عبد الفتاح ماضي

عبد الفتاح ماضي

كاتب وباحث أكاديمي


 
من أهم أولويات ومطالب الحراك الشعبي العربي الراهن التي تحتاج إلى معالجات سياسية ودستورية مسألتا الإرث الاستبدادي الذي خلفته نظم حكم الفرد، والحالة الثورية وتصور البعض أنه بالإمكان تحقيق كل شيء عبر النزول إلى الشارع. هذا بالطبع بجانب إشكالية الهُوية والمرجعية العليا للنظام السياسي، وأوجه الفساد والإفساد، وضعف النخب السياسية، ودور المؤسسة العسكرية، وعدم ثقة الناس في السياسة والسياسيين.

تهتم هذه المقالة بكيفية معالجة النظم السياسية المنشودة لمسألتي الإرث الاستبدادي والحالة الثورية، أي بالآليات والقواعد الدستورية والقانونية والترتيبات المؤسسية التي تضمن تحقيق مطالب الشعوب في شأنهما.
انطلاقا من أن الحراك الشعبي العربي الراهن يستهدف، في المقام الأول، التخلص من الاستبداد وإقامة نظم حكم جديدة على أسس ديمقراطية جديدة تماما عن الأسس التي كانت سائدة قبل هذا الحراك، فإن مرحلة ما بعد الثورات لا بد أن تركز على بناء نظم سياسية وطنية تعالج كافة التحديات والأولويات التي أفرزها الحراك الشعبي الراهن.

"
عملية بناء النظام السياسي الجديد لا بد أن تبدأ من واقع المجتمع ذاته وأوليات المرحلة التاريخية الراهنة، ولا بد أن تمر بتجارب الدول الأخرى للاستفادة وأخذ الدروس والعبر
"
وعملية البناء هذه ليست مجرد عملية نقل من الآخرين أو اختيار نظام من بين أنظمة الحكم المعروفة (الرئاسية، والبرلمانية، وشبه الرئاسية، والتوافقية). لا بد أن تبدأ هذه العملية من واقع المجتمع ذاته وأوليات المرحلة التاريخية الراهنة، ولا بد أن تمر بتجارب الدول الأخرى للاستفادة وأخذ الدروس والعبر، وتنتهي بترجمة أهداف التحركات الشعبية ومطالب الشعب إلى ترتيبات مؤسسية وأطر قانونية ودستورية وسياسية تشكل مجتمعة ملامح النظام السياسي الديمقراطي المنشود.

ولا شك أيضا أن عملية البناء هذه لن تخترق الخصائص المشتركة لنظم الحكم الديمقراطي التي ثبت نجاحها في الغرب وخارج الغرب، وهي: حكم القانون ومساواة الكل أمامه، الشعب مصدر السلطة فهو الذي يختار حكامه ويحاسبهم ويقيلهم عند الضرورة، المواطنة والمساواة في التمتع بالحقوق والالتزام بالواجبات، وتمكين الشعب من المشاركة في العمل العام عبر الأحزاب والنقابات والمجتمع المدني وخلافه. أما ما عدا هذا الجوهر فإن تفاصيل كل نظام سياسي ديمقراطي تختلف من دولة إلى أخرى باختلاف المرجعيات والأولويات والأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية.
تقييد سلطة الحكام العرب
يمكن أن تنطلق جهود معالجة الإرث الاستبدادي من تعريف الديمقراطية من حيث هي ترتيبات مؤسسية وآليات لضمان الحكم الصالح عن طريق تقييد سلطة الحكام وتعزيز مشاركة الجماهير في الشأن العام.

ويأتي على رأس هذه الآليات والترتيبات استقلال القضاء عن السلطتين التنفيذية والتشريعية استقلالا تاما، وقيامه بدور الرقابة القضائية في تقييد سلطة الحكام من خلال دور مجلس الدولة والقضاء الإداري في الرقابة على مشروعية أعمال السلطة التنفيذية ومنع تعسف الإدارة في تنفيذ القوانين، ودور المحكمة الدستورية العليا في الرقابة على دستورية القوانين للحيلولة دون مخالفة البرلمان نصوص الدستور، مع إعطاء الرئيس والحكومة وثلث أعضاء البرلمان والأفراد الحق في الذهاب إلى المحكمة الدستورية.

أما ثاني هذه الترتيبات فهو تجنب النظم الرئاسية على النمط الأميركي، فهي لا تصلح للدول العربية نظرا للإرث الفردي والخوف من تشكيل مراكز نفوذ جديدة حول الرئيس الجديد. ولهذا فقد يكون تبني النظام شبه الرئاسي هو الأنسب نظرا لحاجة هذه الدول إلى انتقال سلمي واضح للسلطة لرئيس منتخب، وحاجتها، في ذات الوقت، إلى تقسيم السلطة التنفيذية بين الرئيس المنتخب والوزارة التي يجب أن يشكلها حزب (أو أحزاب) الأغلبية في البرلمان الذي يقوم بدوره بمراقبة أعمال الوزارة، ومع تحديد واضح لصلاحيات كل من الرئيس والوزارة.
 
وقد يكون من الأهمية لبعض الدول أن تتطور لاحقا إلى النظام البرلماني الذي تبنته معظم الدول التي مرت بحالات انتقال ديمقراطي ناجحة في العقود الأربعة الماضية، فهو الأفضل في تطوير حياة ديمقراطية حقيقية.

"
قد يكون من الأهمية لبعض الدول أن تتطور لاحقا إلى النظام البرلماني الذي تبنته معظم الدول التي مرت بحالات انتقال ديمقراطي ناجحة في العقود الأربعة الماضية، فهو الأفضل في تطوير حياة ديمقراطية حقيقية
"
ويمكن الاستفادة من النظام في جنوب أفريقيا الذي ينتخب فيه البرلمان رئيسا للدولة من بين أعضائه (بدلا من انتخابه مباشرة من الشعب)، ويقوم الرئيس بمهام الرئيس ومهام رئيس الوزراء فهو الذي يشكل الحكومة ويكون هو ووزراؤه مسؤولين أمام البرلمان، ويجوز سحب الثقة منهم.
 
هذا بجانب أنه يمكن وضع نظام قوي للجان داخل البرلمان، يشترط مشاركة كافة الأحزاب الممثلة بالبرلمان (الأغلبية والأقلية) في كل لجنة، ما يدفع الأحزاب إلى التوافق والعمل المشترك، كما في النمسا وألمانيا والمجر وغيرها. كما يمكن اشتراط أن تتوافر نسبة إجماع معينة داخل اللجنة قبل خروج المسألة للتصويت في البرلمان.

وقد يساعد تبني نظام الغرفتين في البرلمان على الحد من شطط المجلس الواحد واندفاعه، كما في الولايات المتحدة وألمانيا وسويسرا وغيرها. على أن تكون للغرفة الثانية صلاحيات قوية وطريقة مختلفة لانتخاب أعضائها.
 
وفي المجتمعات العربية، وخاصة ذات التركيبة السكانية المتنوعة عرقيا أو قبليا، يمكن التفكير في تخصيص مقاعد في البرلمان للفئات الرئيسة للمجتمع كالقبيلة والطائفة والأقليات وأي فئات مهمشة أخرى. ففي الهند، مثلا، يخصص النظام الانتخابي دوائر بعينها للمجموعات المهمشة اجتماعيا والقبائل والفئات الفقيرة بما يتناسب مع أحجامها، مع مشاركة كافة المواطنين في الاقتراع بصرف النظر عن الفئة التي ينتمون إليها. وهناك بالطبع آليات أخرى. 

تعزيز فعالية النظام الحزبي العربي
ومن جهة أخرى، يمكن تعزيز دور الشباب والمواطنين في الحياة السياسية من خلال تبني أمرين: إقامة نظام انتخابي فعال ونظام حزبي فعال. فبعد سنوات من هيمنة الأحزاب الواحدة، فإن النظام الانتخابي المناسب لضمان أكبر قدر من تمثيل كافة فئات المجتمع هو نظام القائمة النسبية المغلقة، الذي يعطي كل قائمة حزبية عددا من المقاعد يتناسب مع نسبة الأصوات التي حصلت عليها في الانتخابات.
 
وهذا يتيح تمثيل كافة الأحزاب بما فيها الأحزاب الصغيرة، ويقلل نسبة الأصوات المهدرة، ويسمح بإمكانية التمييز الإيجابي لبعض الفئات الضعيفة سياسيا كالمرأة والشباب والأقليات والخبراء، بإلزام الأحزاب بوضع هذه الفئات في أماكن متقدمة في قوائمها للانتخابات.

ويحد هذا النظام من سطوة المال السياسي والعصبيات العائلية والقبلية إذ لا يختار الناخبون شخصيات محددة كما في نظام الأغلبية وإنما يختارون قوائم حزبية تعبر عن برامج سياسية حزبية أو ائتلافية. وفي هذا تقوية للأحزاب الوليدة وتعزيز لوعي المواطنين ومشاركتهم في مناقشة البرامج السياسية.
 
ويرتبط النظام الانتخابي بالنظام الحزبي، فكل النظم الديمقراطية تحتاج إلى نظام حزبي فعال، ولهذا لا بد من الاهتمام بالضوابط الكفيلة بوجود أحزاب ديمقراطية عربية فعالة. فلئن كانت الأحزاب تنشأ نشأة واقعية وبالإخطار في كثير من الدول، إلا أن الدول حديثة العهد بالديمقراطية لا تتردد في وضع القوانين والقواعد التي تضمن ديمقراطية الأحزاب من الداخل، وشفافية مالية الأحزاب، والطابع الاندماجي للأحزاب، وقيام البرامج الحزبية على أساس تحقيق المصلحة العامة للمجتمع كله، وسلمية وسائل الحزب وإيمانه بالتعددية الحزبية.
 
"
النظام الانتخابي المناسب لضمان أكبر قدر من تمثيل كافة فئات المجتمع هو نظام القائمة النسبية المغلقة، الذي يعطي كل قائمة حزبية عددا من المقاعد يتناسب مع نسبة الأصوات التي حصلت عليها في الانتخابات
"
ولا شك أن الطابع الاندماجي للأحزاب والبعد عن الإقصاء والطائفية والمذهبية أو الجهوية أمر مهم للغاية في مجتمعاتنا، فالأحزاب منظمات سياسية في المقام الأول، وتوفر الديمقراطية منظمات أخرى لخدمة المطالب الخيرية أو الفئوية أو الطائفية كجماعات الضغط ومنظمات المجتمع المدني والأهلي وغيرها.

وهناك ترتيبات مؤسسية لمواجهة احتمال أن يؤدي نظاما القائمة النسبية والتعددية الحزبية إلى تشكيل حكومات ائتلافية ضعيفة (تونس بها أكثر من مائة حزب، ومصر نحو خمسين حزبا)، يمكن القول بداية إنه ليس شرطا أن يؤدي نظام القائمة النسبية إلى حكومات ائتلافية والمثال الأبرز هنا هو جنوب أفريقيا إذ حصل حزب المؤتمر الأفريقي على 264 مقعدا من المقاعد الـ400 للجمعية الوطنية، وعلى 62 من مقاعد المجلس القومي للمقاطعات البالغ عددها 90 مقعدا.

وبجانب أن الممارسة الديمقراطية ستؤدي إلى عدد أقل من الأحزاب إذ ستختفي أحزاب وتأتلف أحزاب أخرى مع بعضها البعض، فإن هناك ترتيبات مؤسسية ودستورية يمكن من خلالها تشجيع توافق الأحزاب وتقاربها قبل الانتخابات وداخل البرلمانات. فبجانب نظام اللجان السابق الإشارة إليه، هناك نظام القوائم غير المشروطة التي تسمح بتحالف الأحزاب وبدخول مستقلين، ويمكن منح حوافز مالية وإعفاءات ضريبية للائتلافات الحزبية. كما يمكن رفع نسبة الحسم لدخول البرلمان تشجعيا للتحالفات الانتخابية وقت الانتخابات.
 
وهناك ترتيبات تحد من ابتزاز الأحزاب الصغيرة للأحزاب الكبيرة عند تشكيل الائتلافات الحكومية، منها أنه في ألمانيا لا يمكن سحب الثقة من الحكومة إلا إذا توفر بديل حكومي جاهز، وفي جنوب أفريقيا تم منع الأحزاب التي يقل تمثيلها عن 5% من مقاعد البرلمان (20 مقعدا) من المشاركة في أول حكومة وحدة وطنية.
 
تعزيز سلطة المواطنين
ولمعالجة تشكك بعض الشباب في العمل الحزبي، يمكن التفكير في وسائل أخرى لتمكين الشباب، والمواطنين بشكل عام، من ممارسة السلطة، عن طريق تبني النظم الجديدة بعض مظاهر الديمقراطية شبه المباشرة، والتي هي آلية واحدة من آليات جعل الشعب سلطة رابعة.
 
فبجانب استخدام أسلوب الاستفتاء الشعبي مع وضع الضمانات اللازمة لحصره في القضايا الجوهرية ومنع إساءة استخدامه لتجاوز دور البرلمان، يمكن تبني الاقتراح الشعبي الذي يسمح للناخبين باقتراح مشروع قانون ورفعه للبرلمان لمناقشته فإذا تم اقراره أو رفضه، يعرض على الشعب لاستفتائه فيه، كما الحال في بعض الكانتونات السويسرية والدويلات الأميركية والكندية.
ويمكن تبني أسلوب عزل الحكام إذا أخلوا بواجباتهم وإعادة الانتخابات أو إجراء انتخابات مبكرة، ويمكن تطبيق هذا الأسلوب على المحافظين المنتخبين أو حكام الولايات ونواب المحليات ونواب البرلمان، بإعطاء الجماهير الحق في طلب إجراء انتخابات مبكرة على منصب معين قبل انتهاء المدة المقررة، مع ضمان حق المطعون فيهم في دخول الانتخابات الجديدة.
 
في فنزويلا، تعطي المادة 72 من الدستور المواطنين الحق في استبدال كل الأشخاص الذين يأتون إلى مواقعهم بالانتخاب بما في ذلك رئيس الدولة (كانت هناك محاولة فاشلة لخلع شافيز عام 2004). 
 
"
تسهم الديمقراطية شبه المباشرة في إعادة ثقة الناس بالسياسة، وفي تسييس المواطنين ودفعهم إلى الاهتمام بالشأن العام وزرع الأمل فيهم بإمكانية تغيير السياسات والأشخاص
"
يحتاج الأمر تدابير قوية لضمان الجدية ولمنع إساءة الاستخدام، كأن يشترط عدد كبير من التوقيعات، نسبة 10% أو 15% مثلا من إجمالي أصوات آخر انتخابات، وتحديد مدة زمنية محددة لجمع التوقيعات، واشتراط عدم تكرار نفس الموضوع خلال سنة أو سنتين وتوزيع التوقيعات على المحافظات.
 
لهذا الأمر مزايا مختلفة إذا أحسن استخدامه، منها ترجمة طموحات الشباب في المشاركة بتوفير أسلوب سلمي دستوري أمام الناخبين للمشاركة والتعبير عن الرأي والتأثير في النقاش العام من خلال حملات شعبية ومن خارج المؤسسات والأحزاب. ويشكل هذا نوعا من محاسبة الحكام والنواب وإشراكا للجماهير في وضع الأجندة السياسية المطروحة.
 
كما تسهم الديمقراطية شبه المباشرة في إعادة ثقة الناس بالسياسة، وفي تسييس المواطنين ودفعهم إلى الاهتمام بالشأن العام وزرع الأمل فيهم بإمكانية تغيير السياسات والأشخاص. بجانب تحسين أداء الحكام ونوعية الحكم الديمقراطي، فطرح المسألة، حتى قبل جمع التوقيعات، يدفع الحكومة والبرلمان إلى الاهتمام ومراجعة الأمر.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك