بشير عبد الفتاح

بشير عبد الفتاح

بشير عبد الفتاح, أكاديمي وباحث في مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية


- مستجدات مهمة

- إقبال إسرائيلي
- ترحيب تركي

بين اعتبارات تمس الكرامة الوطنية وحسابات تتصل بالمصالح الإستراتيجية، تتصاعد هذه الأيام وتيرة الجدل الإستراتيجي بين أنقرة وتل أبيب بشأن إمكانية عودة الدفء لعلاقات البلدين بعد برود دام عامين متواليين على خلفية حادثة أسطول الحرية 1.

 فرغم هاجس "الكرامة" الذي يبدو في ظاهر الأمر مخيما على حسابات الطرفين، إذ يصر رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان على رهن التطبيع مع إسرائيل باعتذار الأخيرة ودفعها تعويضات لأقارب العشرة الذين فقدوا أرواحهم أو الثلاثين المصابين في الحادثة، ورفع الحصار عن قطاع غزة، في حين تتمسك إسرائيل برفض تقديم أي اعتذار صريح أو تعويضات مباشرة لتركيا.

ومع ذلك لم تهدأ المساعي العلنية والسرية من جانب الطرفين لإبقاء الباب مواربا أمام عودة العلاقات بينهما إلى سابق عهدها.

"
لما كانت واشنطن تقوم بدور الحاضن والراعي للعلاقات التركية الإسرائيلية منذ تدشينها قبل سبعة عقود، فقد آلت على نفسها بالحيلولة دون تنامي التدهور في تلك العلاقات
"
مستجدات هامة
ثمة تطورات هامة تسربت مؤخرا إلى معادلة العلاقات التركية الإسرائيلية، كان من أبرزها الربيع العربي والانتخابات البرلمانية التركية الأخيرة، علاوة على متغيرات إقليمية ودولية لافتة.

ففيما يخص الربيع العربي وما صاحبه من تداعيات إقليمية هامة، ألقت بظلالها على العلاقات التركية الإسرائيلية، يمكن القول إن الثورات الشعبية العربية قد مهدت الأجواء لإعادة هندسة العلاقات الإقليمية وحسابات المصالح الدولية في منطقة الشرق الأوسط، مما شكل بدوره حافزا هاما لتذويب الجليد بين أنقرة وتل أبيب.

فقد أوضح إعلان القاهرة بعد سقوط نظام مبارك نيتها بحث إمكانية تطبيع علاقاتها مع طهران بالتزامن مع اقتراب شهر العسل التركي مع سوريا من الأفول على خلفية تطور موقف أنقرة من انتفاضة الشعب السوري ضد نظام بشار الأسد ودعمها مطالب المتظاهرين وانتقادها طرق تعاطي نظام دمشق معها.

وهذا ما أسفر عن بزوغ نوع من التوتر الخفي في العلاقات بين أنقرة وطهران بالتبعية بعدما اعتبرت الأخيرة الموقف التركي جزءا من مؤامرة أميركية صهيونية لتقويض النظام السوري وتقليم نفوذ إيران في المنطقة.

وفيما يتعلق بنتائج الانتخابات البرلمانية التركية الأخيرة، يجوز الادعاء بأن فوز حزب العدالة والتنمية بهذه الانتخابات وتأكيده هيمنته على الحياة السياسية التركية رغم مساعي تل أبيب ومن قبلها المعارضة التركية لإقصاء الحزب ذي الروافد الإسلامية عن السلطة، قد أجبر تل أبيب على مراجعة مواقفها من حكومة العدالة والتنمية باعتبارها أمرا واقعا.

وعلى عكس الثورات والانتفاضات الشعبية ضد الأنظمة العربية التقليدية التي كانت متفاهمة مع واشنطن وتل أبيب والتي ربما تزج بعلاقات تل أبيب مع تلك الدول في المجهول، بدا لحكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في أعقاب الانتخابات التركية أنه لا مناص من التفاهم مع حكومة العدالة والتنمية باعتبارها الشريك الوحيد الذي يمكن التعامل معه في أنقرة لسنوات أربع قادمة.

غير أن نتائج الانتخابات التي أسفرت عن فوز حزب العدالة بأغلبية تخوله تشكيل الحكومة منفردا وإن كانت لا تتيح له تمرير مشروع دستور جديد للبلاد من دون موافقة بقية القوى السياسية، فرضت على إسرائيل التعامل معه ولكنها بددت مخاوفها من إمكانية حدوث تحول جوهري في البنية السياسية والثقافية لتركيا وسياسة حكومة العدالة حيال تل أبيب.

ومن جهة أخرى دخلت إلى معادلة التوتر التركي الإسرائيلي اعتبارات إقليمية ودولية هامة بعد تقاطع صراعات إقليمية لا تزال أنقرة وتل أبيب أطرافا فيها رغم التوتر بينهما.

ويأتي في هذا السياق تأكيد الرئيس اليوناني كارلوس بابولياس لصحيفة جيروزاليم بوست الإسرائيلية أثناء زيارته لإسرائيل هذا الشهر أن التقارب اليوناني الإسرائيلي الحالي وثيق الصلة بالتوتر التركي الإسرائيلي.

ولما كانت واشنطن تقوم بدور الحاضن والراعي للعلاقات التركية الإسرائيلية منذ تدشينها قبل سبعة عقود، فقد آلت على نفسها بالحيلولة دون تنامي التدهور في تلك العلاقات.

وفى هذا السياق، بعث الرئيس الأميركي باراك أوباما برسالة لأردوغان حملتها وزيرة خارجيته هيلاري كلينتون أثناء زيارتها لإسطنبول هذا الشهر، ناشده فيها إنهاء الأزمة في العلاقات مع تل أبيب. كما أجرت كلينتون محادثات مكثفة مع أردوغان ونظيرها التركي في هذا الخصوص.

وأكد مسؤول إسرائيلي كبير -وصف تدخل واشنطن لإنهاء الأزمة بين البلدين بأنه أكثر كثافة من أي وقت مضى- تأجيل نشر تقرير لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة بشأن مجزرة أسطول الحرية مرتين من 8 يوليو/تموز إلى 28 يوليو/تموز ثم إلى موعد لاحق نتيجة لضغوط أميركية شديدة على الأمين العام للأمم المتحدة.

"
عقب إعلان فوز حزب العدالة في الانتخابات التركية الأخيرة، أطلقت إسرائيل مبادرات لتحسين علاقتها مع تركيا
"
إقبال إسرائيلي
رغم التوتر المعلن الذي يخيم على العلاقات التركية الإسرائيلية منذ عامين لم تنقطع المساعي العلنية والسرية لتذويب هذا التوتر.

وفي حين بقي التعاون العسكري والاستخباري قائما بين الحليفين وإن بمستويات أقل، قررت حكومة نتنياهو إجراء محادثات مع الحكومة التركية لتحسين العلاقات في أعقاب المساعدات التي قدمتها تركيا لإسرائيل أثناء عمليات إخماد الحريق الذي شب في أحراش جبال الكرمل بشمال إسرائيل مطلع ديسمبر/كانون الأول 2010.

وعلى الصعيد الاقتصادي، بدأت العلاقات بين البلدين تشهد انتعاشة بعد تراجع، إذ حسب المعطيات التي نشرها المعهد الإسرائيلي للتصدير والتعاون الدولي مؤخرا، ارتفع حجم التبادل التجاري بين البلدين عام 2010 بنسبة 29% مقارنة مع 2009.

وفي العام الجاري احتلت تركيا المرتبة الثالثة من حيث مجمل الصادرات الإسرائيلية لها، إذ بلغ حجم الصادرات الإسرائيلية إلى تركيا في الربع الأول منه حوالي 500 مليون دولار، بمعدل ارتفاع يصل إلى 73% مقارنة مع الربع الأول من العام 2010.

وعقب إعلان فوز حزب العدالة والتنمية في الانتخابات التركية الأخيرة، أطلقت إسرائيل مبادرات لتحسين علاقتها مع تركيا، استهلها نتنياهو بإرسال رسالة تهنئة لأردوغان بفوزه في الانتخابات داعيا إياه إلى حل الخلافات بين البلدين.

وبالتزامن مع ذلك، ظهرت دعوات إسرائيلية تنادي بضرورة فتح صفحة جديدة من العلاقات معها، على نحو يعزز مصالح إسرائيل في المنطقة، لاسيما في مواجهة إيران.

وتستند تلك الدعوات إلى عدة اعتبارات، منها تعاظم فرص تنامي النفوذ التركي في العراق عقب انسحاب الولايات المتحدة منه، وذلك بالتزامن مع تفكك ما تسميه إسرائيل "محور تركيا سوريا إيران"، وهو ما من شأنه أن يسهم في تعزيز التفاهم الإسرائيلي التركي.

كما أن الحدود السورية، وهي حدود مشتركة مع إسرائيل وتركيا، تفرض على البلدين التنسيق على المستوى الإستراتيجي لتفادي الانعكاسات الإقليمية لأحداث سوريا عليهما.

وفى نفس السياق، قامت إسرائيل بإحالة مسؤولية ملف العلاقات بين البلدين إلى نائب رئيس الحكومة ووزير الشؤون الإستراتيجية الجنرال المتقاعد موشيه يعلون، وهى خطوة تحمل دلالات مهمة فيما يخص مغازلة الأتراك.

كما أن إخراج هذا الملف من وزارة الخارجية الإسرائيلية التي كانت أحد عوامل مفاقمة التوتر مع أنقرة، دليل آخر، في ظل معارضة أفيغدور ليبرمان أي اعتذار إسرائيلي عن أحداث أسطول الحرية، إضافة إلى الدور الذي لعبه نائبه داني أيالون العضو في حزب ليبرمان، في توتير العلاقات بين البلدين عندما أجلس السفير التركي على كرسي منخفض كدلالة رمزية لإذلال تركيا.

"
فى مسعى لإسالة لعاب حكومة العدالة، قال أيالون إن تل أبيب سترحب بتولي تركيا دور الوسيط لتسوية القضية الفلسطينية "في الظروف المواتية"
"
وفى تطور لافت، عين الجيش الإسرائيلي ملحقا عسكريا جديدا في العاصمة التركية، كما التقى نائب رئيس الوزراء وزير الشؤون الإستراتيجية موشيه يعلون، سرا بالعاصمة النمساوية فيينا بعد الانتخابات التركية، المدير العام لوزارة الخارجية التركية فريدون سينير أوغلو ومندوب تركيا في لجنة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة حول حادثة أسطول الحرية التركي.

وفي اللقاء، وبعد أن بدا أن التقرير سيميل لدعم الموقف الإسرائيلي، طلب المسؤول التركي تأجيل إصداره إلى حين الاتفاق على لغة ملائمة تجعل منه بداية انفراج في العلاقة بين البلدين.

وتوخيا منه لحض الأتراك على تجاوز التوتر مع بلاده بعد أن وصلت شاحنة لجمعية الهلال الأحمر التركية محملة بأدوية ومستلزمات طبية إلى قطاع غزة عبر البوابة الأردنية لمعبر إيريز بتنسيق مع المسؤولين الإسرائيليين المعنيين، أشاد نائب وزير الخارجية الإسرائيلي داني أيالون في مقابلة مع صحيفة "حريت" التركية مطلع يوليو/تموز بمواقف رئيس وزراء تركيا من الأحداث في سوريا.

وأكد أيالون احترام إسرائيل حق تركيا في تحديد سياستها الخارجية، بما في ذلك جهودها في توحيد الصف الفلسطيني.

وفى مسعى لإسالة لعاب حكومة العدالة، قال أيالون إن تل أبيب سترحب بتولي تركيا دور الوسيط لتسوية القضية الفلسطينية "في الظروف المواتية".

وفى تطور لافت، أظهر نتنياهو ووزير دفاعه إيهود باراك ووزير شؤون المخابرات دان مريدور تأييدا وحماسا واضحين لتقديم تل أبيب اعتذارا رسميا عاما لأنقرة يحمل معنى الأسف ويقر بشرعية الحساسية التركية تجاه ما جرى في أسطول الحرية، دون أن يرتب أي مسؤوليات قانونية على إسرائيل، وذلك على غرار البيان الذي أصدرته حكومة إيهود أولمرت فى أعقاب عبور طائرات إسرائيلية الأجواء التركية لقصف موقع دير الزور السوري عام 2007.

ويرى أصحاب هذا التوجه أن من شأنه الحفاظ على ما عدوه شرف إسرائيل واستقامة أفعالها، فضلا عن حماية جنود وضباط وقادة الجيش الإسرائيلي من التعرض للتوقيف أو المساءلات القانونية خارج البلاد بموجب دعاوى قضائية يتقدم بها أتراك داخل تركيا وأمام القضاء الدولي على غرار ما كاد يحدث مع وزير الدفاع الإسرائيلي عمير بيرتس في بريطانيا مؤخرا.

ويأتي ذلك بعد أن طالبت جهات تحقيق دولية إسرائيل مؤخرا بإرسال أسماء الجنود والضباط المتورطين في الأحداث، ثم تسريب معلومات تفيد بأن تقرير اللجنة الدولية المعنية بالتحقيق في الهجوم على أسطول الحرية خلص إلى أن الحصار المفروض على غزة قانوني، لكنه اعتبر أن القوة التي استخدمتها إسرائيل في اعتراض السفينة التركية مبالغ فيها.

وفي خطوة تشي بنوع من التنسيق بين أجنحة النخبة الحاكمة في إسرائيل بشأن تقديم اعتذار لتركيا، أعلن وزير الخارجية الإسرائيلي رئيس حزب "إسرائيل بيتنا"، ليبرمان الذي يقود ومعه وزير الشؤون الإستراتيجية الليكودي موشيه يعالون تيار رفض الاعتذار لتركيا ويطالبها هي بالاعتذار، أنه لن يستقيل هو ولا حزبه من حكومة بنيامين نتنياهو إذا ما قدمت الأخيرة اعتذارا لتركيا.

"
هناك اتصالات تجرى لاستئناف المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية بوساطة تركية ترمي إلى إقناع الفلسطينيين بالتخلي عن التوجه إلى الأمم المتحدة لنيل الاعتراف بالدولة الفلسطينية، فضلا عن التوسط بين حركة حماس وتل أبيب لإتمام صفقة شاليط
"
ترحيب تركي
رغم إبدائه تمسكا دائما بالشروط التي سبق أن أعلنها لتجاوز التوتر مع تل أبيب، يحرص أردوغان على إبقاء الباب مواربا، حتى إنه أعلن مؤخرا أنه معني بإنهاء الخلافات مع تل أبيب، وذلك حتى يتسنى لأنقرة تحقيق مكاسب هامة في اتجاهات شتى.

فمن جهة يعد التقارب التركي الإسرائيلي إحدى الركائز الأساسية لاستمرار التفاهم في علاقات أنقرة مع واشنطن والاتحاد الأوروبي.

وفي حوار خاص لصحيفة "حريت" التركية نشر في يونيو/حزيران الماضي، أشارت خلاله إلى وجود اتصالات تركية إسرائيلية مدعومة غربيا بغية إذابة الجليد بين الحليفين التركي والإسرائيلي، أكدت المتحدثة باسم الخارجية الأميركية أن تطبيع العلاقات بين الجانبين سيمكن أنقرة من اقتناص موافقة الكونغرس على صفقة بيعها طائرات مروحية من طراز "كوبرا"، كما ستتخلص من كابوس التداعيات الخطيرة المحتملة لإقرار واشنطن بممارسة العثمانيين الإبادة الجماعية ضد الأرمن إبان الحرب العالمية الأولى.

وفى حين تصدرت القضية الفلسطينية قائمة الأسباب المعلنة لتأجيج التوتر التركي الإسرائيلي، باتت نفس القضية في الآونة الأخيرة عامل تقريب مؤثر بين الحليفين، ذلك أن سعى أردوغان للعب دور بارز في هذا الملف عبر تحريك ملف المصالحة الفلسطينية والتوسط لتسوية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي سيضطره للاحتفاظ بحيز من الحوار والتفاهم مع إسرائيل.

وفى هذا الإطار، كشف دانى أيالون عن اتصالات تجرى لاستئناف المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية بوساطة تركية ترمي إلى إقناع الفلسطينيين بالتخلي عن التوجه إلى الأمم المتحدة لنيل الاعتراف بالدولة الفلسطينية، فضلا عن التوسط بين حركة حماس وتل أبيب لإتمام صفقة إطلاق الجندي الإسرائيلي الأسير لدى حماس جلعاد شاليط مقابل 1100 أسير فلسطيني.

وعلى نفس الدرب، جاء التنسيق بين حكومتي أردوغان ونتنياهو لمنع حدوث أزمة جديدة بسبب قافلة أسطول الحرية 2، الذي حرصت الحكومة التركية على منعه من الإبحار نحو غزة، وهو ما عدته إسرائيل بادرة تركية إيجابية.

وهكذا، يبدو أن حكومتي أردوغان ونتنياهو مستعدتان لإعطاء الأولوية لمصالحهما الإستراتيجية قبل أي اعتبارات أخرى، بما فيها تلك المتعلقة بالكرامة الوطنية، بحيث يقبلان بحلول وسط مقبولة فيما يخص تلك الكرامة وإن لم يقبلا بمثلها فيما يتعلق بالمصالح.

ومن هنا، يكمن التحدي الحقيقي أمام عودة العلاقات التركية الإسرائيلية إلى سيرتها الأولى في قدرة البلدين على بلورة صيغة ملائمة من الحلول الوسط تكفل تحريك القضايا الخلافية العالقة بينهما، بالشكل الذي يطوى من الضمانات ما يقلص من كلفة تمريرها على مختلف الصعد إلى مستوى يمكن احتماله، كما يضمن لأنقرة وتل أبيب حماية وتعظيم مصالحهما الإستراتيجية على جميع المسارات.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك