صالح السنوسي

صالح السنوسي

أستاذ القانون الدولي والعلاقات الدولية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة بنغازي


لعله من السهل أن تقوم بثورة من أن تصنع نظاما ترضى عنه, ذلك أنه في الثورة عليك أن تزيل كل ما لا يعجبك بالقوة إذا لزم الأمر، بينما في حالة بناء النظام فإنك تريد أن تصنع ما يعجبك، وهناك قطعا فارق كبير بين سهولة هدم الأشياء وصعوبة بنائها.

ولعل هذا أيضا هو السؤال الذي تجد الثورة الليبية نفسها أمامه بعد سقوط نظام القذافي، الذي لم يسقط بعد، ذلك أن الثورة تتطلب إرادة وتصميما على القتال واستعدادا للتضحية، وهذا ما أبداه الليبيون طوال ستة أشهر في صراعهم مع نظام استطاع خلال ما يزيد عن أربعة عقود أن يسيطر على مصادر القوة في ليبيا ويتغلغل في نسيج المجتمع بكل الوسائل.

"
مرحلة ما بعد القذافي ستكون أكثر صعوبة لأن حاجتها إلى نخب واعية ومدركة لكل المخاطر والاحتمالات أكثر من حاجتها إلى مقاتلين أشداء
"
لقد ساهم في فعل الثورة كل فئات الشعب الليبي، وهذا يعني أن مساهمة أبسط فرد في هذا المجتمع ربما كان لها من القوة والحجم ما يوازي قوة فعل النخبة أثناء مراحل هذا الصراع، وذلك عندما يكون هذا الفرد قد حمل سلاحه مع مفرزة كانت هي رأس الحربة في قتال ضار اندحرت بعده  كتيبة شرسة من كتائب القذافي التي كانت تستحل مدينة من المدن الثائرة.

غير أن مساهمة هذا الفرد الذي يكره نظام القذافي ويريد التخلص منه، قد تكون متواضعة في مرحلة بناء النظام السياسي الذي سيجري بناؤه على أنقاض دكتاتورية كان لهذا الفرد ولمن هم مثله دور كبير في تحطيمها، ولهذا فإن مرحلة ما بعد القذافي ستكون أكثر صعوبة لأن حاجتها إلى نخب واعية ومدركة لكل المخاطر والاحتمالات أكثر من حاجتها إلى مقاتلين أشداء.

لم تكن تربة ليبيا السياسية قاحلة عندما استولى القذافي على السلطة في سبعينيات القرن الماضي, بل كانت تعج بالتيارات السياسية رغم أن النظام الملكي كان أيضا يمنع قيام الأحزاب، فكانت هناك تنظيمات تعمل في الخفاء مثل الأحزاب القومية واليسارية والدينية، وكان هناك انفتاح ثقافي على الساحات العربية والأجنبية وكانت الصحافة الليبية تتمتع بحرية لم تعرفها بعد استيلاء القذافي على السلطة.

بعد نجاح انقلاب القذافي بدأ في تجريف التربة السياسية مطلقا أول شعاراته الذي أصبح مقولة سياسية من مقولاته وهو" من تحزب خان"، فدخل بذلك في معركة لا هوادة فيها مع كل التيارات والأفكار السياسية تحت غطاء ما أسماها بالثورة الثقافية التي أعلنها في عام 1973.

ومنذ ذلك الوقت انطلقت حملات المطاردة لكل من يحمل أفكارا مختلفة عن آراء القذافي فامتلأت السجون وعلقت المشانق في الميادين العامة وفرّ من وجد سبيلا إلى المنافي أما من بقي فظل برفقة الرعب والصمت, ونظرا لأن حقبة القذافي قد امتدت لأكثر من أربعة عقود فإن معظم هؤلاء شملهم الموت والشيخوخة، وبدا المشهد السياسي الليبي مختزلا في شخص القذافي تزينه مقولات الكتاب الأخضر التي يجرم من يجرؤ على القول بغيرها كحل للمشكل السياسي والاقتصادي والاجتماعي.

وبالتالي فإن الهياكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية قامت كتطبيق لهذه المقولات, غير أن هذه الهياكل لم تكن -في حقيقة الأمر- تنطبق عليها معايير المؤسسات القانونية والسياسية التي تتمتع بالاستقلالية ووضوح تحديد الاختصاصات، بل مجرد هياكل ينفخ فيها القذافي من روحه إذا شاء لها الحياة لكي تتقمص الدور وتؤدي الوظيفة التي يكلفها بها القذافي في أي مناسبة.

رغم استحواذ القذافي على ليبيا لأكثر من أربعين سنة لم يكن سائدا فيها سوى مقولاته وآرائه وتطبيقاته، فإنه لم يستطع أن يعزل ليبيا عما يجري في العالم ومن حولها من تيارات التغيير، فعصفت بنظامه ثورة مسلحة على عكس الأنظمة السياسية التي سقطت من حوله، ولكن تركة القذافي، الذي لم يسقط بعد والطابع الذي أخذته ثورة السابع عشر من فبراير، جعلت المآل السياسي لهذه الثورة محفوفا بمحاذير أكثر من تلك التي أحاطت بالثورات التي سبقتها، وذلك لأسباب لا تخفي على أحد والتي من أهمها:

"
رغم استحواذ القذافي على ليبيا لأكثر من أربعين سنة لم يكن سائدا فيها سوى مقولاته وآرائه وتطبيقاته، فإنه لم يستطع أن يعزل ليبيا عما يجري في العالم ومن حولها من تيارات التغيير
"
1- أنها ثورة مسلحة: فقد أرغم القذافي الليبيين على حمل السلاح لموجهة الحرب التي شنتها كتائبه على المدن والقرى كما تفعل أية قوة أجنبية غازية، وهذا بالضرورة كانت له نتيجة حتمية وهي أن الثوار المنتصرين غالبيتهم مسلحون، فلم يسقط نظام القذافي بسبب المظاهرات المليونية والاعتصام والمصادمات مع قوات الأمن في ميدان التحرير وشارع بورقيبة، بل أسقطه مسلحون يتعقبون كتائب القذافي وأعوانه في المدن والقرى الليبية، هذا إلى جانب أن هؤلاء المسلحين يمثلون أطيافا لها رؤى سياسية مختلفة.

2- شبه فراغ أمني: فلا توجد في ليبيا قوة منظمة ومنضبطة تستطيع – كما فعل الجيش المصري والجيش التونسي- أن تأخذ مهمة الأمن على عاتقها، وهذا أمر بالغ الخطورة في ظل ظروف معقدة ليس أقلها وجود بعض الجيوب من بقايا أتباع القذافي وانتشار السلاح بكميات كبيرة خارج أيدي الثوار.

3- ارتفاع سقف التوقعات: الليبيون يعتبرون أنفسهم مواطنين في دولة غنية ولم يتمتعوا بثرواتها التي بددها القذافي وحرمهم منها طوال أربعين عاما, ولهذا فإن كل فرد ولا سيما عامة الناس يتوقع أنه بمجرد سقوط نظام القذافي تعود إليه كل حقوقه وحصته التي سلبت منه طوال عهد القذافي.

وهذا لا شك سيصعب من مهمة من سيتولون إدارة شؤون الدولة الليبية بعد نهاية نظام القذافي، لأنه لا يمكن إنجاز ذلك على الصعيد الاقتصادي والمالي خلال فترة توقعات هؤلاء المواطنين وخصوصا إذا أخذنا بعين الاعتبار تكلفة إعادة بناء ما تم تدميره بسبب سياسة القذافي طوال حكمه كذلك ما تركته الحرب من آثار على البنية التحتية.

ولهذا فإن الليبيين عندما يجتمعون لمناقشة ولوضع أسس النظام السياسي الذي يحلمون به سيكون الكثير منهم مسلحين في بيئة تفتقر إلى قوة أمن موحدة ومنضبطة، وسيكون الكثير من هؤلاء الليبيين متحفزين وفي عجلة من أمرهم لاستيفاء حقوقهم الاقتصادية التي حرموا منها ولإنزال العقاب بكل من ارتكب ضدهم جرائم القتل والتعذيب من جلادي نظام القذافي، وستكون أمامهم قبل هذا وبعده ثقافة زرعها نظام القذافي وظل يتعهدها وينميها لأكثر من أربعين عاما، ثقافة الفساد المالي والإداري والأنانية وحب الذات.

لا شك أن الإعلان الدستوري وخريطة الطريق اللذين أعلن عنهما ولم يسلما من النقد, يرسمان -رغم ذلك- بعضا من ملامح المرحلة القادمة، ومع ذلك فإن حاجة الليبيين لتخطي هذه المرحلة الصعبة وللتغلب على كل هذه التحديات، تتطلب إلى جانب ذلك العمل على إنجاز جملة من الأولويات أهمها:

أولا- نشر ثقافة التسامح واحترام الرأي المخالف، والتي تعتبر أولى الخطوات على طريق الديمقراطية، وذلك من خلال التفاعل بين مكونات المجتمع المدني في هذه المرحلة التي تعتبر مدرسة مفتوحة يتعلم فيها الليبيون ممارسة هذا السلوك الذي حرموا منه منذ عدة عقود.

ثانيا- تأسيس إعلام حر وشفاف لكي يمارس دوره التوعوي والرقابي في مرحلة التحول من نظام دكتاتوري إلى دولة ديمقراطية تحترم حق المواطن في معرفة كل ما يتعلق بالحياة السياسية والاقتصادية باعتباره مواطنا وشريكا في صنع القرار وليس مجرد رعية لا يحق له سوى السمع والطاعة.

"
لمواجهة تحديات المرحلة القادمة, لا بد من نشر ثقافة التسامح واحترام الرأي المخالف, وتأسيس إعلام حر وشفاف, وتجنب سياسة الإقصاء, وإنهاء كل المظاهر المسلحة
"
ثالثا- تجنب سياسة الإقصاء والاجتثاث لأنها أثبتت فشلها وخطورتها على المستقبل السياسي في تجارب عربية سابقة إلى جانب أنها ستصبح في هذه الحالة إعادة إنتاج لما فعله القذافي منذ بداية حكمه إلى آخر يوم فيه.

رابعا- إنهاء كل المظاهر المسلحة بعد السقوط النهائي للقذافي ونظامه واعتراف المجتمع لمؤسسة واحدة فقط بشرعية حمل السلاح وهي مؤسسة الجيش الوطني والأمن العام، لأنه لا يمكن أن يجرى حوار ديمقراطي حر بين مسلحين يتحسس كل منهم زناد بندقيته.

عندما ينتهي الليبيون من القضاء على نظام القذافي ويستديرون نحو أنفسهم سيجدون أنه ما كان مطلوبا منهم أثناء الثورة وقتال القذافي هو أيسر مما بات مطلوبا منهم لوضع أسس نظام سياسي يستجيب لما كانوا يطمحون إليه وقادر على احتضان اختلافاتهم.

المصدر : الجزيرة

التعليقات