عبد الله علي إبراهيم

عبد الله علي إبراهيم

أستاذ التاريخ الإفريقي والإسلام بجامعة ميزوري

 

يعتقد كثير من الشباب السودانيين أن نقيصة أحزابهم المعارضة لنظام الرئيس البشير الإنقاذي هي هيمنة زعمائها التاريخيين عليها رغم بلوغهم أرذل العمر. ويرتكب هؤلاء الشباب بهذه العقيدة، إلى جانب عيب الإزراء بالعمر بما ينافي حقوق الإنسان، مخاطرة فكرية ترهن التجدد السياسي بالعمر.
 
ومع صدق قولنا "روائح الجنة في الشباب" إلا أن لتثوير السياسة شرائع أخرى. فكان قوام نجاح حركتين هزتا راكد الحياة السودانية في الأربعينيات وما بعدها، الشيوعية والإسلامية، شباب لم يدخل السياسة من باب الهزء بهرم قادة الأحزاب آنذاك بل لتعلقهم بـ"وجود مغاير"، في قول الشاعر التجاني يوسف بشير، أرادوا تنزيله برداً وسلاماً على شعبهم. من الجهة الأخرى نرى الآن أحزابا شابة مثل حركة "حق"، التي نشأت في منتصف التسعينيات تكاد تكون أثرا بعد عين.

"
نقيصة المعارضة المركزية أنها تعارض نظاما تعتقد أنه مجرد وهم ستصحو البلاد من كابوسه لتبدأ الحياة. فأعوامه العشرون الطويلة في الحكم، التي غير فيها السودان رأسا على عقب، كأن لم تكن
"
نقيصة المعارضة المركزية أنها تعارض نظاماً تعتقد أنه مجرد وهم ستصحو البلاد من كابوسه لتبدأ الحياة. فأعوامه العشرون الطويلة في الحكم، التي غير فيها السودان رأساً على عقب، كأن لم تكن. فطالما جاء عن طريق الانقلاب في يونيو/حزيران 1989، فهو، ابن حمأ الخطيئة. وسيتهاوى تحت ثقل خطيئته الأولى. فأذاعت المعارضة عنه أنه سيسقط في خريف نفس عامه لأنه نزوة حكم طائشة.
 
وكتبتٌ في يونيو/حزيران 1990 في مناسبة الذكرى الأولى لانقلاب الإنقاذ، لرد المعارضة عن عوالمها السياسية المانوية (هي النور والإنقاذ والظلام) مقالة بعنوان "النظام يطفئ الشمعة الأولى والمعارضة تلعن الظلام". وما زال أفضل ما تحسنه المعارضة هو لعن النظام السفاحي وتهنئة نفسها على حرمانه الشرعية.

نظرت في بيانات بعض الجماعات المعارضة حول تفجر الحرب في ولاية النيل الأزرق بين قوات الحركة الشعبية (قطاع الشمال) والحكومة التي أدت إلى فرض الحكومة الأحكام العرفية ونزع مالك عقار عن سدة الولاية وتعيين حاكم عسكري في مكانه.

لم تسأل أي من تلك البيانات التحقيق في المسألة لتضع وزر اشتعال الحرب على الموزور. فاستبقت أكثر تلك البيانات التحقيق في راوية كل من الحكومة والحركة لملابسات اندلاع الحرب بتحميل المؤتمر الوطني المسؤولية.
 
فالحرب متوقعة منه لسياساته "المعادية للشعب والوطن" كما قال محرر جريدة الميدان الشيوعية. أما حزب الأمة فحمَّل الطرفين المسؤولية لأن كليهما كان يستعد للحرب. ولكنه عاد ليتطابق مع الآخرين في موضوعة الخطيئة الأولى للنظام بقوله إن الحرب هي الحصاد المر للاتفاقات الثنائية.
 
فحزب الأمة يعتقد أن كل محن السودان تأتت من اتفاق السلام الثنائي بين الحكومة والحركة الشعبية (2005) الذي استبعد قوى المعارضة الأخرى من أروقته. وظل موقف حزب الأمة الثابت أننا لن نبلغ بر الأمان ما لم تنحل هذه الثنائية لتشمل قوى أخرى تتواضع عند إستراتيجية شاملة لحلحلة أزمة السودان.

ما تخسره معارضة "الخطيئة الأولى" هو غيبة الوقائع المخصوصة التي جرتنا للحرب في النيل الأزرق عن رادارها. ومع وجوب النظر الشامل لسياسة أي نظام أو جماعة فإنه لا بديل للتحليل الملموس للواقعة المخصوصة (مثل أوضاع النيل الأزرق التي ساقت أطراف نيفاشا للحرب في حالنا) ليكون لذلك النظر نفاذه وجدواه.
 
فلا غناء في حدوث مشابه لما وقع في النيل الأزرق في جنوب كردفان أو أبيي أو دارفور. فكل شوكة تٌستَل بدربها كما يقول المثل الدرافوري. ولا يتأتى الوعي المفضي لحل المسائل إلا بمثل هذا التشخيص المخصوص للظواهر.

ما هي نقطة الارتكاز (في التعبير العسكري) للوضع المخصوص بولاية النيل الأزرق الذي أدت إفرازاته إلى الحرب الدائرة؟ تلك النقطة قطعاً هي اتفاقية السلام الشامل (نيفاشا 2005) التي انعقدت بين الحركة الشعبية والحكومة.
 
فجاء في الاتفاقية أن الولاية، مثلها في ذلك جنوب كردفان، التي انحازت جماعات منها للقوميين الجنوبيين في "تمردهم" الأخير منذ 1983 ضد الخرطوم، لن تحظى بحق تقرير المصير كما حظي الجنوب الذي انتهى باستفتاء انفصل به عن السودان في دولة جديدة هي السودان الجنوبي في 9 يوليو/تموز المنصرم.
 
ولكن بالنظر إلى تظلم أهلها من التهميش، ولدورها في الحرب مع الحركة الشعبية، فستحظى وجنوب كردفان بما عرف بـ"المشورة الشعبية". وتقوم هذه المشورة على سؤال سكان الولايتين بعد خمس سنوات، وهي مدة صلاحية اتفاقية نيفاشا، إن كانوا راضين عن ما تحقق لهم خلال تلك السنوات. ومتى لم يسعد الواحد منهم أدلى بوجوه القصور وأسباب استكماله.
 
كما تجري شورى للنخب في الطور الثاني من هذا الإجراء. ثم يٌرفع بالنتيجة تقرير إلى مجلس تشريعي الولاية. فإذا قرر المجلس أن شعب ولايته قرير العين بما أنجز في السنوات الخمس كان خيراً وبركة. فإن قرر غير ذلك حمل ظلامته للحكومة المركزية لجبر الضرر. فإذا لم يسعد المجلس التشريعي بتجاوب الحكومة المركزية سعى بظلامته لمجلس يسمى مجلس الولايات. فإذا لم يشف هذا المجلس غليله طلب التحكيم. 
 
"
لم تجر انتخابات جنوب كردفان إلا قبل شهور للشقاق حول الإحصاء السكاني, ولم تكد تجري حتى احتجت الحركة الشعبية على تزويرها واندلعت الحرب التي لا تزال المسؤولية عنها موضوع تلاوم
"
ويواكب إجراءات المشورة تسريح الجيش الشعبي للحركة الشعبية في الولاية بدمجه في القوات المسلحة أو تحويل أفراده لمفوضية نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج. وهي مفوضية  كونت بمقتضى نيفاشا وممولة دولياً.
   
أكملت النيل الأزرق انتخابات مجلسها التشريعي في أبريل/نيسان 2010 كما اتفق لكل القطر. ولم تجر انتخابات جنوب كردفان إلا قبل شهور للشقاق حول الإحصاء السكاني. ولم تكد تجري تلك الانتخابات في جنوب كردفان حتى احتجت الحركة الشعبية على تزويرها واندلعت الحرب التي لا تزال المسؤولية عنها موضوع تلاوم.
 
أما في النيل الأزرق فقد فاز بمنصب الوالي مالك عقار عن الحركة. ويبدو أنه استمات ليفوز لأن المؤتمر الوطني ما زال يعتقد أنه سقط ولم يحصل على المنصب إلا بشق العنف. ويعيدون على الأسماع شعاره "الهجمة أو النجمة" أي أنه إن لم يفز، وشعاره النجمة رمز الحركة الشعبية، هجم بالحرب وجعل عاليها أسفلها.
 
وفاز المؤتمر الوطني من الناحية الثانية بأغلبية مجلس تشريعي الولاية. وهو المجلس الذي له كل السلطان في المشورة الشعبية. ويبدو أنه كان لهذه الحقائق الانتخابية أثرها على توقف المشورة الشعبية كما سيرد.
 
نهضت النيل الأزرق بالمشورة الشعبية ما وسعها كما فهمت من برنامج تلفزيوني مميز للطاهر حسن التوم هو "حتى تكتمل الصورة" (مارس/آذار 2011) عرض لأفكار محسوبين على الحكومة مضطرا.
 
ووقفت على مسار المشورة كذلك من تسجيل وكالة "ميديانيل" المائلة للحركة الشعبية على اليوتيوب مع القيادي بالحركة بالولاية يسن رمضان حمد. ووجدت الأخير ليس راضياً عما تم تحقيقه من المشورة فحسب بل من شغل حزبه في التثقيف المدني وتحسين وسائل شورى الأميين.
 
ثم ادلهمت سماوات المشورة بالسحب باستقطاب سياسي وتعبوي من الجانبين: المؤتمر والحركة. فاتفق للحركة أن يكون مدار المشورة هو الحكم الذاتي. ويعنون به شيئاً كحق تقرير المصير الذي قد يفضي إلى الانفصال عن السودان.
 
ويعتقد المؤتمر الوطني، الذي يمسك بمقاليد المشورة الشعبية لسيطرته على المجلس التشريعي الولائي، أنه على الجانب الصحيح من نص الاتفاقية التي رتبت لإدارة السودان على أساس فدرالي لا يقبل القسمة.
لم أسمع إلا من الرئيس البشير في لقائه بالصفوة السياسية يوم 4 سبتمبر/أيلول عن هذا الظرف المخصوص، المشورة الشعبية، الذي يكتنف متاعب تنفيذ اتفاقية نيفاشا في النيل الأزرق. وليس سماعه عنه ذلك تزكية بنباهة وإنما هو تقرير لواقع. ولما لم يضع المعارضون يدهم على جوهر المسألة تخطفتهم عروضها.
 
فنيفاشا، الأصل في المشورة الشعبية، من مكروهات السيد الصادق المهدي لثنائيتها كما تقدم. ولذا جاء بيان حزب الأمة صالحاً لكل مسألة سودانية. فأدان الحرب وطلب وقف إطلاق النار والحلول الجزئية وتفادي التدخل الدولي وإسعاف المتضررين والتحوط لإنقاذ الموسم الزراعي من ويلات النزوح عن الولاية وبلورة رؤية قومية شاملة. والأخيرة بيت القصيد يلح فيه على فساد اتفاقية نيفاشا الثنائية.

أما الحزب الشيوعي، الذي ألمح لتسريح قوات الحركة الشعبية-قطاع الشمال، فقد طلب أن تعترف الحكومة بهذا القطاع كتنظيم سياسي مشروع. وعلى قيمة التنبيه لشرعية قطاع الشمال إلا أنها عَرَض جاء في اتفاقية أديس أبابا الإطارية (28 يونيو/حزيران) التي وقعها المؤتمر مع الحركة بوساطة رئيس جمهورية جنوب أفريقيا السابق ثابو مبيكي، ثم انسحب منها الرئيس البشير بارتجال أوغر الصدور.
 
فالمشورة والتسريح ما زالا الوثاق الذي يشد المؤتمر والحركة إلى اتفاقية نيفاشا الحاكمة لإجراءات ترتيب بيت السودان بعد الانفصال. علاوة على ما ينتظر قطاع الشمال في الحركة الشعبية من شغل نظري وإجرائي وسيكولوجي لإعادة توطين نفسه في الشمال.
 
وكانت الحركة بادرت بنفسها بتكوين لجنة رؤية لما ينبغي أن تكون عليه بعد الانفصال ترأسها الدكتور الواثق كمير لتعينها على إعادة توطين نفسها في ظروف لا تزال الخواطر ثائرة عليها. فقد تعلق الناس بها عشماً في وحدة السودان فلم يقبضوا منها غير الريح. وهذا فشل سياسي جلل كان على قطاع الشمال الصبر على وعثاء الخروج منه بدلاً من اختيار الطريق السهل وهو التمكين لشرعيتها باتفاق دولي في أديس أبابا.
 
"
لن يقع إصلاح أحزاب المعارضة بعقيدة "لا زعامة للديناصورات", فعمر أولئك الزعماء أقل آفات أحزابنا خطرا, فعاهة المعارضة الكبرى أنها تعيش عالة على واقع لا تحسن تحليل حالاته المخصوصة وتحولاته
"
ومن الطرق السهلة التي سلكها القطاع مؤخراً إصدار "إعلان كاودا" (وكاودا موصوفة بأنها أرض محررة في جنوب كردفان) في 7 أغسطس/آب الذي تعاقد فيه مع بعض حركات دارفور المسلحة على جبهة ثورية بأركان حرب عسكرية موحدة لإسقاط النظام. وليس من الكياسة السياسية بالطبع أن يسدر القطاع في خط العنف إلى غاياته وهو لم يفرغ بعد من تجديد رؤيته ومشروعيته في سودان ما بعد الانفصال.
 
زد على ذلك أنه ظل يدعو في بياناته الأخيرة الجماهير إلى عمل سلمي واسع ضد نظام الإنقاذ لا يعرف أحد على أي الأدوات السياسية يتأسس في نفس الوقت الذي يجرد النظام القطاع من منابره بعد إغلاق دوره وصحفه وملاحقة كادره. ولا أعتقد أن من يستهين بأدوات العمل السياسي هكذا أهل للثقة في دعوته للجماهير لإسقاط النظام بالوسائل السلمية.
 
ولم أجد مثلاً ساطعاً على تعامي أحزابنا عن تشخيص وقائع الحادثات المخصوصة مثل ما رأيت عند الحزب الاتحادي الديمقراطي بقيادة السيد محمد عثمان الميرغني. فقد قرر فرعه بمدينة الرصيرص بولاية النيل الأزرق تجميد عضويته بالحزب لأسباب منها أن مركز الحزب أهمل النظر في تقريره عن المشورة الشعبية.
 
فعمل الفرع مع القوى السياسية في المشورة ورصد تأزم العلاقة بين المؤتمر والحركة خلال عمليات التشاور وسعى لفض الأزمة بأفكار جيدة تجنب الولاية شر الحرب. وأرسل تقريره عن كل ذلك موثقاً إلى مركز الحزب. وساءهم أن مندوب المركز لم يتعطف حتى بالاتصال بهم حين زار الولاية.
 
لن يقع إصلاح أحزاب المعارضة بعقيدة "لا زعامة للديناصورات". فعمر أولئك الزعماء أقل آفات أحزابنا خطراً. فعاهة المعارضة الكبرى أنها تعيش عالة على واقع لا تحسن تحليل حالاته المخصوصة وتحولاته. ومصابها جمّ لأنه مصاب في الوعي.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك