توجان فيصل

توجان فيصل

كاتبة أردنية


شكلت مجموعة وثائق ويكيليكس المتعلقة بالأردن صدمة لقواعد شعبية لم تتأصل بعد علاقتها بتقنية المعلومة الرقمية من جهة, ومن جهة أخرى لكون ما تتم ترجمته ونشره محليا منها انتقائيا -في موضوعه وأحيانا في صيغة الترجمة- ويتعلق تحديدا بأخطر موضوعين يشغلان الأردنيين حاليا: الأول علاقتهم بالحكم والتي يتصاعد توترها إلى حدود غير مسبوقة, والثاني أقدم تاريخيا ويتعلق بالقلق -المشروع والمتصاعد هو أيضا- من مخططات لتصفية القضية الفلسطينية على حساب الأردن.
 
والموضوعان متداخلان بصورة تؤزم المواقف وتغيّم الرؤية, مما يستوجب وقفة موضوعية عند أبرز تلك الوثائق لوضعها في إطارها السليم الذي لا يتجاوز في أغلبه انعكاسا لعصر عولمة المعلومة.
 
وليس كل حديث مع سفارة جريمة إن لم يتضمن ما يمكن تجريمه, كقول رئيس وزرائنا الأسبق طاهر المصري لضابط الاتصال الأميركي "إذا حصل شيء ما لعرفات, فإن ذلك لن يكون سيئا"!! بل إن بعضه يمكن أن يكون منعا لجريمة, لكون حكامنا غير المنتخبين -بل وبعضهم منصّب علينا من قبل أصحاب تلك السفارات- وحدهم يتحدثون باسمنا وعنا بما يروّج أو يكرّس تضنيفات "نمطية" لنا (تخلف وتطرف وإرهاب), في طلب دعمهم للبقاء في الحكم وتبرير قمعهم لشعوبهم، وهو ما يوجب أن نرحب بنشر ما له علاقة بنا لأن العلن في صالحنا.
 
"
لا بد من كسر تابو الخوض في مواضيع خطيرة نعاني منها ويطلب منا تجاهلها رغم معرفة النخب أو حتى رجل الشارع الموثقة بها, إعمالا لقاعدة أن ما تخاف الشعوب من مجرد ذكره لن تجرؤ على فعل يسعى لتغييره
"
وأهم هذا الصالح كسر تابو الخوض في مواضيع خطيرة نعاني منها ويطلب منا تجاهلها رغم معرفة النخب أو حتى رجل الشارع الموثقة بها, إعمالا لقاعدة أن ما تخاف الشعوب من مجرد ذكره لن تجرؤ على فعل يسعى لتغييره.
 
ولعل أفضل معيار لتقييم ما ينقل عن سياسيينا عبر تسريبات ويكيليكس لرسائل السفارات, النظر إليه من زاوية: لو أن ذلك السياسي نشر أقواله تلك في مذكراته, هل يكون فيها ما يجرّم في المعيار القانوني الذي تطبقه الدول المتقدمة؟
 
ونبدأ بأول ما ترجم وانتشر أردنيا بشكل واسع من وثائق ويكيليكس, وهو حديث رئيس الوزراء ورئيس الديوان الملكي ووزير الخارجية الأسبق عبد الكريم الكباريتي مع السفير الأميركي، وهو حديث تحليلي لسياسي تعتبر سياساته من ضمن تلك المتحالفة مع السياسات الغربية التي تقودها أميركا, والتي هي سياسات الحكم المعلنة. والكباريتي جرى "تعيينه" رئيسا للوزراء ووزيرا للخارجية تحديدا كي يخدم تلك السياسات.
 
ومن السذاجة افتراض أن سياسيا بحجم الكباريتي يمكن أن يتحول إلى حنفية تغلق تماما بمجرد عزله عن آرائه وتحليلاته في حضور أقرانه من سياسيي العالم ودبلوماسييه، خاصة إن كانوا تابعين لدولة مؤثرة عالميا ولا تصنف رسميا على أنها معادية بدرجة تستلزم -أو يمكن واقعيا- قطع كل اتصال بها وترحيل سفيرها كما "يتوجب" -وليس فقط "يمكن"- أن يتم في حالة إسرائيل.
 
مشروعية التعامل الشعبي بالسياسة الخارجية طرحت ولم تحسم من أطياف الربيع العربي، ولكن  مشروعية التعامل "الرسمي" يحسمها الدستور. والدستور الأردني لا يجيز تولي الملك للسياسة الخارجية, مثلها مثل السياسة الداخلية, بتجاوز وزرائه (ومنهم رئيس الوزراء).
 
فنص المادة 26 من الدستور تنص على أن "تناط السلطة التنفيذية بالملك ويتولاها بواسطة وزرائه وفق أحكام هذا الدستور". وتفصيل تلك الأحكام يأتي بشكل رئيسي في المادة 45 التي تنص على أن يتولى "مجلس الوزراء مسؤولية إدارة جميع شؤون الدولة الداخلية والخارجية"، باستثناء ما عهد أو يعهد به من تلك الشؤون بموجب هذا الدستور إلى أي شخص أو هيئة أخرى". وحتى الإرادة الملكية لا تعتبر نافذة إن لم يوقعها رئيس الوزراء والوزير المعني. ويعود قرار التوقيع من عدمه إلى هؤلاء، تحديدا لكون الدستور أنذرهم بأن "أوامر الملك الشفوية أو الخطية لا تخلي الوزراء من مسؤوليتهم".
 
ومن تشويهات الدستور الفادحة في عهد الأحكام العرفية، عبارة أدخلت على هذه المادة واضطرت حتى اللجنة الملكية لتعديل الدستور -المرفوضة شعبيا- للتنسيب بشطبها. تقول المادة باستثناء ما يعهد به أيضا "أي تشريع آخر" إلى جهة أخرى، وضرورة الشطب هي لكونه لا تشريع يعلو على الدستور. ولكن الأهم أنه على كثرة ما صدر من قوانين غير دستورية, لم يصدر أي تشريع يجيز استثناء أمور السياسة الخارجية من مسؤولية وزير الخارجية ومجلس الوزراء، أي أنه حتى الغطاء الشكلي بتشريع غير دستوري لانفراد الملك الصريح بأمور السياسة الخارجية غير موجود.
 
ومثل هذا الخرق للدستور (للصيغة الأصلية لدستور عام 52, والصيغة المعدلة بصورة غير دستورية والقائمة حاليا, وأخيرا الصيغة المقترحة بشطب ذلك التعديل), وفي هذا الوقت بالذات الذي تؤثر فيه كل جزئية من السياسة الخارجية في مصير الأردن, يُسقط أي مصداقية لتعديلات دستورية تضعها لجنة ملكية, ويؤكد أن هذه التعديلات مجرد أوراق محبّرة لشراء الوقت, وأن لا نية للتخلي عن صلاحيات الملك المطلقة.
 
وهذا يلقي الضوء على بعض ما ورد في حديث الكباريتي مع السفير الأميركي, وهو رفض الملك أن يتعامل رئيس وزرائه علي أبو الراغب مع السياسة الخارجية، وهو ما يمكن أن يبرر بغياب القدرة عن أبو الراغب ووجود مروان المعشر الذي نقرّ بقدراته -رغم تحفظنا على بعض سياساته- كوزير خارجية ونائب رئيس وزراء. ولكن بإخراج المعشر من الحكومة (باقتلاعه بالفأس, كما هي الترجمة الدقيقة لتوصيف الكباريتي لطريقة الملك في التخلص من الأقوياء في حكوماته)، أصبحت حكومة أبو الراغب ثلة "أصحاب قرارات رخيصة", دافعهم "المال فقط".
 
"
ما ترجم من حديث الكباريتي حول شعور الملك والملكة بعدم الأمان في الأردن, لا يعني أنهما كانا مهددين في سلامتهما الشخصية, بل إن التعبير الإنجليزي يميل أكثر إلى معنى عدم الشعور بالأمان نفسيا
"
وحديث الكبارتي هو عن صفقات تأتي ضمن التمهيد لاحتلال العراق الذي أثره على العالم العربي كله كارثي, ولكن أثره كان أعمق على الأردن وفلسطين بعد العراق. والكباريتي لم يكشف حقيقة كان يمكن أن تبقى مستترة لو لم يفعل, فقد جاء تقرير فولكر بعد حديثه ذاك بوقت قصير ليثبت انشغال السياسة الخارجية الأردنية قبل وأثناء احتلال العراق بصفقات تهريب نفط وتقديم خدمات للجيش الأميركي. ومؤخرا فقط عرفت القواعد الشعبية الأردنية بعض حقائق صفقات مع بلاك ووتر ذاتها, ولهذا تتحدث صحفنا عن "صدمة" أخرى للأردنيين جراء هذا.
 
ويتوجب أيضا التوضيح -للقراء الذين لا يتقنون الإنجليزية- أن ما ترجم من حديث الكباريتي حول شعور الملك والملكة "بعدم الأمان في الأردن", لا يعني أنهما كانا مهددين في سلامتهما الشخصية, بل إن التعبير الإنجليزي يميل أكثر إلى معنى عدم الشعور بالأمان نفسيا لجهة إمكانات الإنسان وقدرته على التعامل مع  الوضع أو المحيط الذي يجد نفسه فيه.
 
ويؤكد هذا المعنى شرح الكباريتي أن "كل ما كان يريده الأمير عبد الله قبل وفاة الملك حسين أن يكون قائد الجيش.. كان ذلك حلمه بعيد المدى" ولم يتم تحضيره لمنصب الملك, وأنه "بحاجة إلى وقت" ليتعلم كيف يحكم. ويقول إن الملكة تعزز شعور الملك بعدم الأمان لكونها أيضا لا تثق بأحد، وهي "آخر من يهمس في أذن الملك" في أمور عدة.
 
والملاحظة الأخيرة أكدها رد الملك حين سئل من صحافة عالمية عما يتداول عن دور الملكة, إذ قال إن ما يحصل أنه يسمع كلاما كثيرا ومتباينا طوال النهار, وعندما يعود ويخبرها به تقول له شيئا "يبدو منطقيا". كما أكدته الملكة في ردها على سؤال لأوبرا ونفري عما إذا كانت تثق بنفسها وهي تجلس مع مختصين في حقول عدة، فلم تنف الملكة جلوسها مع هؤلاء, ولكنّ ردها عكس عدم الشعور بالأمان (وهو الطبيعي في حالتها وبأكثر مما في حالة الملك من حيث عدم الإعداد)، بقولها "في البداية كنت أتساءل: هل يأخذونني بجدية؟".. ولعل القفز عن تلك البداية السليمة كان الأخطر لكليهما، فإعداد أي إنسان "للحكم" يتطلب سنوات طويلة, والأهم أنه يتطلب استعدادا شخصيا.
 
والكباريتي يقول إن الملك لا يحب السياسة، ونتيجة لهذا الوضع فإن "مستشاريه يخافون أن يقولوا له أي شيء". وهنا بالذات أوردت الرسالة قول الكباريتي إن الملك يحب "اقتلاع الناس بالفأس" (ترجمت "سلخ") من المواقع الحكومية, وإن الملك يعتقد بأن ذلك يعكس شخصية "قوية ومصممة"، وإن شعور الملك بعدم الأمان ينتج عنه تعيين "نوعية منخفضة المستوى" في الحكومة, لأنه لا الملك ولا رئيس الوزراء يرغب في أن يأتي من يتفوق عليه.
 
ما قاله الكباريتي كانت تعرفه حلقة ضيقة منذ البداية, ثم باتت تعرفه حلقة الحكم التي تراجعت سويتها فعلا، والأخيرون استثمروه لصالحهم بشكل موغل في الفساد والفجاجة, مما أدى إلى مزيد من تراجع سوية وأوضاع الحكم إلى ما هي عليه الآن. ولا يملك عاقل إلا أن يجزم بأن الجهات الخارجية التي لا يصل فيها إلى موقع سياسي إلا المؤهلون عاليا في مجال السياسة, كانت تعرف هذا منذ البداية ومباشرة بالتواصل مع الملك والملكة اللذين يظهران بكثرة في الإعلام والمنابر العالمية (معرفة عكسها سؤال أوبرا ونفري) قبل أن يقول الكباريتي رأيه هذا، وحتما استثمرته تلك الجهات أيضا, فهذا ما تفعله كقاعدة في السياسة لن تخرقها رأفة بنا.
 
"
أهم ما يتوجب إعادته إلى حكومة منتخبة هو الولاية على السياسة الخارجية بالذات, باعتبار التهديدات الوجودية التي يتعرض لها الأردن
"
فمما سربه موقع ويكيليكس أيضا رسائل لوزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون -في متابعة لنهج بدأته سابقتها كوندوليزا رايس- تطلب فيها معلومات خاصة وسرية وصولا إلى معلومات بيولوجية، عن كبار مسؤولي الأمم المتحدة ومجلس الأمن.. ورسالة تطلب فيها تقصي معلومات عن الرئيسة الأرجنتينية كريستينا فرنانديز تتعلق بكيفية تعاملها مع الضغوط النفسية ومدى تأثير تلك الضغوط على اتخاذها للقرار، وصولا إلى معرفة ما إذا كانت تتعاطى أي أدوية مهدئة.
 
هذه القراءة لجزئية مغفلة من حديث الكباريتي في ضوء ما يجري في الشارع الأردني, تؤكد ليس فقط شرعية مطالبة الشعب بالملكية الدستورية, بل تثبت أن 11 عاما من الحكم المطلق لم تكف لتأهيل وارث للحكم لا يُسأل, بما يوجب انتخاب المؤهلين له من الشعب ومراقبتهم ومساءلتهم، وأن أهم ما يتوجب إعادته إلى حكومة منتخبة هو الولاية على السياسة الخارجية بالذات, باعتبار التهديدات الوجودية التي يتعرض لها الأردن، خاصة أن مجمل السياسات العربية والإقليمية والدولية تشهد إرهاصات تغيرات جذرية سنتطرق إليها في مقال تالٍ.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك