أسامة أبو ارشيد

أسامة أبو ارشيد

كاتب فلسطيني مقيم في واشنطن, من مواليد القاهرة (مصر) عام 1973


 
حفلت الكتابات المناقشة لمسعى السلطة الفلسطينية بالتقدم بطلب للانضمام إلى هيئة الأمم المتحدة بتنوع في التحليلات والمواقف، وذلك ما بين مؤيد لمثل هذه الخطوة على أساس أنها تنقل الصراع خطوة متقدمة إلى الأمام وتحشر إسرائيل والولايات المتحدة في الزاوية، وما بين أخرى معارضة ترى في مثل هذه الخطوة تسرعا غير مدروس جيدا، فضلا عن أنه تشريع لاحتلال الجزء الأكبر من فلسطين وتضييع لحقوق اللاجئين.

لكل طرف بالطبع حججه وأسانيده القوية، قانونية كانت أم سياسية، وليس من العدل هنا القول بأن طرفا واحدا يملك كل الحقيقة في الموقف حيال هذه الخطوة. غير أنه من الضروري هنا التأكيد على أن من يعارض هذه الخطوة فلسطينيا لا يفعل ذلك اتساقا مع الموقف الأميركي والإسرائيلي كما يعلن بعض قادة سلطة رام الله. أيضا ليس من العدل اتهام من يدفع باتجاه إنجاح هذا المسعى في الأمم المتحدة بأنه يفعل ذلك تصفية للقضية الفلسطينية.
"
القضية الفلسطينية قد تكون القضية الأعقد في القرن العشرين، وهي ما زالت كذلك في القرن الواحد والعشرين, بسبب الانحياز الغربي والأممي الفاضح والصارخ لدولة الاحتلال
"
لنكن واقعيين، القضية الفلسطينية قد تكون القضية الأعقد في القرن العشرين، وهي ما زالت كذلك في القرن الواحد والعشرين. مرد هذا التعقيد عائد في أحد جوانبه إلى ذلك الانحياز الغربي والأممي الفاضح والصارخ لدولة الاحتلال. بل، إننا نشهد اليوم نوعا جديدا من الانحياز والرضوخ "الراغم" لإسرائيل. فإذا كان رئيس الولايات المتحدة نفسه يقول بأنه لا بد من قيام دولة فلسطينية مستقلة، وذلك من أجل مصلحة أميركا وإسرائيل أيضا، ثمّ يَضْطِّرُهُ اللوبي الصهيوني، بل ومعه كذلك المؤسسات العسكرية والمدنية والاستخباراتية الأميركية، إلى التغاضي عن مصالح أميركا الأمنية والحيوية والإستراتيجية، فإن هذا يدل على حجم التعقيد والصعاب التي يواجهها أصحاب القضية الفلسطينية والعاملين لها.
 
لا أريد هنا أن أغرق في التفاصيل القانونية والتقنية للمسعى الفلسطيني، فالخلاف القانوني في المسألة يعطي لكل طرف مؤيدا كان أم معارضا حجة بالغة ويحميه من الوصم بالخيانة أو التواطؤ. ولكنني أحب أن أركز هنا على بعض النقاط القانونية والإجرائية والتي تجعل من التخوف من مسعى السلطة ومنظمة التحرير تخوفا مشروعا، دون أن نتورط هنا في كيل الاتهامات.

في تقديري الشخصي فإن أخطر ما في المسألة يتعلق بالثقة بالفريق الذي يقود السلطة ومنظمة التحرير الفلسطينية اليوم. بمعنى أن تجربة عشرين عاما كاملة من التفاوض الفلسطيني الإسرائيلي تثبت (أي أن الأمر لا يتعلق بمجرد أحكام جاهزة) بأن هذا الفريق لا يعترف بخطوط حمر في مفاوضاته ولا يلقي بالا لثوابت القضية ولا يتورع عن فتح قنوات خلفية لتذليل أي عقبة كؤود (أي حق فلسطيني يعد ثابتا) تبرز في الطريق.
 
رأينا ذلك في مفاوضات أوسلو السرية عام 1993، وذلك في خضم مفاوضات مدريد التي قيل إنها وصلت إلى طريق مسدود.

أيضا رأينا ذلك مؤخرا فيما كشفته وثائق الجزيرة من استعداد المفاوض الفلسطيني للتنازل عن كل ما يصر ليل نهار على أنها ثوابت غير قابلة للمس بها أو المساومة عليها، ولكن عندما انكشف المستور وجدنا أن لا قضية اللاجئين تعد ثابتا من الثوابت، ولا الحدود، ولا كامل الضفة الغربية، ولا القدس، ولا حتى السيادة على الحرم القدسي الشريف.

أيضا رأينا ذلك في تصريحات أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، ياسر عبد ربه عندما ألمح منذ فترة ليست بالبعيدة إلى إمكانية الاعتراف بـ"يهودية" الدولة الصهيونية إن هي قبلت بدولة فلسطينية في الأراضي المحتلة عام 1967. وأيضا في تصريحات رئيس السلطة في رام الله، محمود عباس، الذي قال بصراحة قبل أشهر بأن حل قضية اللاجئين لن يكون على حساب إسرائيل. بمعنى آخر التنازل عن حق اللاجئين (على الأقل الأخلاقي والمعنوي) بالعودة إلى ديارهم المحتلة عام 1948، رغم أن قرارات الشرعية الدولية المنحازة لإسرائيل تعطيهم هذا الحق، فضلا عن التعويض.
 
في هذا السياق، فإن ثمة تخوفا حقيقيا من أن تستجيب السلطة إلى الضغوط الغربية وتسعى لتقديم طلب العضوية إلى الجمعية العمومية للأمم المتحدة بدلا عن مجلس الأمن وذلك لرفع الحرج الأميركي والغربي و"إنقاذ" أميركا من ورطة استخدام الفيتو أو "عناء" توفير تسعة أصوات رافضة للطلب الفلسطيني في المجلس وذلك لتجنب استخدام الفيتو الذي سيثير غضب العالم من أميركا وسيجعل من اتهامها بـ"النفاق" و"الرضوخ" لإسرائيل أمورا يصعب الدفاع عنها. كيف لا ورئيسها، أعلن رسميا قبل سنة تقريبا عن رغبته في رؤية "فلسطين" عضوا في الأمم المتحدة.
 
توجه السلطة إلى الجمعية العمومية دون مجلس الأمن في حال تم -أو بعد الفشل المتوقع في مجلس الأمن- سيعني أن "فلسطين" ستكون دولة معترف بها دون عضوية في الأمم المتحدة، وهي ذات الوضعية التي تتمتع بها "دولة الفاتيكان". بطبيعة الحال، فإني أكتب هذه السطور قبل تقديم طلب العضوية الفلسطيني، والذي من المفترض أن يتم يوم الجمعة (23/9).

المسألة الأخرى المقلقة في هذا الموضوع تتمثل بذهاب فريق رام الله إلى الأمم المتحدة دون السعي لتحقيق توافق وطني فلسطيني على الحدود الدنيا للبرنامج الذي يمكن القبول به. ذهاب الفلسطينيين مفككين إلى نيويورك سيوفر لإسرائيل الذريعة للزعم بأن فريق رام الله لا يمثل كل الفلسطينيين كما أنه لا يمتلك تأثيرا في قطاع غزة. للأسف، فإن فريق رام الله ما زال يصر على استفراده بتوجيه المستقبل الفلسطيني دون اعتبار لمكونات المشهد الفلسطيني الأخرى.
 
"
الخطوة الفلسطينية تأتي في ظل انكفاء عربي قطري داخلي، وهو ما قد يضعف الفاعلية العربية، وإن كان هذا لا ينفي وجهة نظر المؤيدين لمثل هذا التوجه الفلسطيني بأن "الربيع العربي" قد يكون رافعة لا عبئا على الموقف الفلسطيني
"
في ذات السياق، فإن هذه الخطوة الفلسطينية تأتي في ظل انكفاء عربي قطري داخلي، وهو ما قد يضعف الفاعلية العربية، وإن كان هذا لا ينفي وجهة نظر المؤيدين لمثل هذا التوجه الفلسطيني بأن "الربيع العربي" قد يكون رافعة لا عبئا على الموقف الفلسطيني.

المسألة الثالثة تتعلق بالاحتمال القائم بأن تنتفي الصفة التمثيلية القانونية لمنظمة التحرير الفلسطينية، والتي تعتبر مصدر شرعية السلطة الفلسطينية القائمة اليوم. منظمة التحرير تتمتع بوضعية "مراقب" في الأمم المتحدة منذ عام 1974، وهو أمر لا يتيح لها التصويت، كما أنه معترف بها على أنها "ممثل الشعب الفلسطيني".

الآن قد يترتب على الاعتراف بـ"الدولة الفلسطينية" -سواء كدولة عضو أم غير عضو في المنظمة الدولية- إحلال في الصفة التمثيلية لتكون لها وتلاش لهذه الصفة عن منظمة التحرير، وهو ما يعني استتباعا -في حال تمّ ذلك- إسقاط الصفة التمثيلية عن المنظمة للاجئين الفلسطينيين في الشتات.
 
ولأن هذه الدولة سيعترف بها على أساس حدود عام 1967 (مع ضرورة التأكيد على أن فريق المفاوضات الفلسطيني أشار غير مرة إلى عدم ممانعته من مناقشة تعديل هذه الحدود في المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية) فإن كل فلسطيني خارج حدود ولايتها الجغرافية النظرية قد يغدو دون تمثيل. بل إنه حتى اللاجئون الفلسطينيون إلى المناطق المحتلة عام 1967 قد لن يكون لهم تمثيل لناحية حقوقهم في أراضيهم الأصلية في حال تلاشي الصفة التمثيلية للمنظمة.

أضف إلى ذلك المخاوف الحقيقة التي قد تترتب على الإجراءات الانتقامية الإسرائيلية من مثل ضم الكتل الاستيطانية الكبرى في الضفة الغربية، أو اعتبار أن الدولة الفلسطينية قائمة بالفعل على ما تسيطر عليه اليوم، وذلك على أساس أن الاعتراف بدولة فلسطينية يعني نهاية أوسلو.
 
هذه التهديدات الإسرائيلية قد لا تنفذ بالفعل، ولكن المشكلة بأنها لو نفذت، وقام الفلسطينيون بالتقدم بشكوى إلى مجلس الأمن الدولي، فإن الفيتو الأميركي سيكون حاضرا. أي أننا عدنا إلى مربع الانحياز الأول.

طبعا دع عنك هنا التهديدات الأميركية بقطع المساعدات المالية عن السلطة الفلسطينية، فهذه الخطوة إن تمت، وعلى الرغم من قسوتها، إلا أنها قد تساهم في تحرير القرار الوطني الفلسطيني نوعا ما. أما تهديد إسرائيل بوقف تحويل عوائد الضرائب للسلطة، فلا يعني الكثير بالنسبة للفلسطينيين. فإسرائيل تفعل ما هو أكثر من ذلك كل يوم.

نقطة أخرى تثير القلق في هذا السياق، وتتمثل في التصريح التالي لعباس: "لا عودة إلى الانتفاضة المسلحة إطلاقا، ولن نعود إلى العنف إطلاقا، وكل ما سنقوم به احتجاجات سلمية فقط". مرتبط بهذا التصريح تقرير إخباري نشرته صحيفة هآرتس الإسرائيلية منذ أيام جاء فيه أن السلطة الفلسطينية تعاقدت مع مصانع أسلحة إسرائيلية لشراء معدات مكافحة شغب وذلك لاستخدامها في حال تفجرت تظاهرات شعبية فلسطينية ضد الموقف الإسرائيلي الأميركي الرافض للاعتراف بدولة فلسطينية. ويدعم هذا وذاك ما أكده عباس نفسه ومن ورائه رموز سلطته من أنهم لن يوقفوا التعاون والتنسيق الأمني مع إسرائيل في كل الأحوال والظروف.
 
السؤال الذي يبرز هنا بالطبع، يتعلق بحقيقة البدائل التي يراها الفريق الفلسطيني المفاوض في حال فشل كل المساعي الفلسطينية لإنشاء دولتهم، فإذا كانت العودة إلى المقاومة خطا أحمر لن يسمح بتجاوزه، وإذا كان الهدف هو العودة إلى المفاوضات بعد التوجه إلى الأمم المتحدة، كما قال عباس نفسه، فإلى أين نحن ماضون؟

"
إذا كانت العودة إلى المقاومة خطا أحمر لن يسمح بتجاوزه، وإذا كان الهدف هو العودة إلى المفاوضات بعد التوجه إلى الأمم المتحدة، كما قال عباس نفسه، فإلى أين نحن ماضون؟
"
لذلك كله، أرى شخصيا، أن خطوة التوجه إلى لأمم المتحدة هذه كانت ستكون أكثر فاعلية وأبعد أثرا لو تم ذلك في ظل توافق وطني وطني فلسطيني طرحت من خلاله المخاوف المتعلقة بالصفة التمثيلية للمنظمة واللاجئين والحدود وحق العودة... إلخ، على بساط البحث وفكر فيه في الآليات اللازمة لضمان عدم ضياع الحقوق الكبرى في سبيل تحقيق الأقل أهمية.
 
أعلم أن هناك من يرى أن أخطر ما في الأمر أن السلطة بتقديمها مثل هذا الطلب فإنها تكون قد تنازلت عمليا عن أكثر من 78% من أرض فلسطين التاريخية، وهذا صحيح، ولكن ينبغي أن نبقي في حساباتنا أيضا أن الاتفاقات انعكاس لموازين القوى، وبأن أي غبن لا يشرعه ألف اتفاق ولا ألف قانون.
 
أيضا، هناك من يتساءل بأنه ألم يكن من الأفضل أن تطالب المنظمة بتفعيل قرار 181 والذي قسم فلسطين عام 1947 إلى دولتين يهودية وعربية، وأعطى الفلسطينيين دولة على 44% بدل الـ22% التي يعطيهم إياها قرار 242 لعام 1967، والذي على أساسه تطلب المنظمة اعترافا بفلسطين؟ سؤال وجيه، ولكنه غير واقعي، فإذا كانت إسرائيل والولايات المتحدة لم تقبلا بعد بفكرة الـ22%، وإذا كان جزء كبير من العالم يبلع فكرة الـ22% بصعوبة فما بالك بمطلب قيام دولة فلسطينية على 44% من أرض فلسطين التاريخية؟
 
أهم ما في الأمر ألا يرسخ في روعنا أبدا أن قضية فلسطين ستنتهي أو انتهت قبل تحقق العدالة كاملة (100%) وليس حتى بـ99.99%.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك