توقّع المتفائلون أنه بانفصال الجنوب، تكون قد تشكلت حقبة جديدة في تاريخ السودان الحديث، وأنها ربما تكون فرصة مهداة من القدر لإصلاح أوضاع البلاد بإعادة هيكلة الحكم وأجهزة الدولة. وبالرغم من أن هناك نفحات يسيرة في الحريات تضيق وتتسع قليلاً، فإن حزب المؤتمر الوطني الحاكم ما زال مسيطرا على مفاصل الحياة العامة في السودان، بنفس الأدوار التي يلعبها صقور الحزب النافذون والمهيمنون على الوضع، مما يجعل مناداة الرئيس البشير بإقامة الجمهورية الثانية من داخل أروقة البرلمان بُعيد انفصال الجنوب تبدو غامضة وضبابية منذ استهلالها.
 
دخل مصطلح الجمهورية الثانية أدب الخطاب السياسي لحكومة الإنقاذ حديثا، عندما خاطب به نائب رئيس الجمهورية علي عثمان محمد طه جموعًا من المواطنين بلغة الإنقاذ المُنذرة دومًا من المساس بسيادة الدولة وهيبة رئيسها.
 
"
لم يذكر الرئيس البشير أو نائبه في خطابيهما للناس عند ذكر الجمهورية الثانية أي نهج ستنتهجه وأي سياسة جديدة ستتبعها، وكيف ستتسنّى لها رعاية حقوق المواطنين وصون كرامتهم
"
لم يذكر الرئيس عمر البشير أو نائبه في خطابيهما للناس عند ذكر الجمهورية الثانية أي نهج ستنتهجه وأي سياسة جديدة ستتبعها، وما هو الجديد الذي يمكن أن تجيء به، وكيف ستتسنّى لها رعاية حقوق المواطنين وصون كرامتهم وإتاحة مساحة من الحرية في التعبير عن الرأي دون التضييق على الناس وملاحقتهم، في الوقت الذي ينبع هذا المصطلح من اسمهم "الجمهور"، ويحكم باسمهم.

 أما ظهور مصطلح الجمهورية الثانية في السياسة السودانية عموما فقد توارد على الأسماع أن الزعيم الراحل العقيد جون قرنق قد استخدمه إبان التوقيع على اتفاقية السلام الشامل في نيفاشا 2005م، حتى صار أحد أدبيات اتفاقية السلام.
 
ولكن جون قرنق الذي كان يأمل أن يكون سودان ما بعد الاتفاقية مختلفًا عما قبلها، لم يدُر بخلده أن ينتهي حلمه بوحدة السودان الجديد إلى انفصال، لتوضع ملامح الجمهورية الثانية التي تصورها نهاية لعهد الحروب وبداية لعهد السلام والاستقرار، في غير موضعها.

في هذه الفترة التي تستوجب بالضرورة إجراء تغييرات جذرية في أجهزة الدولة، أعلنت الحكومة السودانية عن تشكيل وزاري جديد تزمع إجراءه بأعجل ما يمكن وذلك لملء الفراغ الدستوري الذي حدث بعد انفصال الجنوب.
 
هذا التشكيل الوزاري من الأهمية بمكان ولكن ينبغي ألا تختزل الحكومة بناء الدولة السودانية بشكلها الجديد في التشكيل الوزاري فقط. فقضية بناء دولة أكبر من مناصب الوزارات والبرلمان الحالي، ذلك البرلمان الذي ثبت أنه لا يمثل السودان تمثيلاً حقيقيًّا. فقد تم تدجين ممثلي الولايات من ألوان الطيف السياسي المختلفة فيه وتم ترويضهم بالترضيات والنثريات هبة من دولة لا تملك لمن لا يستحق.
 
كما أثبتت التجربة على مدى أكثر من عقدين من الزمان أن كؤوس التشكيلات الوزارية على هذه الشاكلة دائرة على المنتمين إلى حزب المؤتمر الوطني الحاكم وأهل الولاء الذين يتحدثون تارة بلسان الحزب وتارة أخرى بلسان الدولة.
إذن يجدر بالحكومة أولاً أن تنطلق بسودان ما بعد انفصال الجنوب إلى حل قضايا الحكم والوفاق الوطني بإشراك الأحزاب السياسية المعارضة في وضع برنامج شامل لحل قضايا السودان، وإشاعة أسس التحول الديمقراطي وتعزيز النظام الفدرالي وإحلال الأمن والسلام والتنمية كقضايا داخلية لها تبعاتها الخارجية.
 
فعندما دعا حزب المؤتمر الوطني إلى حكومة "ذات قاعدة عريضة"، بعد انتخابات 2010م، مكنته تلك الدعوة من الانفراد بالسلطة في ظل وهن أحزاب المعارضة وتفككها فسيطر على الرئاسة والسلطات التشريعية والتنفيذية والعدلية والأمنية.
 
 وما زالت المؤسسة الأمنية في حكومة الإنقاذ هذه تُحكم قبضتها على الحياة السياسية بحضورها الطاغي والمتمثل في كبت الحريات الإعلامية والعامة. هذه المؤسسة لم تبدأ في عهد حكومة الإنقاذ وإنما تفوقت على قريناتها من النُظم العسكرية السابقة التي تميزت عهودها بالدولة البوليسية.

وعلى الجمهورية الثانية أن تستصحب كذلك بناء علاقات خارجية تكون فيها المحافظة على مصلحة وسيادة الدولة هي العظمى. فالسودان يتأثر الآن ولو بشكل بطيء في محيطه الإقليمي بفترة ما بعد ثورات الربيع العربي، كما تستوجب الأخذ بعين الاعتبار المتغيرات الدولية على الصعيدين السياسي والاقتصادي.
ويُنتظر أن يتم التشكيل الجديد في ظل نداءات بتقليص الترهل الوزاري في حكومة الإنقاذ، وفي انتظار أن يكون ديدن هذا التشكيل الوزاري الجديد مشاركة على مستوى المؤسسات السياسية الدستورية والبرلمان، مشاركة كيفية لا كمية تتوسع فيها مواقع اتخاذ القرار وليس في المناصب الوزارية الشكلية فقط.

لكن أكثر ما يثير علامات الاستفهام هو استعجال الحكومة لوضع دستور للبلاد بأي شكل كان، حتى دون طرحه لحوار شعبي شامل ليوضع تصوره من الشعب وإلى الشعب. ففي خطاب الرئيس ونائبه تم التركيز على أن عهد الجمهورية الثانية سيقوم على أحكام مستمدة من الشريعة الإسلامية التي سيعتمد عليها نظام الحكم المقبل.
 
الواقع أن إعلان الجمهورية الثانية هو إدانة خفية وتمترس خلف جسد إقليم الجنوب المنفصل وإلقاء بتبعات فشل الإنقاذ على مدى العقدين الماضيين في المحافظة على وحدة السودان وتنميته وسلامه وأمنه.
 
"
الحديث الآن عن نظم تشريعية وعدالة وقانون ينتظم الدولة هو نفسه الحديث القديم عن دولة المشروع الحضاري، الذي صنعته الإنقاذ, والمتجدد الآن في فكرة أخرى هي الجمهورية الثانية
"
فالحديث الآن عن نظم تشريعات وعدالة وقانون ينتظم الدولة هو نفسه الحديث القديم عن دولة المشروع الحضاري، ذلكم المشروع الأيديولوجي الذي صنعته الإنقاذ وأقامت دستوره وقانونه تطبقه على من أبى، والمتجدد الآن في فكرة أخرى هي الجمهورية الثانية.

ربما لا نختلف في أنه لا شيء أكثر إلحاحًا من وضع دستور جديد للبلاد يستقي تعاليمه مما يتوافق عليه أبناء السودان كافة بكل قطاعاتهم التي تشمل كافة القوى السياسية والمهنية والنقابية ومنظمات المجتمع المدني مع تمثيل قطاعات المرأة والشباب. ولكن ينبغي أن يؤسس الدستور لدولة ديمقراطية ترعى حق المواطنة دون تمييز على أساس اللون أو الجنس أو الدين.
دستور يحمي حقوق المواطنين السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ويرعى الحريات الأساسية.
 
ولكن هذا الوضع الملحّ لم تتركه حكومة الإنقاذ للظروف وحدها وإنما قامت بتمويه حاولت من خلاله تجسير الهوة بينها وبين الشعب، بأن قامت بتشكيل لجنة قومية يدور جدل كبير حول حياديتها لكونها شُكلت بقرار رئاسي لوضع الدستور.

 هذا الدستور المرتقب يجب التشديد فيه على اختيار شاغلي المناصب الدستورية بالانتخاب، وتنقية هذه المناصب من المخصصات والمزايا المكلفة للدولة. ثم يتبعه تفعيل آليات المحاسبة والشفافية والمتابعة والمراقبة ومساءلة كل من تسوّل له نفسه خيانة الأمانة.
 
فغياب هذه الآليات خلال سني حكومة الإنقاذ أدى إلى استشراء الفساد واستغلال المناصب مع فشل مريع في الأداء في بعض المناصب الدستورية، بسبب ترفع أصحابها عن التقييم والمراقبة مدعومين بالنظرة الخاطئة إلى المنصب الدستوري على أنه منصب مقدس. وأن يحكم بين أولئك وغيرهم من عامة الناس القانون على أساس العدل.

ولتثبيت سيادة حكم القانون فإن مشاركة القوى السياسية المختلفة في وضع الدستور الدائم للبلاد ومناقشته هو من أهم لبنات الثقة فيه. فأهمية الآراء والمقترحات المقدمة حتى ولو اختلفت فإنها تتفق في النهاية على مصلحة السودان، وللوصول إلى رؤية وسط بين الآراء العديدة المختلفة، فإن قيام استفتاء عام يكون الحل الأمثل للوصول إلى ما يرتضيه الناس.
 
وبالرغم من ديمقراطية آلية الاستفتاء فإنه من المتوقع ألا تلجأ إليه الحكومة إلا إذا دُفعت إليه دفعًا وذلك لعوامل شديدة الأهمية.
 من هذه العوامل أنه بالرغم من تجارب آلية الاستفتاء في وقت سابق قريب مثل الاستفتاء على وضع الجنوب، أو المزمع قيامه في إقليم دارفور، فإنها كانت استفتاء داخل إقليم واحد يتعامل معه المركز أو الحكومة كتلة موحدة تتضافر أسباب وحدتها أكثر من فرقتها.
 
أما قيام استفتاء لوضع دستور عام للبلد بكل أقاليمه الحالية وما تحمله من بذور انفصالية وضغائن من جراء التهميش، فإن الحكومة باعتبارها مركزا وحزبا ستكون واحدة مقابل أقاليم متعددة بتكويناتها الثقافية وعاداتها وتقاليدها بل وبلهجاتها المختلفة.
ومن العوامل أيضا قضية الهوية العربية والإسلامية التي تتشبث بها حكومة المؤتمر الوطني، فهي لم تعُد بذات البريق الذي جسدته حكومة الإنقاذ في بداياتها الثورية. ولا يُعدّ توحد شمال السودان بعد انفصال جنوبه إلا محض وهم تسكّن به الحكومة فشلها في إدارة هذا التنوع، لتقف الظلال التاريخية السالبة لمناطق أخرى عانت من فروق اللون والعرق سدًّا منيعًا أمام تحقيق الدستور لأهم مبادئه الأساسية.

"
شعارات حكومة الإنقاذ على مدى سني حكمها أثبتت تكلسها، فبعدما نادت بدولة المشروع الحضاري الذي يرعى القيم وطهارة اليد واللسان والعفة أنتجت على النقيض فشلاً في هذا المشروع وتطبيقه
"
إنّ شعارات حكومة الإنقاذ على مدى سني حكمها أثبتت تكلسها، فبعدما نادت بدولة المشروع الحضاري الذي يرعى القيم وطهارة اليد واللسان والعفة عن مغانم السلطة أنتجت على النقيض فشلاً في هذا المشروع وتطبيقه. فبدلاً من العفة عن المناصب ظهر التكالب عليها والفساد في الذمم والأخلاق واستغلال المناصب. فليس في ذاكرة العامة من الشعب غير أن ذلك المشروع الحضاري هو مبرر تسوّغ من خلاله السلطة استباحتها لأموالهم متدثرة بدثار الدين.
ومن غير مجهود يُذكر يمكن الوصول إلى حقيقة أن حكومة الإنقاذ ضربت رقمًا قياسيًّا في إقصاء الآخر المغاير دينيًّا وعرقيًّا، فليس في ذاكرة الهامش القريبة غير أوجاع الرفض والاتهام في الدين والانتماء. ونتيجة لذلك انتبذ الجنوب حدوده القصية، وكذلك يراود الخيال إقليم دارفور ومنطقة جبال النوبة وولاية جنوب كردفان وشرق السودان.

والاستفتاء عندما تم تبنيه ليكون آلية في اتفاقية السلام الشامل لحل قضية الجنوب تعاملت معه الحكومة على أنه حلّ لجزء من السودان، ولم تقتنع بكونه آلية ديمقراطية تُبذل من أجل حل القضايا والإصلاح على مستوى السودان كله.
 
لذا فعندما تم التأكيد على المشورة الشعبية في ولاية جنوب كردفان والنيل الأزرق، ثم تم اقتراح الاستفتاء على وضع دارفور ترددت الحكومة كثيرًا حتى صاحب المقترحين الأخيرين كثير من العراقيل والعقبات. إذن فحزب المؤتمر الوطني لا ينظر في مثل هذه الاتفاقات باعتبارها حلولا تناقش جذور قضايا الحكم، وإنما يتعامل مع كل مشكلة حتى ولو تشابهت مع أخرى بحلول وليدة الظروف واللحظة.

وعندما قدمت الحكومة تنازلات للأطراف المتفاوضة في ملفي الجنوب ودارفور والشرق فإنها ساومتهم من منطلقات المصلحة الذاتية. فأغلب حاملي ملفات اقتسام السلطة حصلوا على مكاسب شخصية ولم يشركوا الهامش فيها ولم يهتموا بتنميته وتقدمه.
 
وإن تم ما يتوافق عليه الناس من ضرورة التوازن في عملية التنمية واقتسام السلطة والثروة، فإنه لن يكون هناك مجال لمفاوضات تفضي إلى اتفاقيات وبروتوكولات جزئية تمنح جهة وتمنع أخرى.

إذن فالإجابة عن سؤال مقومات الجمهورية الثانية هي إجابة عن سؤال القضايا القومية الكبرى، فلا يجوز أن تغيب عن نقاش واضعي الدستور قضايا الفدرالية والديمقراطية وسيادة القانون والعدالة. والحل الجزئي للقضايا القومية قد فات أوانه لأنه لا يجدي غير إضعاف التركيز على جملة القضايا وتشتيت المجهود لأن الحل الكامل يتطلب منهجًا قوميا يتطرق لأسس هذه الجمهورية بصورة شاملة وليس بالتجزئة.
 
أما الإصلاح السياسي فيتطلب حلاً سياسيا شاملاً. فإذا مضت الأوضاع بعد إجازة الدستور إلى بناء دولة ديمقراطية تعددية حقيقية في ظل دستور وقانون يحققان مطالب الشعب السوداني، فإن السودان بجمهوريته الثانية يجب أن يشرك الجميع في بلورة ملامحها وتنفيذ متطلبات قيامها دون استثناء أو إقصاء لأحد.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك