عبد الفتاح ماضي

عبد الفتاح ماضي

كاتب وباحث أكاديمي


- للعلمانية معان متعددة

- العلمانية حل غربي لمشكلة غربية
- هل من حاجة لعلمانية عربية؟

هل تحتاج التيارات اليسارية والليبرالية في دولنا العربية أن تصف نفسها بالعلمانية؟ وهل تحتاج التيارات التي تستند إلى مرجعيات إسلامية إلى استخدام لفظة العلمانية لوصف المنافسين؟

 

للعلمانية معان متعددة
ليس هناك اتفاق حول تعريف كلمة "العلمانية" في الغرب المعاصر، شأنها في هذا شأن الكثير من المفاهيم المتداولة في شتى فروع العلوم الاجتماعية.

 

ففي القرن 13 استخدمت كلمة علماني (secular) ذات الأصل اللاتيني في الإنجليزية للتفرقة بين رجال الدين المسيحي الذين يعملون داخل الأديرة في عزلة تامة، وبين الذين يعملون خارج الأديرة دون انعزال عن الناس.

 

"
العلمانية لم تحقق ما وعدت به من حرية ومساواة، بل على العكس انتشرت العنصرية والجريمة، ولم تنجح في الكثير من دول العالم الثالث، إذ اقترنت بالاستبداد
"
وفي القرن 14 تم التمييز بين المؤسسات المدنية التي تهتم بالشؤون الدنيوية، والمؤسسات الدينية التي تهتم بالأمور الروحية والكنسية، وعلى اعتبار أن ما لا يتصل بالدين والروح يحمل مضامين سلبية.

 

ومع تغير النظرة إلى العالم غير الديني، خلال القرن 16، تحررت كلمة علمانية من مضامينها السلبية.

 

وفي العصر الحديث في أوروبا، كانت كلمة "علماني" الإنجليزية والفرنسية تعني علمنة شيء معين وتجريده من مضامينه الدينية الكنسية، أما كلمة علمانية (secularism) فصارت تعني العملية التي يتم من خلالها تقليص نفوذ الدين بشكل عام.

 

ثم صارت الموسوعات تعرف العلمانية استنادا إلى فكرة أساسية هي "الابتعاد عن الدين"، فموسوعة الدين والأخلاق تعرفها على أنها حركة ظهرت بالقرن 19 لتقديم نظرية لحياة البشر وتعاملاتهم دون الاستناد إلى إله أو غيبيات.

 

إنها عملية تحرر الإنسان من الدين والوصاية الميتافيزيقية وتحويل مركز اهتمامه إلى عالمه المادي الذي يعيش فيه.

 

وصارت العلمانية تعني نظرية الفصل بين الكنيسة والدولة انطلاقا من مبادئ ثلاثة، مبدأ التحررية (أي أن تسمح الدولة بممارسة أي دين في حدود معينة)، ومبدأ المساواة (أي أنه يجب على الدولة أن لا تمنح أفضلية لدين ما على آخر)، ومبدأ الحياد (أي ألا تدعم الدولة أو تعادي مؤسسات ما بسبب كونها مؤسسات دينية).

  

لكن الكلمة الفرنسية (laïcisme) اكتسبت مضامين أكثر راديكالية، فهي تعني التحرر التام من الدين وإقصاءه نهائيا عن حياة البشر المادية، وتحويل وظائف رجال الدين إلى مؤسسات "علمانية" غير دينية، وخاصة القضاء والتعليم.

 

وقد نجح أنصار "العلمانية" في ترسيخ تلك الأفكار بفرنسا أواخر القرن 19 وأوائل القرن 20، إذ حَدَثَ فصل مؤسسي تام بين الكنيسة والدولة، وأُلغيت التربية الدينية بالمدارس عام 1882 ووُضع مكانها مقرر الأخلاقيات.

 

ولهذا فالعلمانية الفرنسية -في جوهرها- معادية للدين، ومناصرة للحركة السياسية التقدمية التي أشعل جذوتها المستشار الألماني بسمارك في 1871 والتي استهدفت تخليص المؤسسات الثقافية والتعليمية من قبضة الكنيسة ووضعها في يد الدولة.

 

وهناك من يميز بين الجانب المؤسسي أو الهيكلي للعلمانية وبين الجانب الأخلاقي، القيمي لها، فالجانب الأول يعني تضاؤل دور المؤسسات الدينية في المجتمع، والفصل بينها وبين كل أوجه حياة الأفراد في المجتمع، بينما الجانب القيمي يتضمن عملية خلع القداسة عن القيم والأخلاق وفصلها تماما عن أي أبعاد مطلقة، بل النظر إليها -أي القيم والأخلاق- على أنها نظام نسبي من صنع الإنسان.

 

وعند العلامة الراحل عبد الوهاب المسيري هناك علمانية جزئية تفصل الدين عن عالم السياسة، وربما الاقتصاد، أي "فصل الدين عن الدولة"، وقد أسماها العلمانية الأخلاقية أو الإنسانية.

 

وهناك علمانية شاملة، لها رؤية شاملة للواقع تعمل على تحييد علاقة الدين بل والغيبيات والقيم المطلقة بكل مجالات الحياة، وقد أدت إلى "هيمنة الدولة على الدين".

 

وفي الغرب ظهر مؤخرا مصطلح "ما بعد العلمانية"، نظرا إلى أن العلمانية لم تحقق ما وعدت به من حرية ومساواة، بل على العكس انتشرت العنصرية والجريمة، ولم تنجح في الكثير من دول العالم الثالث، إذ اقترنت بالاستبداد، في الوقت الذي لعبت فيه المؤسسات الدينية والقيم الدينية المطلقة دورا فاعلا في حياة الأفراد والجماعات في جُل مجتمعات العالم الثالث. لكن لماذا ظهرت العلمانية في الغرب على وجه التحديد؟

 

"
الدين -بجانب عوامل أخرى مثل النزعات القومية والطائفية- يلعب دورا محوريا في الكثير من النزاعات والصراعات الدولية، الأمر الذي من شأنه أن يشكك في إمكانية -بل وواقعية- المناداة بتحييد الدين نهائيا عن السياسة
"
العلمانية حل غربي لمشكلة غربية
إن العلمانية، بمعناها الأساسي فصل الدين عن الدولة، حل غربي لمشكلة غربية. فقد جاءت نتيجة أوضاع عانت منها المجتمعات الأوروبية في العصور الوسطى، كان أبرزها تجاوزات رجال الدين واستبدادهم بالسلطة وتسلطهم على الأفراد والمجتمعات.

 

ولذا فالعلمانية قدمت كوسيلة لمواجهة تلك الممارسات وحرمان رجال الدين من استخدام قوة الدولة وإمكاناتها لفرض ممارسات دينية بعينها على عامة الناس وخاصتهم.

 

وقد نجحت في تحقيق ذلك الهدف، أي أنها نجحت في القضاء على تسلط رجال الدين، وفي حماية حرية المعتقد وحرية الفكر للأوروبيين الذين حرمهم رجال الدين المسيحي منهما لعقود طويلة.

 

وتزامنت العلمانية مع عصر التنوير في أوروبا، ومبدأ القوميات الذي قام بتهميش الدين كعنصر أساسي من عناصر التنظيم السياسي.

 

فالدولة القومية الحديثة نشأت في أوروبا في أعقاب صراع طويل ضد الحكم الملكي المطلق وهيمنة الكنيسة الكاثوليكية، انتهى إلى إنهاء تدخل رجال الدين في شؤون السياسة والحكم ومنعهم من تشكيل أحزاب سياسية، ولكن دون تجريدهم من حق دعم أحزاب أو جماعات سياسية معينة، أي أنه لم يتم حرمان الكنيسة من دورها في إرشاد الناس ووعظهم فيما يتصل بشؤون دنياهم، كما لم يتم تجريد الكنيسة من إقامة مؤسسات تعليمية واجتماعية واقتصادية لمساعدة الفقراء.

 

في مقابل ذلك ارتضت الكنيسة أن تعترف بحرية الاعتقاد، بل وحرية عدم الاعتقاد أيضا. وهذا ما نَظَرَ إليه البعض على أنه عقد سياسي، بمقتضاه يتسامح الناس فيما بينهم فيما يتصل بالدين والعقائد.

 

كما لم تتناقض العلمانية الغربية مع المفاهيم الرئيسية التي قامت عليها الديمقراطيات المعاصرة كالتعددية والتسامح.

 

إن مؤسسات الدولة العلمانية في الغرب أوقفت تسلط الكنيسة وتحكمها في رقاب العباد، ثم راحت تعاملها كمؤسسة من مؤسسات المجتمع مثلها في ذلك مثل الهيئات والمنظمات الأخرى، أي أنها لم تسيطر لا على الكنيسة ولا على مؤسساتها الدينية، ولا على أجهزتها الإعلامية والتعليمية.

 

بل إن تطبيقات فكرة الفصل بين الدين والدولة اختلفت باختلاف الزمان والمكان في غرب أوروبا وشمال أميركا، فقد راحت كل دولة تُطبق ذلك الفصل حسبما يتلاءم مع أوضاعها وخصوصياتها.

 

ففي بريطانيا ظل الملك رئيسا للكنيسة وللدولة معا، أما في الولايات المتحدة منذ ثورتها في 1776، وفرنسا منذ ثورة 1789، فلم يتم تحديد دين رسمي للدولة.

 

وبالنظر إلى نجاح العلمانية في الغرب المسيحي، فهناك من اعتبر أنها صالحة للتطبيق في المجتمعات غير المسيحية، وصارت عند البعض أحد أعمدة نظرية التنمية والتحديث التي بشّر بها ودعا إليها الكثير من أساتذة السياسة والاجتماع في الغرب.

 

لكن صعود نفوذ الجماعات الدينية في أماكن مختلفة من العالم أثبت عدم دقة افتراضات هؤلاء، فهناك دول استطاعت أن تحقق قدرا من الحداثة السياسية والتنمية الاقتصادية دون أن تفصل نهائيا بين الدين والدولة، كما أراد أنصار نموذج العلمانية والحداثة الغربية، ولعل تجارب ماليزيا وإندونيسيا والهند تدل على ذلك.

 

هذا فضلا عن أن الدين -بجانب عوامل أخرى مثل النزعات القومية والطائفية- يلعب دورا محوريا في الكثير من النزاعات والصراعات الدولية، الأمر الذي من شأنه أن يشكك في إمكانية -بل وواقعية- المناداة بتحييد الدين نهائيا عن السياسة.

 

كما أن اقتران الكثير من القوميات بالأديان عند الكثير من أتباع أديان مختلفة -مثل الإسلام والهندوسية والبوذية واليهودية والأرثوذكسية الروسية والصربية- يعزز ذلك التشكك. فهل انتقلت "العلمانية" بمعناها المتسامح مع الدين والمؤسسات الدينية إلى دولنا العربية؟  

 

"
بحجة تحقيق المدنية والتنمية، جاوزت النخب العربية في واقع الأمر "علمانية" الغرب
"
هل من حاجة لعلمانية عربية؟
ظهرت "العلمانية" تاريخيا في الدول العربية على يد عدد ممن أطلق عليهم رواد التنوير العربي في نهاية القرن 19 ومطلع القرن 20 وعلى رأسهم فرح أنطون وشبلي الشميلي وأحمد لطفي السيد وسلامة موسى وغيرهم، ممن دعوا إلى الفصل التام بين السلطتين المدنية والروحية.

 

وقد ساعدهم على بلورة تيار أطلق عليه التيار العلماني تأييد وتشجيع الاحتلال الإنجليزي، وضعف السلطة العثمانية.

 

وفي المقابل ظهر تيار إصلاحي إسلامي يرى أن انحراف رجال الدين في العصور الوسطى بأوروبا كان عاملاً من عوامل التخلف والاستبداد، ومن ثم كان فصل السياسة رسميا عن الدين وإنهاء سطوة رجال الدين، من أسس نهضة الغربيين، أما الإسلام فقد كان العامل الأساسي في نهضة العرب وبناء الحضارة الإسلامية.

 

وإلى جانب ذلك فإن السلطة في الإسلام لم تكن أبدا سلطة دينية كالتي كانت لرجال الدين الأوروبيين، وإنما كانت مقيدة بالقانون، وظلت الشورى أمرا عقديا ملزما لكل من الحاكم والمحكوم، وحق المسلمين في مقاومة الجور ظل هو الآخر أمرا عقديا ملزما.

 

وفي مرحلة ما بعد الاستعمار، تبنت النخب الحاكمة "العلمانية"، عمليا، دون أن تتبنى الديمقراطية وحقوق الإنسان والتعددية، فأقصت الدين عن الدولة وراحت -بدرجات متفاوتة- تسيطر علي المؤسسات الدينية وتحارب التعليم الديني والتيارات السياسية الإسلامية، المتشددة منها والمعتدلة.

 

وبحجة تحقيق المدنية والتنمية، جاوزت هذه النخب في واقع الأمر "علمانية" الغرب، ففي مصر تم إلغاء المحاكم الشرعية والتعليم الشرعي وتمت السيطرة على الأزهر، وفي المغرب العربي ضعفت اللغة العربية، ووصل الأمر في تونس إلى حظر الحجاب وإغلاق جامعة الزيتونة وتأميم مؤسسات الوقف الإسلامي. وقد تمتعت جُل هذه النظم بدعم عسكري واقتصادي غربي.

 

الآن ومع بدء الربيع العربي، يوجد في معظم دولنا العربية، التي شهدت إما انفتاحا سياسيا وإما ثورات من أجل الديمقراطية، أربعة تيارات رئيسة، التيار الإسلامي والتيار اليساري والتيار القومي والتيار الليبرالي.

 

ولا حاجة للتيارات الثلاثة الأخيرة إلى وصف نفسها بالعلمانية نظرا لأنه ليس بالضرورة ربط مرجعياتها الفكرية (اليسارية والقومية والليبرالية) بلفظة نشأت في أوروبا في ظروف معينة  كعلاج لمشكلة أوروبية، ولا يوجد لها تطبيق واحد حتى داخل المجتمعات الغربية. بجانب أن الدين مكون أساسي من مكونات الثقافة العربية.

 

كما لا ينبغي لأنصار التيار الإسلامي استخدام لفظة العلمانية لوصف التيارات الأخرى لأنها ببساطة صارت تعني عند الكثير من العامة والبسطاء داخل مجتمعاتنا "الإلحاد" أو "الكفر" أحيانا، كما أن القليل من أنصار هذه التيارات من يصف نفسه بالعلمانية، بجانب أنه من الخطأ تصور أن هناك مؤامرة "علمانية" مشابهة لما قام به أتاتورك في تركيا، فالأوضاع مختلفة ولا يمكن تخطي الدين في مجتمعات يلعب فيها الدين دورا مؤسسيا واجتماعيا.

 

علينا أن نسمي الأسماء بمسمياتها الحقيقية، هذه تيارات تستند إلى مرجعيات فكرية يسارية أو قومية أو ليبرالية وكفى.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك