مؤمن بسيسو

مؤمن بسيسو

كاتب فلسطيني


سقوط النظرية الأمنية الإسرائيلية
أهداف بعيدة
تصحيح الحال والمسار
بين مصر وإسرائيل

قد يجوز لنا -مجازا- استلهام أحداث التاريخ لتوصيف مجريات الواقع، خصوصا في ظل تشابه بعض القيم والمعايير، فعملية إيلات المركبة ذات المسار المتدحرج التي هزت إسرائيل وأصابتها في الصميم توافقت زمنيا مع غزوة بدر الكبرى التي ضربت الكفر ورموزه آنذاك في مقتل، وأسست لمرحلة جديدة كان لها ما بعدها، آثارا ونتائج وتداعيات.

ومن دون شك فإن عملية إيلات شكلت غزوة حقيقية تمكنت من إحداث اختراق هام في بنية الإجراءات العسكرية والأمنية الإسرائيلية، وتركت جملة واسعة من الآثار والتداعيات التي طالت الواقع الإسرائيلي الداخلي، كما طبيعة العلاقة مع الجارة المصرية في مرحلة ما بعد الثورة، ومع قطاع غزة الذي يشكل صداعا مزمنا للسياسة الإسرائيلية.

لا تكمن أهمية عملية إيلات في قيمتها المجردة التي أسقطت نظرية الأمن الإسرائيلية فحسب، بل –أيضا- في مجموع الظروف المحيطة التي تواطأت لإخراج تداعيات العملية في مشهد دراماتيكي وجدت فيه إسرائيل ضالتها المنشودة فرارا من مآزق خانقة على مختلف الجبهات.

ومن أشد المفارقات أن عملية إيلات بقدر ما تشكل ضربة قاسية للنظرية الأمنية الإسرائيلية، وتصحيحا للحال والمسار الفلسطيني الداخلي من حيث إعادة تعريفه في إطار مسيرة التحرر الوطني، غير أن توقيتها أشد ما يكون أريحية للحكومة الإسرائيلية التي تواجه سطوة الاحتجاجات الداخلية الصاخبة، وإشكاليات استحقاق سبتمبر/أيلول الذي تصر فيه السلطة الفلسطينية على التوجه إلى الأمم المتحدة للحصول على عضوية الدولة الفلسطينية المنشودة.

سقوط النظرية الأمنية الإسرائيلية

"
النتيجة المباشرة لعملية إيلات تمثلت في السقوط المدوي للنظرية الأمنية الإسرائيلية التي تباهت في السنوات الأخيرة بمدى ومستوى قدرات الأجهزة الأمنية الإسرائيلية
"
النتيجة المباشرة لعملية إيلات تمثلت في السقوط المدوّي للنظرية الأمنية الإسرائيلية التي تباهت في السنوات الأخيرة بمدى ومستوى قدرات الأجهزة الأمنية الإسرائيلية وإجراءاتها المحكمة التي كرست الأمن والاستقرار في الداخل الإسرائيلي، وتفاخرت بإنجازاتها الأمنية التي منعت الفلسطينيين من تنفيذ أية عملية عسكرية على غرار العمليات التي شهدها العمق الإسرائيلي في السنوات الأولى لانتفاضة الأقصى التي اندلعت عام 2000.

وبصرف النظر عن الجهة المنفذة للعملية، فإن ما جرى يشكل فضيحة مدوية بكل المقاييس للمؤسستين: العسكرية والأمنية في إسرائيل، خصوصا في ظل ما كشف من فشل في تعامل الجيش الإسرائيلي مع معلومات مسبقة تلقاها من جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي "الشاباك" حول نية عناصر مقاومة تنفيذ عملية مسلحة داخل إيلات.

للمرة الأولى منذ أعوام تستفيق إسرائيل على عملية موجعة من هذا القبيل، ولعل الأخطر من ذلك لا يتمثل -فقط- في قدرة العناصر المسلحة على اختراق كل الإجراءات الأمنية الحدودية، المصرية والإسرائيلية، بل في التكتيك الفعال الذي تم تنفيذه في سياق العملية، والذي يشبه إلى حد بعيد عمليات حزب الله اللبناني، من حيث طبيعة الاشتباك، واستخدام العبوات الناسفة، والمتابعة، وغير ذلك، ومن ثم القدرة على الانسحاب.

وحتى اللحظة عجزت إسرائيل عن تحديد هوية المهاجمين أو أعدادهم الحقيقية، ولم تتمكن سوى من قتل جزء منهم، فيما قتلت القوات المصرية جزءا آخر، ورجحت بعض التقديرات وجود عدد آخر تمكن من الإفلات.

الأخطر من ذلك كله أن غزوة إيلات قد كسرت حالة الرتابة والجمود القاتل التي أرخت بظلالها على الوضع الفلسطيني طيلة المرحلة الماضية التي شهدت استئصالا وحربا على المقاومة في الضفة الغربية، وتهدئة اضطرارية وتجميدا للمقاومة في قطاع غزة، وفتحت الأبواب على مصاريعها لمرحلة جديدة من العمل المقاوم الذي يجعل من التكتيكات والآليات المبدعة وخيارات التنفيذ المفتوحة عنوانا له في المرحلة المقبلة.

أهداف بعيدة
لم تكد الموجة الأولى من غبار معركة إيلات في الانقشاع حتى كانت غزة في بؤرة الاتهام والتحريض والاستهداف. والقول الفصل في ذلك أن إسرائيل تدرك يقينا أن غزة وفصائلها المقاومة لا علاقة لها بالعملية، وتتوفر لها معلومات مسبقة بأن جهات سلفية متشددة تتحضر لتنفيذ العملية انطلاقا من شبه جزيرة سيناء المصرية، بل تملك معلومات واضحة حتى عن عدد الخلية التي نفذت العملية، كما أشارت إلى ذلك بعض المعطيات الإسرائيلية الرسمية.

ومع ذلك، فإن المصلحة الإسرائيلية القاضية بعدم الاصطدام الصارخ والمباشر مع المصريين، وضرورة إبقاء حدود النقد عند حدود معقولة سياسيا لاعتبارات مختلفة، أملت على الحكومة الإسرائيلية توجيه اتهامها وتصويب مسار استهدافها نحو غزة لقناعتها بأنها تشكل الحلقة الأضعف في المعادلة القائمة.

وهكذا، ودون أي تمحيص أو تحقيق، سارعت إسرائيل إلى اتهام الفلسطينيين وتحميل حركة حماس المسؤولية، واقتنصت وصول معلومة استخبارية عن اجتماع لقادة لجان المقاومة الشعبية في أحد بيوت مدينة رفح كفرصة ذهبية لجعل لجان المقاومة كبش الفداء الذي يتولى تخليص حكومة وجيش الاحتلال من ورطة الرد على العملية في ظل إدراك إسرائيل بصعوبة اتخاذ أي إجراء مباشر يمس السيادة المصرية داخل سيناء.

"
تدرك إسرائيل أن تصعيدها المحسوب ضد غزة من شأنه أن يربك "أبو مازن" ويشوش على الجهد الفلسطيني الهادف لاستجلاب وتأمين المواقف الداعمة للموقف الفلسطيني على الساحة الدولية
"
ومن المؤكد أن القرار الإسرائيلي بالتصعيد المحسوب ضد غزة لم يكن –فقط- أسير احتياج الرد على عملية إيلات، بقدر ما كان أشد حاجة إلى تحقيق هدفين هامين، الأول داخلي والآخر خارجي.

ويتمثل الهدف الداخلي في الرغبة الجامحة لنتنياهو وحكومته في الهروب من تداعيات أزمة الاحتجاجات الداخلية التي تعصف بالمجتمع الإسرائيلي، وترفع مطالب عادلة، وتتصاعد وتيرتها يوما بعد يوم، وتهدد بضرب استقرار الائتلاف الحكومي في إسرائيل، والدفع باتجاه انتخابات مبكرة لا يبدو فيها نتنياهو والأحزاب الإسرائيلية على استعداد لتحمل النتائج المتمخضة عنها.

وبالفعل، فما إن بدأت القذائف والصواريخ تتساقط على غزة حتى أعلن منظمو الاحتجاجات داخل إسرائيل عن تأجيل كل أشكال فعالياتهم الموجهة ضد الحكومة إلى أجل غير مسمى، والاصطفاف مع حكومتهم في مواجهة التحديات الأمنية التي باتت في مقدمة أولوياتهم على المستوى التكتيكي المرحلي.

ولن يكون صعبا توقع مدى الراحة والاستقرار النفسي الذي خيّم على حكومة نتنياهو إثر انزواء حركة الاحتجاجات الداخلية التي كادت تعصف بحاضره ومستقبله السياسي.

أما الهدف الخارجي فيكمن في محاولة إحباط جهد الرئيس الفلسطيني "أبو مازن" والسلطة الفلسطينية في التوجه إلى الأمم المتحدة لطلب الاعتراف بالدولة الفلسطينية في سبتمبر/أيلول المقبل.

وغنيّ عن القول أن إسرائيل حاولت توظيف عملية إيلات، وما تبعها من حملة عسكرية على غزة، دبلوماسيا، من أجل إثبات رؤاها وسياساتها القائمة على عدم وجود شريك فلسطيني يؤمن بمبادئ السلام، وعلى صعوبة الموافقة على طلب الفلسطينيين الاعتراف بدولة لهم في ظل ممارستهم ما تسميه العنف والإرهاب ضد أراضيها ومواطنيها.

وتدرك إسرائيل أن تصعيدها المحسوب ضد غزة من شأنه أن يربك "أبو مازن" ويشوش على الجهد الفلسطيني الهادف لاستجلاب وتأمين المواقف الداعمة للموقف الفلسطيني على الساحة الدولية، وهو ما تحاول إسرائيل بلوغه مترافقا مع إجراءات ضغط أخرى، سياسية واقتصادية وميدانية، على السلطة بهدف حملها على التراجع عن خطوة أيلول.

تصحيح الحال والمسار
لا شك أن عملية إيلات أحرجت كل الأطراف، وعلى رأسها حركة فتح والسلطة الفلسطينية التي أخرجت العمل المسلح من قاموسها الوطني من جهة، وحركة حماس التي تعمل على ترسيخ سلطتها وحماية منجزاتها عبر تهدئة غير معلنة من جهة أخرى.

فالواقع الراهن المتمخض عن تفاعلات وتطورات الأعوام الأخيرة أفرز مرحلة شاذة في إطار العمل الوطني الفلسطيني، وتراجعا مطردا أصاب مسيرة التحرر الوطني الفلسطيني.

وحين تنحرف بوصلة العمل الوطني الفلسطيني عن قبلتها الحقيقية، وتنخرط في مسارات ملهية عن الهدف الوطني العام الذي يقربنا من إنهاء الاحتلال، فإن الحاجة إلى تصويب الواقع والمسار تغدو أكثر مساسا وإلحاحا.

"
عملية إيلات أحرجت كل الأطراف، وعلى رأسها حركة فتح والسلطة الفلسطينية التي أخرجت العمل المسلح من قاموسها الوطني، وحركة حماس التي تعمل على ترسيخ سلطتها وحماية منجزاتها
"

ومن هنا جاءت عملية إيلات لتذكر الأطراف الفلسطينية التي انساقت وراء مشروع السلطة والحكم على حساب مشروع التحرر الوطني، ببدهيات الصراع، وتعيد تصحيح الحال والمسار الفلسطيني وتعريفه مجددا في قالب التحرر الوطني بعيدا عن الخطوط والتعرجات الجانبية.

لقد كان مأمولا أن يشكل اتفاق المصالحة الأخير في القاهرة في مايو/أيار الماضي فرصة للمراجعة، وشكلا من أشكال الاستدراك الفصائلي الذاتي، غير أن تعثر جهود المصالحة بدد الآمال المرجوة، وضخ روحا جديدة وحياة جديدة في جسد الواقع الفلسطيني الشاذ إلى أجل غير مسمى.

ورغم الأزمة التي يراوح فيها الفلسطينيون، والناجمة عن تعطيل خيار الكفاح الوطني لصالح أجندة سياسية ثبت عقمها وفشلها طيلة العقدين الماضيين، فإن أحدا في السلطة وفتح لم يمتلك زمام الجرأة والمبادرة بالتصحيح، فيما تتساوق حماس مع متطلبات فوزها في الانتخابات التشريعية، ولاحقا سيطرتها على غزة، مع ما أورثه ذلك من إشكاليات أثرت على مسيرة الكفاح الوطني في وجه الاحتلال.  

بين مصر وإسرائيل
ليس صحيحا أن السلام بين مصر وإسرائيل كان أول المصابين في عملية إيلات كما زعمت بعض التقديرات التي تماهت مع ظواهر الأمور بعيدا عن الفهم العميق لحقيقة السياسة والظروف التي تحكم العلاقات بين البلدين ومجرياتها الواقعية.

منذ سقوط نظام مبارك عمدت إسرائيل إلى تكثيف إطلاق اتهاماتها التي تنعت الوضع في سيناء بأسوأ النعوت والأوصاف، وتصور المنطقة كما لو أنها بؤرة للإرهاب وتهريب السلاح وملجأ لكل العناصر المعادية للدولة العبرية.

وبين الفينة والأخرى كانت إسرائيل تتقصد إثارة "إشكالية سيناء" عبر وسائل الإعلام، في محاولة لابتزاز الموقف المصري ودفعه لمزيد من اليقظة وتشديد الأوضاع والإجراءات الأمنية هناك.

وبلغ الأمر حد قيام البعض باتهام الموساد الإسرائيلي بالوقوف وراء تفجير خطوط أنابيب الغاز المصري الواصل لإسرائيل، في محاولة لإحداث ضغط إسرائيلي جديد بهدف تعزيز وتطوير السياسة الأمنية المصرية في سيناء.

لكن ذلك كله، بما يكتسيه من تجاذبات ومناكفات شيء، وحقيقة العلاقات القائمة على المستوى الأمني شيء آخر تماما.

ولا ريب أن العالمين ببواطن الأمور يدركون أن وتائر ومستويات التنسيق الأمني بين الطرفين لم تتأثر أو تتغير على الإطلاق عقب الثورة، وأن حدة الألفاظ التي قد تطلق سياسيا ضد إسرائيل وممارساتها بين الحين والآخر لا تغير من حقيقة العلاقة الأمنية المتينة بين الطرفين شيئا.

وعليه فإن نار الاتهام والتحريض الإسرائيلية لم تفتح على الجبهة المصرية على الإطلاق، وإن بدا أن إسرائيل معنية بتوجيه رسالة ذات مستوى محدود حول مسؤولية مصر في ضبط حدودها، ودورها في ضبط ومحاربة العناصر السلفية التي تتخذ من سيناء قاعدة لها ومركزا لنشاطاتها.

ومن هنا يتبدى أن الهدف الإسرائيلي يكمن -فقط- في الرغبة في زيادة أشكال ووتائر التنسيق الأمني مع المصريين، وأن عملية إيلات قد شكلت فرصة مناسبة لتكريس المطالب الإسرائيلية بهذا الخصوص. 

"
نار الاتهام والتحريض الإسرائيلية لم تفتح على الجبهة المصرية على الإطلاق، وإن بدا أن إسرائيل معنية بتوجيه رسالة  حول مسؤولية مصر في ضبط حدودها
"
لذلك فإن حادثة مقتل عدد من الجنود المصريين بالرصاص الإسرائيلي، وإن كان لها وقع مؤثر على الشعب المصري، وبدت ترجماتها العملية باستدعاء السفير المصري من تل أبيب، إلا أن ذلك لم يتبلور في إطار سياسي يشكل تغييرا في صلب السياسة المصرية الراهنة أو تعديلا في مسار العلاقة مع الاحتلال، ولا يعدو كونه خطوة تستجيب لمطالب ومزاج الشعب المصري فحسب، ولا يتوقع أن تتلوها خطوات تصعيدية أخرى لاعتبارات مختلفة.

وأخيرا.. فإن الأسابيع والأشهر المقبلة كفيلة بحسم التقديرات والتوقعات لما بعد غزوة إيلات التي لم تتكشف كامل خيوطها بعد، وتبيان مدى الأثر والتداعيات التي يمكن أن تخلفها على الوضع الفلسطيني الداخلي، وساحة العلاقتين: الفلسطينية والمصرية مع كيان الاحتلال.

وأيا يكن الأمر، فإن غزوة إيلات، وما بعدها، تشكل نقطة مفصلية في تاريخ الصراع العربي-الإسرائيلي، ومنعطفا هاما في مسار العلاقة الشائكة والمعقدة بين الاحتلال ومحيطه الفلسطيني والعربي.

المصدر : الجزيرة