"
هناك مسؤولية عظيمة تقع على عاتق النخب الحاكمة في السودان في ظل التنوع الهائل، فليس المطلوب منها فرض صيغة تعايشية على الجميع وإنما تكمن مسؤوليتها في أن تترك هذه العلاقات بين الناس تنساب بشكلها الطبيعي. ولكن مع ذلك يجب عليها تهيئة البيئة المناسبة لامتصاص كل التناقضات وصيغ التشدد حتى يتم التوصل إلى شكل من التعايش تكون فيه الأعراف والعلاقات الاجتماعية السمحة هي القانون المتبع دون فرض قانون فوقي. فعند التواضع على هذه الصيغة غير المفروضة بالقوة يتم تفادي الآراء المتشددة التي تعمل على تهميش وإقصاء الآخر.
 
إن هذه الصراعات المستفحلة التي ينوء بها كاهل السودان ما هي إلا نتيجة لاتباع نهج تهميش الآخر وإقصائه وكبته. إن الفرق بين المجتمع السوداني وحكومته هو أن المجتمع يعترف بالتعددية ولديه استعداد للتعايش السلمي في ظل تنوعه، أما الحكومات المتعاقبة على السودان فلم تسع للتأسيس للتعددية لرفضها لهذا المبدأ جملة وتفصيلا.
 
وللتحرر من هذا الفشل الذريع في إدارة التنوع الذي يذخر به السودان، لا بد من تأسيس نظام حكم ديمقراطي يضمن مشاركة ممثلين عن كل فئات المجتمع دون تمييز. وقبل ذلك لا بد من أن تتحرر الرموز الحاكمة من الضيق بالآخر ورفضه وذلك بإعطائه مساحة من القبول.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك