نواف الزرو

نواف الزرو


الأبعاد السياسية للحراك
المشهد السياسي الإسرائيلي الراهن
في إطار الإجماع الصهيوني
نحو الحرب أم الاستيطان أم الانتخابات المبكرة؟

لا نبالغ في الربط الإستراتيجي ما بين ثلاثية الحراك الشعبي الإسرائيلي الذي يحمل ظاهريا طابعا اقتصاديا معيشيا، وحالة "السلام المستحيل" الذي يراوح مكانه منذ مدريد عام 1991، وهستيريا الاستيطان في أنحاء القدس والضفة الغربية.

فبينما نتابع في المشهد الإسرائيلي تسيد الحراك الشعبي المتصاعد ضد قيادة نتنياهو وغلاء الأسعار وضائقة السكن وغير ذلك، نتابع في المشهد الفلسطيني الماثل اليوم، ليس فقط فشل عملية السلام وانغلاق الأفق السياسي التسووي تماما، بل نتابع كذلك حربا إسرائيلية شرسة على المستوى الدولي لإجهاض مشروع الدولة الفلسطينية المزمع تقديمه أمام الأمم المتحدة، في الوقت الذي نتابع فيه على الأرض حروبا إسرائيلية أخرى ضد الشعب الفلسطيني، تمتد من الحصارات والحواجز والأطواق العسكرية، إلى جدار الضم والتهويد، إلى حملات واجتياحات الجيش والمستوطنين ضد المدن والقرى وكل الأمكنة الفلسطينية، إلى التغول الاستيطاني على الأرض العربية المحتلة، حيث تقوم جرافاتهم برسم ونحت الخريطة الجيوديمغرافية على امتداد مساحة الضفة الغربية، مدمرة أي احتمال للتسوية، وأي أفق للسلام المزعوم.

الأبعاد السياسية للحراك

"
لولا سياسات الحروب والأمن والاستعمار الاستيطاني في القدس والضفة، لما تفجرت المشاكل الاقتصادية المتفاقمة التي أخذت تفرخ خياما احتجاجية في مختلف أنحاء إسرائيل
"
فالحراك الشعبي الإسرائيلي الذي يطالب بـ"العدالة الاجتماعية" وبـ"دولة الرفاه"، ويحظى حسب أحدث استطلاع بدعم 88% من الإسرائيليين الذين أكد 53% منهم استعدادهم للمشاركة في المظاهرات، ولم يسبق له مثيل في تاريخ "إسرائيل"، قد يبدو للناظر والمتابع من بعيد أنه ينطوي فقط على عوامل ومحركات اقتصادية داخلية صرفة، مثل شلل الخدمات في قطاعات الصحة والتعليم، وغلاء الأسعار وضائقة السكن، وقصور لدى القيادة الإسرائيلية في إدارة شؤون الدولة والمجتمع، له من الأسباب والمفجرات السياسية ما له أيضا.

فلولا سياسات الحروب والأمن والاستعمار الاستيطاني في القدس والضفة، التي خصصت وتخصص لها  المليارات من الدولارات، لما تفجرت مثل هذه المشاكل الاقتصادية المتفاقمة التي أخذت تفرخ خياما احتجاجية، بلغت حسب تحقيق للشرطة الإسرائيلية في جميع المدن نحو 3383 خيمة منها 2300 منصوبة في مدينة تل أبيب و410 خيام في مدن بوسط إسرائيل و245 في القدس و200 خيمة في جنوب البلاد و130 في شمالها و98 في منطقة السهل الساحلي، وتبين أنه لا توجد أية خيام في المستوطنات لأن المستوطنين لا يشاركون في هذه الاحتجاجات.

يقول الثوري اليهودي السابق كوهين بنديت الذي قاد احتجاجات الطلبة في باريس عام 1968 "إن الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية والنشاط الاستيطاني هما من أبرز أسباب عمق الأزمة الاقتصادية والاجتماعية في إسرائيل"، وقال الثوري الملقب "داني الأحمر": "هذا الجنون الاقتصادي للاحتلال والمستوطنات هو الذي أشعل الاحتجاجات (القدس 4/8/2011)".

فالحكومات الإسرائيلية المتعاقبة على مدى العقود الماضية من عمر الدولة الصهيونية، وعلى نحو محدد من احتلال الضفة الغربية عام 1967، كرست ولا تزال برامجها السياسية على "أرض إسرائيل الكاملة"، وعلى الاستيطان في أنحاء "يهودا والسامرة -أي الضفة الغربية- والقدس، وعلى الهجرة اليهودية وطرد الفلسطينيين وغير ذلك، كما أغدقت تلك الحكومات عشرات البلايين من الدولارات على ميزانيات جيشها وأجهزتها الأمنية المختلفة، وكذلك على دعم وتغذية وتقوية قاعدتها الاجتماعية المكونة من اليمين واليمين المتشدد العلماني والديني، وكذلك على المدارس الدينية التوراتية العنصرية الإرهابية التي تفرخ على مدار الساعة المزيد من المستوطنين التوراتيين الإرهابيين الذين يعتبرون المجرم باروخ غولدشستاين -منفذ المجزرة في الحرم الإبراهيمي- مثلهم الأعلى.

المشهد السياسي الإسرائيلي الراهن
وفي البعد السياسي كذلك، تربط بعض المصادر الإسرائيلية ربطا جدليا ما بين الحراك الشعبي وعملية المفاوضات والاستيطان، إذ تعتبر أن مراوحة المفاوضات منذ سنوات بلا أي إنجاز حقيقي لها من التداعيات السلبية ما لها.

فالحكومات الإسرائيلية المتعاقبة انشغلت باستثمار مظلة المفاوضات في كسب الوقت الذي يتيح لها إقامة المزيد والمزيد من حقائق الأمر الواقع الاحتلالي التهويدي على الأرض، فتلك القيادات تجمع من جهة أولى على "استحالة السلام" الذي يعني في الحاصل -إذا ما تم- انسحابا إسرائيليا من الأرض المحتلة وإقامة الدولة الفلسطينية، وتجمع من جهة ثانية على ثلاثية الهجرة اليهودية والسطو على الأرض وزرعها بالمزيد من المستعمرات، إلى جانب تدمير مقومات الصمود والبقاء والاستقلال الفلسطيني.

وهم يجمعون في الخريطة السياسية الحزبية الصهيونية ليس فقط على استحالة التوصل إلى سلام مع الفلسطينيين والعرب، وإنما على عدم السماح بقيام دولة فلسطينية مستقلة ما بين البحر والنهر.

"
في استحالة السلام أعلن نتنياهو مرارا بمنتهى الوضوح أن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي غير قابل للحل ما دام الفلسطينيون لا يعترفون بإسرائيل كدولة يهودية
"
وفي استحالة السلام أعلن نتنياهو مرارا بمنتهى الوضوح أن: "الصراع الفلسطيني الإسرائيلي غير قابل للحل ما دام الفلسطينيون لا يعترفون بإسرائيل كدولة يهودية" (وهذا شرط تعجيزي يخفي وراءه الاستحالة)، بينما كان نتنياهو استبق هذا التصريح بسلسلة لاءات أغرقت عملية المفاوضات، وتكفي لنسف أي تسوية من أساسها، إذ كرر التمسك بـ"القدس موحدة تحت السيادة الإسرائيلية"، وبـ"بقاء الاستيطان" و"تواجد جيش الاحتلال في منطقة الأغوار المحاذية للأردن"، و"الاعتراف بيهودية إسرائيل" و"أن تكون الدولة الفلسطينية منزوعة السلاح"، وأن تحل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين خارج حدود إسرائيل، و"اتفاق السلام يجب أن يضع حداً للنزاع والمطالب الفلسطينية"، وتنسحب لاءات واشتراطات نتنياهو هذه على كل القيادات الإسرائيلية.

وإلى جانب صناعة "السلام المستحيل"، نتابع هستيريا الاستيطان والتهويد، فهم يواصلون العمل على الأرض الفلسطينية، فيتخذون القرارات ويصادقون على المشاريع، ويتحركون في جسم الضفة الغربية حرثا وتهديما واستيطانا.

هكذا هي حقيقة المشهد السياسي الإسرائيلي، ولا يبدو أن هناك أفقا لأن يتغير نتنياهو أو تتغير السياسات الإسرائيلية مستقبلا!

في إطار الإجماع الصهيوني
وعلى صلة جوهرية بشأن الحراك والسياسة أيضا، قد يذهب البعض في قراءة الحراك الشعبي الإسرائيلي على أنه ربما يكون بداية لتفكك المجتمع والمشروع الصهيوني، وهذا حلم لدى الكثيرين، فالكثيرون راهنوا سابقا ولا يزال البعض يراهنون على تفكك وانهيار المجتمع الصهيوني من الداخل، أو أنه قد يؤدي في النهاية إلى قرار إسرائيلي بالانسحاب من الأراضي المحتلة، لغاية توجيه المليارات المتوفرة لإنقاذ تلك الدولة من الأزمات والضائقات الاقتصادية، غير أن الخريطة الإدراكية الصهيونية، وخريطة الرأي العام الإسرائيلي، تشير إلى غير ذلك.

والخريطة الإدراكية الإسرائيلية منشغلة دائما وفق المرحوم الدكتور عبد الوهاب المسيري بثلاثة هواجس تهيمن عليها هي: الهاجس الديمغرافي وهاجس نهاية وجود إسرائيل كدولة يهودية، وهاجس حق العودة وتقرير المصير لملايين اللاجئين الفلسطينيين، ويلاحظ أن كل البرامج السياسية الأمنية والاستيطانية الإسرائيلية من وحي هذه الهواجس الوجودية.

لذلك، عملت القيادات والأحزاب الصهيونية على تثقيف وتكوين وبلورة اصطفافات شعبية وراء برامجها الاستعمارية، وسياساتها الحربية والاستيطانية، وتشير استطلاعات الرأي العام الإسرائيلي التي تنشر تباعا شهريا إلى شبه إجماع على بقاء وتخليد الاحتلال للقدس والضفة الغربية، وإلى شبه إجماع على عدم السماح بعودة اللاجئين، وعدم السماح بإقامة دولة فلسطينية مستقلة.. وغير ذلك. 

وفي ذلك يستخلص عالم الاجتماع الإسرائيلي البروفيسور يهودا شنهاف من قراءته لمسار الاحتجاجات الإسرائيلية أنها حراك داخل الإجماع الصهيوني: عن عرب 48 (05/08/2011) وأنها "احتجاجات وطنية إسرائيلية وصهيونية، ومع كلّ يوم يمرّ هناك أعلام إسرائيلية أكثر وأكثر على الخيام، فالاحتجاجات المعادية للصهيونية لا تنجح في إسرائيل".

"
عملت القيادات والأحزاب الصهيونية على تثقيف وتكوين وبلورة اصطفافات شعبية وراء برامجها الاستعمارية وسياساتها الحربية والاستيطانية
"
ويبدو أن هذه هي الحقيقة الكبرى في المشهد الاحتجاجي الإسرائيلي، فالاحتجاجات المعادية لا تنجح، فلو أجري استطلاع للرأي العام الإسرائيلي حول الانسحاب من القدس والضفة الغربية، أو حول إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، أو حول حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى وطنهم وممتلكاتهم المهودة، فماذا ستكون النتائج يا ترى؟!

نتوقع أن تكون بالأغلبية الساحقة إلى حد كبير ضد الانسحاب وضد الدولة وضد العودة!

نحو الحرب أم الاستيطان أم الانتخابات المبكرة؟
وتبقى الأسئلة الكبيرة في ضوء كل ذلك: ما الخيارات أمام نتنياهو في مواجهة مأزقه، وما السيناريوهات المنتظرة؟!

فهل يذهب نتنياهو نحو حرب عدوانية ضد غزة أو لبنان مثلا، تتسيد المشهد الإسرائيلي والإقليمي لتختفي في ظلالها كل الأزمات والتفجرات الاجتماعية والاقتصادية الإسرائيلية؟

أم يشن حملة استيطانية تهويدية مكثفة في القدس والضفة الغربية؟ أم تسقط حكومته ويذهب إلى انتخابات مبكرة؟

المؤشرات الأولى تتحدث بدءا عن اعتزام الشرطة الإسرائيلية إخلاء معسكرات خيام الاحتجاج المنتشرة في المدن الإسرائيلية، وذلك بذريعة الاستعداد لمواجهة مظاهرات ضخمة محتملة في الضفة الغربية في سبتمبر/أيلول المقبل بالتزامن مع التصويت في الجمعية العامة للأمم المتحدة على المسعى الفلسطيني لنيل اعتراف دولي بدولة فلسطينية، وتعتبر قيادة الشرطة الإسرائيلية أنه من أجل الاستعداد والتفرغ للحلبة الفلسطينية يتعين إخلاء خيام الاحتجاج في المدن الإسرائيلية.

ألا يمكن اعتبار هذا التوجه تصديرا وتسييسا للأزمة الاقتصادية الاجتماعية الإسرائيلية؟!

وفي البعد الحربي، تتزايد التقديرات التي تتحدث عن احتمالية شن نتنياهو حربا على غزة أو على لبنان للهروب من المأزق الداخلي، وحسب المصادر الإعلامية الإسرائيلية فإن مثل هذا الاحتمال الحربي يتزايد لدى نتنياهو، وفي صميم هذه العلاقة والمعادلة الجدلية ما بين الحراك والأزمة والمأزق والهروب نحو الحروب، قال الوزير سيلفان شالوم في مقابلة تلفزيونية "إنّ من بين أسباب اندلاع الاحتجاجات الاجتماعية هو الهدوء الأمني الذي يسود في السنوات الأخيرة بما يتيح للجمهور التركيز على قضايا المجتمع والاقتصاد"، مما يستشف منه أنّ المخرج من هذا المأزق الاقتصادي الاجتماعي المتفاقم هو هروب من الهدوء الأمني إلى الخيارات الحربية كي تعود لاحتلال قمة الأجندات الإسرائيلية مجددا.

إلى ذلك، نتابع الهروب الإسرائيلي إلى الجبهة الاستيطانية، فوفق أحدث تطورات المشهد الفلسطيني الماثل اليوم في ظل الحراك الإسرائيلي نتابع بلدية القدس الاحتلالية تصادق على بناء نحو 4300 وحدة استيطانية جديدة في أنحاء القدس.

و42 وزيراً وعضو كنيست يوقعون على عريضة تطالب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بحل أزمة السكن من خلال البناء في المستوطنات. والناشط اليميني موشيه فيجلين -منافس نتنياهو- يقترح في مقالتين نشرهما على موقع ''أن أر جي" (25/7/2011 و31/7/2011) تعزيز الاستيطان في الضفة الغربية من أجل حل الأزمة العقارية في "إسرائيل".

"
هل يذهب نتنياهو نحو حرب عدوانية على غزة أو لبنان مثلا، أم يشن حملة استيطانية تهويدية مكثفة في القدس والضفة الغربية؟ أم تسقط حكومته ويذهب إلى انتخابات مبكرة؟
"
وعلى طاولة الكنيست الإسرائيلي وضع مشروع قانون بتغيير التعريف الدارج لإسرائيل كـ"دولة يهودية ديمقراطية"، لتُعرف على أنها "الدولة القومية للشعب اليهودي"، مما يؤجج مناخات العنصرية الصهيونية.

إسرائيليا أيضا يبقى السؤال: هل موجة الاحتجاجات ستسقط حكومة نتنياهو؟ حسب المؤشرات الإسرائيلية فإن أطراف الائتلاف الحاكم وأكثر أعضاء الكنيست لا يستعجلون الانتخابات. وحزب كديما ليس في صورة البديل الآن. ولكن، الأهم من كل ذلك هو تداعيات هذه السيناريوهات الإسرائيلية على الفلسطينيين والعرب!

نعتقد أن الكرة في الملعب الفلسطيني والعربي، فعلى قدر ما نستحضر من أوراق القوة والضغط والفعل الحقيقي على قدر ما نتقدم في التصدي للقضية والتحديات!

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك