علي بدوان

علي بدوان

كاتب فلسطيني



شكّلت التطورات الدرامية الأخيرة -التي وقعت في قلب العاصمة المصرية القاهرة بعد اقتحام مقر سفارة "إسرائيل" فجر السبت العاشر من أيلول/سبتمبر الجاري- مصدر قلق إضافي كبير للقادة "الإسرائيليين"، ولأصحاب القرار السياسي والأمني والعسكري في الدولة العبرية.
 
وقد زادت التحركات الجارية في العاصمة الأردنية من نسبة هذا القلق، وهي التحركات التي بدأتها مجموعات صغيرة من النشطاء ومن أعضاء بعض القوى الوطنية، وقد اتسعت صفوفها بعد اقتحام سفارة تل أبيب في القاهرة، الأمر الذي دفع بـ"إسرائيل" لإعادة معظم دبلوماسييها من عمان إلى تل أبيب، وإغلاق مقر سفارتها الواقعة في منطقة الرابية غربي العاصمة الأردنية.
 
تلك التطورات، أيقظت حالة الخوف والهلع الكامنة لدى "الإسرائيليين" تحسباً لكل الاحتمالات الممكنة في الوضع الداخلي المصري وانعكاساته المتوقعة على السياسات المصرية الخارجية، في سياق ما يجري في مصر من مخاض كبير وعسير لولادة البديل الديمقراطي الذي جاءت من أجله انتفاضة الشعب المصري.
 
فكيف نقرأ الموقف "الإسرائيلي" الأخير من حادثة اقتحام سفارة تل أبيب في القاهرة، وتداعياتها المحتملة على مسار العلاقات المشتركة ولو بعد حين.
 
السلام البارد.. لا سمن ولا عسل
"
السلام الذي أرست دعائمه معاهدة كامب ديفد 1979، لم يصل -ولا في محطة واحدة من محطاته الزمنية خلال العقود الثلاثة الماضية- إلى سلام دافئ، بل كان على الدوام سلاماً بارداً في معظم الأحيان، وسلاماً فاتراً في أحسن حالات
"
في البداية، لا بد من القول إن العلاقات المصرية "الإسرائيلية" لم تكن ولا في يوم واحد "سمن على عسل" منذ توقيع معاهدة كامب ديفد عام 1979، بل اعترتها على الدوام منغصات عميقة ومتتالية، حتى في أوج فترات الهدوء السياسي الذي عاشته منطقة الشرق الأوسط في برهات زمنية معينة طوال العقود الثلاثة الماضية.
 
فالسلام الذي أرست دعائمه معاهدة كامب ديفد 1979، لم يصل -ولا في محطة واحدة من محطاته الزمنية خلال العقود الثلاثة الماضية- إلى سلام دافئ، بل كان على الدوام سلاماً بارداً في معظم الأحيان، وسلاماً فاتراً في أحسن حالاته.
 
وقد وصلت تلك المنغصات في العلاقات بين الطرفين إلى حدود عالية في فترات معينة، آخرها ما جرى في العدوان "الإسرائيلي" الأخير على قطاع غزة قبل عامين، واستمرار حالة الحصار الجائر والظالم على قطاع غزة، وهو الحصار الذي أحرج وما زال يحرج أصحاب القرار في مصر (قبل الثورة زمن الرئيس المخلوع حسني مبارك، وبعد رحيل شخص رئيس النظام السابق)، انطلاقاً من التقديرات التي تشير إلى قصور الدور المصري الرسمي -وليس الشعبي- في العمل المطلوب من أجل فك هذا الحصار، واضطرار القاهرة إلى الرضوخ للمنطق الأميركي و"الإسرائيلي" على هذا الصعيد.
 
ومن الواضح لكل المتابعين للشأن المصري "الإسرائيلي" المشترك، أن قيود وتكبيلات معاهدة كامب ديفد كانت وما زالت كبيرة وثقيلة ولئيمة على مصر وشعبها، وحتى على سيادتها الوطنية والقومية، حين حددت تلك الاتفاقية حجم الحضور الأمني والعسكري المصري على أرض سيناء المصرية -التي تقدر مساحتها بأربعة أضعاف مساحة أرض فلسطين التاريخية تقريباً- مقابل فقدان التوازن بالنسبة لحجم وعديد القوات "الإسرائيلية" المرابطة على الطرف الآخر داخل فلسطين المحتلة عام 1948 في مواجهة الأرض المصرية في سيناء.
 
إن تلك الأعباء والأثقال المفروضة على مصر من خلال نصوص معاهدة كامب ديفد استدعت خلال فترات معينة قيام الجهات السياسية المصرية بالسعي لنيل الموافقة "الإسرائيلية" على زيادة عديد أفراد قوات الأمن المصرية في سيناء، والمسلحة أساسا بأسلحة فردية وخفيفة، وكان آخرها الموافقة "الإسرائيلية" التي تمت خلال الشهر الماضي على زيادة عديد قوات الأمن المصرية في مناطق مختلفة من سيناء، انطلاقاً من التقدير "الإسرائيلي" الذي يقول بوجوب قيام قوات الأمن المصرية بحماية منطقة الحدود المشتركة من المسلحين والمتسللين، جنباً إلى جنب مع مجهود القوات "الإسرائيلية" في هذه المهمة، بعد عملية إيلات التي وقعت الشهر الماضي، وقد قتل فيها ثمانية جنود "إسرائيليين".
 
اقتحام السفارة والصدمة المرعبة
إن الإشارات أعلاه، تقودنا للحديث عن مديات القلق المتسع لدى صناع القرار في "إسرائيل" من حادثة اقتحام سفارة تل أبيب في قلب القاهرة وتداعياتها المحتملة، وهي الحادثة الثانية خلال فترة قصيرة، بعد أكثر من ثلاثة عقود من وجود سفارة للكيان الصهيوني على أرض مصر الكنانة،  واحتمال وقوع فعل مشابه في العاصمة الأردنية عمان ضد سفارة تل أبيب، حيث نقلت صحيفة يديعوت أحرونوت العبرية، في عددها الصادر يوم الأربعاء الرابع عشر من سبتمبر/أيلول الجاري عن المسؤولين "الإسرائيليين" قولهم "إن الوضع في الأردن غير مستقر، ومن الممكن أن يتجه نحو هزة كبيرة يجب أن تؤخذ بمنتهى الجدية".
 
والهزة الكبيرة المقصودة في هذا التصريح "الإسرائيلي" تتمثل في الخوف من إمكانية استهداف سفارة تل أبيب في عمان بعد الاعتصامات المتتالية الجارية أمامها، وبنفس الطريقة التي استهدفت بها سفارة "إسرائيل" في القاهرة.

"
أحدثت عملية اقتحام سفارة تل أبيب في القاهرة صداعاً مزمناً لقادة إسرائيل، وما زالت ذيولها تجرّر نفسها دالة على التخبط "الإسرائيلي" في تقدير الموقف المتعلق بمصير العلاقات المصرية الإسرائيلية
"
إن اقتحام السفارة "الإسرائيلية" في القاهرة، أصاب قادة "إسرائيل" بالصدمة المرعبة، على حد قول بنيامين نتنياهو الذي قاد خلية أزمة في الليلة إياها، وقد سارع للاتصال بقادة غرب أوروبا وبالرئيس الأميركي باراك أوباما طالباً النجدة لإنقاذ طاقم السفارة "الإسرائيلية" الذين بلغت أعدادهم قرابة ثمانين دبلوماسياً، جلهم من رجالات الأمن والمخابرات الذين يعملون في مصر تحت الغطاء الدبلوماسي، بينما تصب أعمالهم الأساسية في مهمات الأمن والتجسس، كما بينت العديد من الوقائع طوال السنوات الطويلة من وجود السفارة "الإسرائيلية" في القاهرة، حين تم ضبط عدة دبلوماسيين "إسرائيليين" وهم يمارسون الأعمال المشار إليها.

لقد أحدثت عملية اقتحام سفارة تل أبيب في القاهرة صداعاً مزمناً لقادة "إسرائيل"، وما زالت ذيولها تجرّر نفسها دالة على التخبط "الإسرائيلي" في تقدير الموقف المتعلق بمصير العلاقات المصرية "الإسرائيلية" بعد سقوط الرئيس السابق حسني مبارك، وهو ما دفع وزير الحرب "الإسرائيلي" الجنرال إيهود باراك إلى القول إن "حسني مبارك كان ثروة لا تقدر بثمن لإسرائيل". مضيفاً "إن حكام مصر الجدد أكثر عرضة للتأثر بالمشاعر المناهضة لإسرائيل المنتشرة على نطاق واسع في بلادهم من الرئيس المصري السابق حسني مبارك".

تقدير الموقف في "إسرائيل"
إن الاتجاه العام لتقديرات الموقف "الإسرائيلي" بعد اقتحام سفارة تل أبيب في القاهرة، وعلى ضوء التململات الجارية في الأردن والتجمع الشعبي الأسبوعي أمام سفارة تل أبيب في عمان، يقرر بأن "إسرائيل" خائفة الآن، وتعيش في حالة من العزلة، كما تعيش وضعاً صعباً على صعيد علاقاتها مع الدولتين العربيتين اللتين تقيمان علاقات دبلوماسية كاملة معها (مصر والأردن)، حيث يسود القلق بشأن مستقبل تلك العلاقة، وقد بات القول السائد في تل أبيب يقرّ بأنها على "كف عفريت".

إن الربيع العربي بدأ في إعطاء مفاعيله على الأرض من خلال تحرير أجيال كاملة من أسر الارتباط بدائرة الخضوع والاستسلام للأمر الواقع، والخروج من دائرة القهر والسلبية باتجاه العمل ضمن مربع الفعل والتأثير على الأرض.
 
فالشارع الشعبي المصري الرافض لمعاهدة كامب ديفد وللعلاقات مع "إسرائيل" عاد بقوة للحضور والتفاعل مع القضايا الوطنية والقومية وخصوصاً قضية فلسطين. كما قضية الأمن والكرامة المصرية التي مستها بنادق وطائرات الاحتلال التي قتلت خمسة جنود مصريين بعد عملية إيلات الأخيرة، ورفض "إسرائيل" تقديم حتى اعتذار عن الحادث الذي ذهب ضحيته بعض الجنود المصريين، بل وتمادى وزير خارجية حكومة نتنياهو الفاشي المتطرف أفيغدور ليبرمان في تعليقاته على مطالبة مصر "إسرائيل" بالاعتذار عن قتل عدد من الجنود المصريين مؤخراً.
 
إن القلق "الإسرائيلي" -بالنسبة لمصير العلاقات مع مصر- لا ينطلق من الحادثة الآنية التي جرت للسفارة في القاهرة، بل من معنى ومغزى هذا الفعل على مستقبل العلاقات مع مصر، وعلى مستقبل مصر في المنطقة، ومن إمكانية استدارة الموقف المصري -ولو بعد حين- باتجاه اشتقاق سياسات حازمة مع "إسرائيل" التي اعتقدت لفترات طويلة أنها قادرة على أن تصول وتجول، وأن تعربد في المنطقة دون حسيب أو رقيب، خصوصاً في ظل المواقف الأميركية المنحازة والبعيدة عن التوازن.
 
"
التقدير الإسرائيلي للموقف ينطلق من أن مصر هي أكبر دولة عربية، وتشّكل في اللحظة الراهنة حالة اختبار، تؤشر على مصير الربيع العربي، حيث يزداد حضور "الإخوان المسلمين"، وتتصاعد الكراهية لإسرائيل  
"
إن التقدير "الإسرائيلي" ينطلق من أن  مصر هي أكبر دولة عربية، وتشّكل في اللحظة الراهنة حالة اختبار، تؤشر على مصير الربيع العربي، حيث يزداد حضور "الإخوان المسلمين" ويزدادون قوة، وتتصاعد الكراهية "لإسرائيل" والمطالبة بإلغاء معاهدة كامب ديفد الموقعة عام 1979.
 
فالقلق "الإسرائيلي" يتأسس هنا على الخوف القائم على التقديرات الكامنة من إمكانية حدوث تداعيات وهزات كبيرة قد تطيح بمعاهدة كامب ديفد، ولو بالتدريج، بدءاً من طرح مقولات إجراء تعديلات عليها، وصولاً إلى إمكانية إعادة استحضار الدور التاريخي لمصر بمعناه الجيوبوليتيكي في الصراع العربي/الإسرائيلي، وهو ما حدا بمصدر في الخارجية "الإسرائيلية" على القول "إن الربيع العربي تحول إلى عداء منهجي ضد إسرائيل"، معتبراً في الوقت نفسه أن "إسرائيل" تواجه اليوم عاصفة مكتملة الأبعاد في المنطقة رغم تمتعها بالقوة العسكرية، حيث هز الربيع العربي علاقاتها مع مصر، كما تفاقمت عزلتها الدولية بسبب سياساتها في قضايا التسوية، مع انسداد أفق العملية السياسية مع الفلسطينيين ومختلف الأطراف العربية واحتضارها.
 
اتجاهان في تقدير الموقف
إن الخطوط العامة لتقدير الموقف الإجمالي التقاطعي بين المكونات السياسية "الإسرائيلية" تجاه موضوع اقتحام السفارة في القاهرة الوارد أعلاه، يقودنا للحديث التفصيلي عن وجود اتجاهين رئيسيين في "إسرائيل" بصدد الأحداث الأخيرة.
 
الاتجاه الأول، هو اتجاه أصحاب القلق الذين يدقون ناقوس الخطر، والمتخوفين من تداعيات ما يجري على "إسرائيل" ومستقبلها، ويضم في صفوفه معظم نخب المعارضة السياسية لحكومة نتنياهو، والعشرات من كبار ضباط الأمن والجيش من المتقاعدين، وقد عبر عن هذا القلق والتخوف الميجر جنرال إيال أيزنبرغ قائد ما يسمى الجبهة الداخلية في "الجيش الإسرائيلي"، الذي قال حرفياً "بعد الربيع العربي نتوقع وصول شتاء الإسلام الأصولي". 
 
ومن بين رموز هذا الاتجاه أيضاً، عوديد عيران رئيس معهد دراسات الأمن القومي في "إسرائيل" والسفير السابق، الذي قال "يساورني قلق شديد من التدهور اليومي في التوازن الإستراتيجي لإسرائيل". فيما اتجهت زعيمة "حزب كاديما الإسرائيلي" المعارض تسيبي ليفني للقول "إن الحفاظ على مصالح إسرائيل يمر عبر العملية السياسية، وإن الحكومة الإسرائيلية تتحدث عن الكبرياء القومي، في حين يضطر سفراء إسرائيل إلى الهرب ليلاً وهم يعتمرون الكوفية الفلسطينية".

"
ثمة تخبط لدى قادة الكيان الصهيوني في تقدير الموقف من التحولات الجارية في المنطقة، وقد أدت عملية اقتحام سفارة "إسرائيل" في القاهرة إلى زيادة هذا التخبط، الذي بدا يمتزج مع هلع وخوف شديدين
"
أما الاتجاه الثاني، فيضم العديد من غالبية رموز وعتاة اليمين "الإسرائيلي" بشقيه التوراتي والعلماني ومن زبدة المتطرفين، الذين يرون أن "إسرائيل" ليست في عزلة، وأنها قوية جداً بعلاقاتها مع الولايات المتحدة، وأن الزلزال الإقليمي الذي يضرب المنطقة، يجب أن يدفعها لانتهاج وإنتاج سياسات متشددة مع العرب بشكل عام ومع الفلسطينيين بشكل خاص، وحتى مع الأتراك الذين دخلوا على خط الأحداث والتطورات في المنطقة.
ومن هنا فإن قادة وشخصيات هذا الاتجاه يقولون بـ"التوقف عن جلد الذات"، واستغلال حالة التخبط والفوضى واختلاط الأوراق في المنطقة العربية، لتعزيز إمكانية قيام "إسرائيل" بفرض مواقفها ومفاهيمها ورؤيتها للتسوية في المنطقة مع الفلسطينيين ومع مختلف الأطراف العربية.
 
أخيراً، في الاستخلاصات الأخيرة، نستطيع القول إن هناك تخبطا لدى قادة الكيان العبري الصهيوني في تقدير الموقف من التحولات الجارية في المنطقة، وقد أدت عملية اقتحام سفارة "إسرائيل" في القاهرة إلى زيادة هذا التخبط، الذي بدا يمتزج مع هلع وخوف شديدين.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك