نبيل الفولي

نبيل الفولي

كاتب وباحث مصري


ليس من شرط العبقري أن يكون خيِّرا، فكثير من العباقرة أشرار، بل أن يكون مالكا مجموعة من الإمكانات الشخصية تساعده على التفوق والتميز الخاص بين معاصريه والمختصين في المجال الذي نبغ فيه على العموم.

لقد كان الدكتور جوزيف جوبلز –وزير دعاية هتلر – من كبار عباقرة الدعاية السياسية في التاريخ، مع أنه سخّر هذا في سبيل تخدير الألمان وإقناعهم بشخصية هتلر ومشروعه، وفي السعي إلى هزيمة خصوم النازية نفسيا، وقد نتج عن ذلك ما هو مشهور من حروب وتدمير وإزهاق لأرواح الملايين من البشر قبيل منتصف القرن الماضي.

والعبقرية في عمومها نسبية، بحيث يمكننا أن نصف بعض الأفراد بأنهم من عامة العباقرة، وبعضهم بأنهم من خاصة العباقرة، وبعضهم الآخر بأنهم من العبقريات النادرة، وقد حفل التاريخ بنماذج من كل هؤلاء، مثل: بسمارك عبقري الوحدة الألمانية، ونابليون عبقري العسكرية الفرنسية، ومهاتير محمد عبقري المشروع النهضوي الماليزي، وعبد القدير خان عبقري المشروع النووي الباكستاني.

عبقرية السيطرة
وهذه الأمثلة كلها من مجال السياسة أو مجال آخر لصيق بها، بسبب ما أريده هنا من الحديث عن السياسي الليبي معمر القذافي الذي تتجه شمسه الآن إلى الغروب، ويتجه مشروع جماهيريته الفريد إلى السقوط النهائي بعد أن سيطر الثوار الليبيون على العاصمة طرابلس وأغلب التراب الليبي.
ودعونا نبدأ من النهاية، فقد قامت الثورة الليبية ضد القذافي بتأثير مباشر من الثورتين التونسية والمصرية المجاورتين، وبدأت تتكون شخصية الثورة العربية الثالثة في بنغازي من يوم السابع عشر من فبراير/شباط 2011، حين واجه القذافي الثوار المسالمين هناك بما اعتاده طوال عقود من الترهيب البالغ "سلاحه العبقري!" الذي وظفه داخليا في السيطرة على الشعب الليبي.

"
فوجئ القذافي بأن سلاحه المعتاد لم يردّ الشعب الليبي في ثورته هذه المرة عن هدفه، وهو التحرر من شخصيته ومشروعه ورجاله والمرحلة التي يمثلونها برمتها
"
لكن المفاجأة التي صعقت القذافي هي أن سلاحه المعتاد لم يردّ الشعب الليبي هذه المرة عن هدفه، وهو التحرر من القذافي وشخصيته ومشروعه ورجاله والمرحلة التي يمثلونها برمتها، انطلاقا بليبيا والشعب الليبي إلى مستقبل بلا قذافي وبدون ما يمت إليه بصلة من أفكاره الجماهيرية وآرائه الخاصة بالنظرية الثالثة وما عداها.

ولم يشك كثيرون، حتى مع مراحل الثورة الأولى، في أن التدخل الخارجي ضد القذافي –بقطع النظر عن مصدره– كان ضروريا لحماية الشعب الليبي كله من الذبح والحرق، فضلا عن مساعدة الثورة على الاستمرار والتمدد فوق التراب الليبيى الشاسع شرقا وغربا، وقد جاء التدخل غربيا من خلال حلف شمال الأطلسي الذي له أهدافه الخاصة بأعضائه بلا شك.

وهنا نسجل للقذافي نقطتين في غاية الخطورة:
أولا: أنه نجح حتى وقت قريب في تسخير مشروع الدولة الليبية الذي أخفاه في عباءته وراء لافتات ورموز كثيرة؛ مثل: الكتاب الأخضر، والخيمة البدوية، والمواقف التي تثير الضحك؛ ليكون بمقدوره مواجهة الجماهير وتعجيزها عن الوقوف ضده في أي وقت، ومهما بلغت درجة سخطها.

وكأن القذافي كان يعرف أن هذه الجماهير التي ضيّق عليها، وبالغ في إيذائها بكل أنواع الإيذاء، وسرق ثرواتها الطائلة، لا بد أن تثور ضده يوما ما في ظل عوامل جديدة داخليا أو خارجيا، أو مع أول ظروف متاحة أمامها، وكان لا بد للعقيد من أن يستعد ليوم كهذا استعدادا تاما.

ومن أجل هذا عجزت الجماهير الليبية في ثورتها الأخيرة عن مواجهة القذافي وكتائبه بمفردها، وكان تدخل الخارج الغربي صورة من صور الغزو الخارجي الذي يصعب إنكاره، وهو ما دعا البعض عربيا إلى أن يصب جام غضبه على الثورة الليبية التي "أتت بالاستعمار إلى ليبيا من جديد"، لكن المسألة كانت أكثر تعقدا من هذا، حيث خلط القذافي الأوراق على الجميع بمصادرته للدولة لصالحه الشخصي والعائلي، حتى خلت الساحة الليبية من أي نخبة منفصلة عن الحاكم شخصيا، وباستطاعتها القيام بعمل مقاوِم له تأثير نوعي، فاستوردت الثورة نخبتها المتواضعة من بعض أتباع النظام الذين انشقوا عنه، ومن بعض الهاربين من قبضة القذافي إلى خارج البلاد.

ثانيا: اتفقت كثير من الآراء على أن الناتو تعمد إطالة أمد الثورة الليبية حتى تتضخم معها فاتورة الحرب التي يجب أن يدفعها الليبيون للغرب، والحقيقة أن هذا بُعْد حاضر ومحتمل في الموضوع، إلا أن استهداف القذافي شخصيا قد لا يكون بهذه السهولة المتوقعة، خاصة أنه قد احتاط من أمثال هذه الغارات بعد أن كادت الطائرات الأميركية تقتله في باب العزيزية عام 1986.

ومعنى هذا هو أن القذافي الذي اضطر شعبه إلى الاستعانة بالخارج في مواجهته، حتى بدا هو في عيون بعض العرب وطنيا يواجه العدوان الخارجي و"الحملة الصليبية الجديدة"، كان قد اتخذ شيئا من الاحتياط لمواجهة أي هجوم خارجي لم يكن هو يتصوره إلا محدودا على كل حال، إلا أن أصدقاءه في باريس وروما باعوه. ويبدو أن الإدارة الأميركية التي لم يكن للقذافي أصدقاء كثيرون فيها هي التي أقنعت ساكن الشانزلزيه وساكن جاتزيولي بأن التحول عن القذافي سيكون ربحه أكثر من ربح البقاء معه.

"
حين فشل القذافي في ركوب موجة الفكر اليساري العالمي، وغزو الغرب فوق خيول الجماعات المتمردة، مال إلى نوع من المصالحة مع الواقع, وكانت أثمان هذه المصالحة امتيازات وصفقات من بترول ليبيا
"
لقد بدت عبقرية السيطرة في شخصية القذافي في مظهر الدولة التي اختُصِرت كلها فيه، حتى ظن الناس لزمن طويل أن ليبيا هي القذافي، وأن عاصمتها القذافي، وميناءها الرئيس هو القذافي، ونوع البترول الذي تنتجه من ماركة القذافي. بل حين عُرِض فيلم عمر المختار الشهير وتبناه القذافي شخصيا بدا أن الشخصية الزعامية الفريدة هي التي قادت ليبيا من قبل وينبغي أن تقودها في كل مرحلة، وهي شخصية تطغى بإمكاناتها على إمكانات الشعب، ولولاها لما كان للشعب نجاح ولا فلاح.

وقد تمثلت أدوات القذافي لترسيخ هذا النموذج الخطير للدولة في شيئين هما:
 
- العنف والترهيب البالغ الذي استخدمه خارجيا بمعاونة بعض العصابات والجماعات المتمردة في أوروبا وأميركا اللاتينية وفي تتبع خصومه ومعارضيه الهاربين، واستخدمه داخليا ضد شعبه بدون حدود تعرفها أي تجربة أخرى استخدمت فيها السلطة العنف ضد الجماهير على امتداد زماني كالذي مارس فيه القذافي سياساته.

- الأداة الثانية: المال ومتعلقاته من المناصب والوظائف والمشروعات المشتركة والامتيازات الاقتصادية، وقد استخدم القذافي المال ومتعلقاته داخليا وخارجيا أيضًا في طي كثير من الأشخاص والقبائل تحت جناحه، وفي ضمان الدعم الخارجي من وجوه السياسة الأوروبية على شاطئ المتوسط الشمالي، وفي ردع خصومه أو مخالفيه كما بدا الأمر في موقفه من سويسرا التي أرادت أن تطبق القانون على جريمة ارتكبها شاب ليبي نزِق اسمه هنيبعل بن معمر القذافي فوق الأرض السويسرية.

وثمة ما يشير إلى أن أحلام القذافي كانت تتجاوز منذ البداية حدود ليبيا والعالم العربي كله إلى نوع من الدور العالمي، فنجاح أي من الجماعات المتمردة والعصابات التي كان يدعمها بالمال الوافر في تحقيق نوع من النفوذ في بلادها كان سيضمن امتداد ذراع القذافي إلى تلك الجهات بلا شك.
 
لكنه حين فشل في ركوب موجة الفكر اليساري العالمي، وغزو الغرب فوق خيول الجماعات المتمردة، مال إلى نوع من المصالحة مع الواقع تضمن بقاءه رجل ليبيا الأوحد، وقد كانت أثمان هذه المصالحة امتيازات وصفقات خاصة من بترول ليبيا الذي هو حق خالص لملايين يسكنون هذا البلد، ويعانون من ضعف مؤسساتهم الصحية والتعليمية والسياسية، وهشاشة بنيان الدولة التي يحيون فيها.

أيقونة السياسة العربية
حين أطلق الرئيس المصري الراحل أنور السادات عبارته الشهيرة عن القذافي واصفا إياه "بالمجنون"، لم يكن متصوَّرا أن تغزو العبارة الشرق والغرب بهذه الصورة، حتى صارت كأنها علم على القذافي وشخصيته.

ولعل القذافي لم يرفض هذا الوصف من داخله، على الرغم مما أبداه من كراهية بالغة لشخصية السادات، وذلك أنه إذا كان ثمن الاحتفاظ بالصورة التي اختارها للدولة الليبية هو أن يوصف بالمجنون، فليكن هو أول من يساعد على تكريس هذه الصورة.
من اليسير إذًا أن نفهم لماذا كان القذافي حريصا على أن يبدو غريب الأطوار في ملابسه وتصريحاته ومواقفه السياسية، ولماذا كان يتمسح بالخيمة كرمز عربي عميق الدلالة، ولماذا كان قاسيا في مواجهة دولة السادات ومشروع السلام الذي عقدته مع إسرائيل.

كان الرجل يلعب السياسة على الحبال –كما يقولون– فيبدو عربي الوجه، قومي الميل، لكنه يخفي تحت ذلك شبكته العنكبوتية الرهيبة التي كبّل فيها الشعب الليبي وصادره تاريخا وحاضرا، حتى بحث لنفسه عن وجود تاريخي في عهد عمر المختار الذي توفي قبل ولادته.

كان القذافي أيقونة غريبة في السياسة العربية، حرص صاحبها على أن تكون غريبة الأطوار، حتى يبقى هو كل شيء في ليبيا حين عجز عن أن يكون كل شيء في العالم عن طريق دعم المتمردين، وحين عجز عن أن يكون كل شيء عربيا حين عجز عن ركوب موجة الاعتراض على مصر السادات في حومة مشروع السلام المصري مع إسرائيل.
"
كان القذافي أيقونة غريبة في السياسة العربية، حرص صاحبها على أن تكون غريبة الأطوار، حتى يبقى هو كل شيء في ليبيا حين عجز عن أن يكون كل شيء في العالم
"
ولو بحثنا عن الجذور العميقة لهذا كله، فهي الرغبة الشخصية في السيطرة والتفرد والإعجابُ بالنفس، فقد يكون القذافي تأثر بعبد الناصر في المرحلة الأولى، لكن الزمن لم يسمح لتجربة عبد الناصر أن تمتد أطول من عمر زعيمها، وضغطت التطورات الدولية والإقليمية في اتجاه لا يسمح للأحلام المجنحة بمكان، فحدث التفكك السوفياتي، وتحولت إسرائيل إلى واقع ثقيل سلمت به الزعامات السياسية العربية، وتصرفت الولايات المتحدة في أحداث المنطقة العربية وكأنها تقع في داخل حدودها.

كل هذه التطورات الدولية المتراكمة تحولت معها أفكار كثير من الزعامات السياسية إلى وجهة مخالفة لوجهتها الأولى، فمالت إلى شيء من التوافق والممالأة للأجواء السياسية التي يفرضها المجتمع الدولي، وكان القذافي أحد هذه الزعامات، فحبس حلمه في داخل ليبيا منفردا فيها بكل شيء، السلطة والثروة والشهرة التي وزع بعضها على أبنائه وأتباعه.
 
ليس من المدح في شيء أن نصف القذافي بأنه عبقري شرير، فهو بحق عبقري لأنه استطاع طوال أربعة عقود أن يطوي تحت جناحه شعبا لم يستطع الاستعمار الإيطالي بجبروته أن يطويه، وغطى بظله الثقيل على أمة عُرفت بالجهاد وتشعب في شخصيتها العلم والتصوف والتزهد. وهو مع هذا شرير، لأنه وجه كل ذلك في ناحية لا تخدم إلا ذاته المتضخمة، وتدوس على دماء الناس وأموالهم بلا مراعاة لحق ولا اتقاء لباطل.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك