زياد منى

زياد منى

كاتب فلسطيني


عندما سألت صديقا عن عدد المرات التي أعلنت فيها قيادة السلطة في رام الله قيام دويلتها، أجابني: توقفت عن العد عند الرقم مائة مائة!!.

للتذكير، عندما توجهت قيادة منظمة التحرير في عام 1974 إلى الأمم المتحدة، رفعت شعار "102 دولة تعترف بنا". وبين الأمس واليوم أكثر من أربعين عامًا مليئة ببحار الدم الفلسطيني والعربي الذي سفك لأجل القضية، على ما يقال، وأكثر من ألف ألف هزيمة تضاف إلى سجل القيادة الفلسطينية المتمسكة بتحويل كل هزيمة مادية مني بها الشعب الفلسطيني إلى "انتصار" لها طبعًا!
 
عندما حسمت القيادة الفلسطينية أمرها بعد هزيمتها السياسية في الأردن عام 70/1971، لم تعلل انتقالها من معسكر الثورة والتحرير إلى معسكر التسوية من خلال تبنيها ما سمي وقتها "برنامج النقاط العشر/ البرنامج المرحلي"، الذي وافق عليه كل أعضاء المجلس الوطني الفلسطيني حينذاك، عدا مناضليْن هما القائد الراحل أبو داود والمناضل ناجي علوش.
 
المقصود أن تلك القيادة "الأبدية"، رغم ادعائها أنه مرحلي ويخدم قضية تحرير فلسطين واستبدال الدولة الفلسطينية العلمانية بالكيان اليهودي/الصهيوني، فلم تقدم أي رؤية إستراتيجية.. هي لم تملكها أصلاً.

ولأنها كانت فوق المحاسبة -ولا تزال- لم تكلف نفسها شرح كيفية كون برنامج التسوية والاعتراف بشرعية اغتصاب الحركة الصهيونية فلسطين يصب في خدمة تحرير فلسطين.
 
"
القيادة الفلسطينية لم تقدم أي مكسب للشعب الفلسطيني، عدا الصراخ الذي لا صدى له عن انتصارات وهمية وتقدم مزعوم وإعلان تحرير مدن فلسطينية
"
منذ ذلك الحين لا نجد أن القيادة الفلسطينية قدمت أي مكسب للشعب الفلسطيني، عدا الصراخ الذي لا صدى له عن انتصارات وهمية وتقدم مزعوم وإعلان تحرير مدن فلسطينية!!
 
في الحقيقة، حتى يتمكن القارئ من إدراك أحجام الكوارث التي ألحقتها تلك القيادة بالشعب الفلسطيني وقضيته العادلة، لا بد من الوقوف مطولاً أمام تجربة مرحلة الأردن ومرحلة لبنان ومرحلة تونس، والتغيرات التي كانت تجري في بنية الحركة الوطنية الفلسطينية وتطويعها، منظمات وأفرادا، للانخراط في مسلسل التنازلات الذي لم يتوقف يوما.
 
لكن مثل هذا الاستعراض يخرج عن دائرة هذا المقال، إذ إنه يحتاج إلى مجلدات عديدة توفي الأمر ما يستحقه من تفصيلات، لكنني أشك في وجود أي باحث علمي يشكك في صحة التحولات والتغيرات البنيوية التي ذكرناها آنفا.

على أي حال، نعود إلى نية قيادة سلطة رام الله الإعلان -للمرة الألف بعد الألف العاشر!!- عن قيام الدويلة العتيدة. لا ندري ما فهم قيادة سلطة رام الله للدولة. فهل الدولة هي استقبال دول العالم لرئيس السلطة بجوقة شرف موسيقية واستعراض حرس الشرف وعزف النشيد الوطني؟، أم هي حمله هو ورجالاته جوازات سفر دبلوماسية، وما إلى ذلك من تجليات استعراضية مثيرة لكل العواطف عدا الاعتزاز بالنفس والتمسك بالكرامة الوطنية والقومية.

في حال أن قيادة سلطة رام الله لا تتبنى التأويل الرأسمالي للدولة، أي كونها أداة لتنظيم المجتمع، وإنما الفهم الماركسي لها بكونها (الدولة الرأسمالية) أداة للقمع الطبقي، فهي خير من يعلم بأن دولة كهذه قائمة بالفعل.
بل إن هذا الشيء الوحيد القائم في مناطق سيطرتها.

السلطة الفلسطينية في رام الله تعلم خير العلم بأنه ليس بمقدور أي شخص الدخول إلى أراضي "الضفة" أو الخروج منها من دون موافقة المحتل. وهذا يسري على كل فرد، حتى على قادة السلطة الذين قدموا كل تنازل معنوي وسياسي عن فلسطين ممكن للعدو.

وسلطة رام الله تعرف أنه ليس بمقدورها تعيين أي شخص في موقع رسمي حساس من دون موافقة المحتل، وأن الأخير فقط هو من يقرر مدى حساسية هذا المنصب أو ذاك.

وسلطة رام الله تعرف خير المعرفة أنه ليس بإمكانها اتخاذ أي موقف سياسي، مهما كان تافهًا، من دون موافقة العدو، وهذه المرة، الدول المانحة. فعندما اضطرت أخيرًا للتفاوض مع حماس من أجل حل الخلاف بينهما، توقفت المساعدات التي تقدمها الدول المانحة، فأطاعت على الفور وبلا تردد، وأوقفت مسيرة المصالحة.

وسلطة رام الله تعرف أنه لا حكم لها على أي أمر يتعلق بالقضية الوطنية، لأنها تستمد شرعيتها ليس من الشعب وإنما من الدول التي ترعاها، بل وحتى تدفع معاشات موظفيها الجارية والتقاعدية، وهي دول الغرب الاستعماري في المقام الأول.

هذا ما تفعله هذه السلطة التي ملأت الفضاء صراخا حول "القرار الوطني المستقل"، والذي كان كلام حق يراد به باطل. فصار الاستقلال الوحيد لقراراتها ذاك المنفصل عن رغبات الشعب الفلسطيني وطموحاته الوطنية والقومية.

أي دولة هذه التي يسعون إلى الاعتراف بها وهي لا تملك حتى مقومات مشيخة موناكو. أين الشعب الفلسطيني، المقاوم للمخططات الغربية الاستعمارية والصهيونية منذ أكثر من قرن ونصف، من طموحات قيادية "متواضعة" كهذه، حتى لا نوظف مفردة أخرى أقرب للواقع الفلسطيني الكارثي والحزين.
 
حتى نتمكن من تكوين صورة واضحة وموضوعية لمدى الكارثة الوطنية التي يعيشها الشعب الفلسطيني منذ أن قررت القيادة الفلسطينية التجرد من آخر ما كانت تستر به استسلامها المشين غير المشروط لشروط العدو، نطرح مجموعة من النقاط على كل متأمل في القضية الفلسطينية الوطنية والقومية أن يأخذها في الاعتبار:

- ما الفائدة المادية والمعنوية التي جناها الشعب الفلسطيني من خلال تنازل قيادته عن البرنامج الوطني التحريري.

- هل تحسنت أوضاع سكان المناطق الخاضعة لسلطة رام الله؟
 
- هل تحسنت الخدمات الصحية والتعليمية وما إلى ذلك منذ دخول قيادة السلطة وأجهزتها إلى مناطق في الضفة (والقطاع)؟
 
- هل تحسن الأداء الشعبي الفلسطيني في مناطق السلطة؟
 
"
على كل فلسطيني (وعربي) عاقل التأمل في الواقع الفلسطيني ليدرك عمق الحفرة التي سقط فيها منذ تبني خط الاستسلام والتسوية والتخلي عن نهج المقاومة، وليرى مدى الجرح الفلسطيني
"
- هل زادت استقلالية سكان مناطق حكم السلطة "المحدود للغاية"، أم زادوا تبعية للدول المانحة ولأموال المنظمات غير الحكومية. في الواقع أن القسم الأكبر من مثقفي السلطة تحولوا إلى معدي تقارير عن بيوتهم وأهلهم لدافعي معاشاتهم الشهرية الخيالية.

- هل ازدادت استقلالية أجهزة السلطة أم أنها أصبحت تابعة بالكامل للمحتل، تؤدي عنه كثيرا من الوظائف، ومنها على سبيل المثال لا الذكر، ملاحقة المقاومين والمناهضين للاستسلام.
 
- هل تحسن أداء السلطة في المجال الصحي والتعليمي وما إلى ذلك؟
 
- هل ازداد عدد الأسرى لدى سلطات الاحتلال أم نقص؟
 
- هل نقص عدد حالات الاعتقال التعسفي والتعذيب والطرد من الخدمة.. إلخ في مؤسسات "السلطة" أم هو في تزايد مستمر؟
 
- هل توقف الاستيطان اليهودي السرطاني في مناطق السلطة أم ازدادت وتيرته ووحشيته؟
 
- هل اقترب الشعب الفلسطيني أينما كان من الوطن المسلوب؟
 
هذه نقاط من قائمة تطول وجب على كل فلسطيني (وعربي) عاقل التأمل في تفاصيلها ليدرك عمق الحفرة التي سقط فيها منذ تبني خط الاستسلام والتسوية والتخلي عن نهج المقاومة، وليرى بالعين المجردة من العواطف الكيدية مدى الجرح الفلسطيني.
 
عندما نعرف أن الإجابة عن كل ما سبق من تساؤلات هي بالنفي، وأن الأوضاع الفلسطينية السياسية والاجتماعية في مناطق السلطة تزداد سوءًا، ليس يومًا بعد يوم وإنما ساعة تلو الأخرى، فيمكننا معرفة طبيعة هذه الدولة التي تسعى لإعلانها، ومدى جدوى خطوة كهذه للقضية والشعب.
 
قلنا إن قيادة سلطة رام الله لم تعلل خطوتها القادمة بطلب الاعتراف "مجددًا" بدويلتها العتيدة، وما إذا كانت هذه الخطوة ستؤثر في نضال الشعب الفلسطيني والأمة العربية (والإسلامية) من أجل الوطن المغتصب. لذا نقول: أيًا كانت الزاوية التي ننظر منها للأمر، فهي خطوة تعبر عن إفلاس جديد لقيادة سلمت أمرها وأمر الشعب الفلسطيني للعدو، وهي خطوة تحاول من خلالها الفرار من استحقاقات ذلك الاستسلام وتبعاته عبر عملية غوغائية جماعية لن تنطلي على المعذبين من أبناء شعبنا وأمتنا أينما وجدوا.
 
خطوة تحاول قيادة مفلسة سياسيا وأخلاقيا من خلالها الهروب من استحقاقات عقود من تسيدها ساحة القيادة السياسة وتخوينها كل من خالفها الرأي، سواء بنعته بالتطرف أو بالعمالة لهذا النظام أو ذلك، وما إلى ذلك من قضاء وقدر شعاره: "وديه للسجن وبكره الصبح أوجه لُو تهمة"!!.
 
عندما نعود إلى أدبيات الحركة الوطنية الفلسطينية عند انطلاقها في ستينيات القرن الماضي، نجد أن قيادتها حينذاك (وهي لم تتغير لأنها "قيادة تاريخية منتخبة إلى الأبد") كانت حللت الوضع الفلسطيني والعربي والعالمي على نحو صائب، ولذا قررت الانطلاق في الكفاح المسلح من أجل تحرير الوطن المغتصب، ومنع أي قوة غير الشعب من الإمساك بالقرار الوطني الفلسطيني.
 
وهذا تحديدًا ما جعل الشعب الفلسطيني يمنح تلك القيادة الشرعية الوطنية، رغم الأثمان الباهظة التي كان عليه دفعها مقابل مواقفه الشجاعة والصحيحة.
 
فلنتذكر سوية البيان الأول لحركة فتح القائل: "اتكالاً منا على الله، وإيماناً منا بحق شعبنا في الكفاح لاسترداد وطنه المغتصب، وإيماناً منا بواجب الجهاد المقدس، وإيماناً منا بموقف العربي الثائر من المحيط إلى الخليج، وإيماناً منا بمؤازرة أحرار وشرفاء العالم؛ لذلك فقد تحركت أجنحة من القوات الضاربة في ليلة الجمعة 31/12/ 1964 وقامت بتنفيذ العمليات المطلوبة منها كاملة ضمن الأرض المحتلة، وعادت جميعها إلى معسكراتها سالمة.

وإننا لنحذر العدو من القيام بأي إجراءات ضد المدنيين الآمنين العرب أينما كانوا، لأن قواتنا سترد على الاعتداء باعتداءات مماثلة، وسنعتبر هذه الإجراءات من جرائم الحرب، كما أننا نحذر جميع الدول من التدخل لصالح العدو بأي شكل كان، لأن قواتنا سترد على هذا العمل بتعريض مصالح الدول للدمار أينما كانت. عاشت وحدة شعبنا وعاش نضاله لاستعادة كرامته ووطنه".
 
"
عملت القيادة الفلسطينية كل ما في وسعها لكسب رضا العدو، فتخلت عن شعبها وقضيته، ولم تكسبه، بل وفقدت أيضًا كل أصدقاء الشعب الفلسطيني
"
الآن -ونحن، أبناء فلسطين والأمة العربية، ننظر إلى تلك المرحلة التي انتهت منذ فترة طويلة- لا بد لنا من إعادة التفكير في كل ما مر وفي كل السياسات المتبعة التي أوصلتنا فقط إلى الكارثة الوطنية، لتلمس بداية الطريق نحو تصحيح الوضع.
 
لقد عملت القيادة الفلسطينية كل ما في وسعها لكسب رضا العدو، فتخلت عن شعبها وقضيته، ولم تكسبه، بل وفقدت أيضًا كل أصدقاء الشعب الفلسطيني الذين صاروا ينظرون إلى وضعنا بعيون داهشة دامعة وأيدٍ مكبلة وحناجر مختنقة.

القيادة الفلسطينية خسرت نفسها وشعبها، وآلام شعبنا ستكون أقل بكثير من دونها وتسلطها الذي طال وطال وطال.

الوضع الفلسطيني سيئ، والأخبار الآتية من فلسطين تزداد سوءا، لكنه سيكون أكثر سوءا لو سكتنا أو تقاعسنا عن العمل لاسترداد زمام المبادرة من العدو المغتصِب، والالتزام بأبجديات النضال المتفاني والمستقيم، على كافة الصعد.
 
ليس ثمة من حل سحري للأزمة الوطنية والقومية التي نعانيها، والمطلوب هو أوسع مشاركة وطنية مستقلة حقا في حوار بناء، والانطلاق -مجردين من كل تواريخنا وعقدنا- نحو الفضاء الرحب الذين يتسع لكل المناضلين حقا، مستذكرين في هذا المقام كلمات الأديب الفلسطيني الراحل محمود درويش التي تقول:
ما أوسع الثورة،
  ما أضيق الرحلة،
  ما أكبر الفكرة،
  ما أصغر الدولة!
ولا حول ولا قوة إلا بالله.

المصدر : الجزيرة

التعليقات