نبيل شبيب

نبيل شبيب

كاتب وباحث إسلامي


- الفتك الاستبدادي بالعلويين وسواهم

- التسلط هو الهدف والمعيار
- إسقاط الاستبداد دون فتنة طائفية

 

لم تنقطع محاولات النظام القائم في سوريا لمواجهة الثورة الشعبية بمختلف الوسائل غير المشروعة، ومنها إثارة الفتن بجميع أنواعها بين الفئات والطوائف المتعددة في النسيج الشعبي الواحد.

 

فكانت منها محاولة استمالة المواطنين الأكراد بالاستجابة إلى طلبهم المعلّق منذ أكثر من نصف قرن بأن يستعيدوا الجنسية المسلوبة منهم دون حق، ومنها إشاعة الاتهامات أنّ وراء الثورة جهات إسلامية متعصّبة يطلق عليها وصف الإرهابية والسلفية والإخوانية وغيرها.

 

أخفق النظام في ذلك.. ولا يُنتظر أن ينجح في عودته الآن لِما بدأت بطرحه بثينة شعبان في الأسبوع الأول من الثورة، ليركّز مجدّدا على إثارة فتنة الطائفية، وعلى وجه التخصيص إثارة الرعب لدى المواطنين العلويين، لا لتبرير قمع المدنيين المشاركين في الثورة من مختلف الطوائف والفئات فحسب، بل كذلك من أجل تجنيد من يمكن تجنيدهم من أبناء الطائفة العلوية الكريمة ضد إخوانهم وأخواتهم من أبناء الشعب الواحد.

 

"
الأدلة كثيرة من الوقائع التاريخية، وتبيح القول إن وصف النظام بالسوري أو البعثي أو الجمهوري أو العلويّ وصف مضلّل، فهو نظام "أسديّ" فقط، أركانه الموالون لعائلة الأسد نسبا وصهرا، وأعوانه المنتفعون بشروطها وتحت سيطرتها
"
الفتك الاستبدادي بالعلويين وسواهم
يجب أن يعي الجميع لاسيّما المواطنون العلويون:
1- ليس للاستبداد دين ولا مذهب ولا اتجاه ولا انتماء، ولا يدافع من خلال التسلّط والفساد عن ديانة أو طائفة أو اتجاه سياسي أو انتماء قومي، إنّما يعمل أولا وأخيرا لاستبقاء نفسه، بأيّ ثمن.

 

2- الجميع في نسيج الشعب السوري ضحايا الاستبداد دون استثناء، ولئن صحّ القول بأن طرفا من الأطراف كان ضحية أكثر من سواه للممارسات الاستبدادية، فهو طائفة العلويين تخصيصا، ولا يقتصر ذلك على "تهييج" الرعب في أوساطهم، وعلى توظيف من يمكن توظيفه منهم لأغراض الاستبداد والفساد، لاسيما ممارسة القمع الهمجي، وعلى محاولة إثارة النقمة لدى سواهم ضدّهم، وبالتالي تعريضهم لخطر الاستهداف بزعم الانتقام الأهوج منهم، بل يشمل هذا القول كونَهم ضحيّةً أولى لجميع ما مارسه الحكم القائم منذ 41 سنة ضدّ الطائفة العلوية (كسواها) قتلا واعتقالا وتعذيبا وتشريدا.

 

الأدلة كثيرة من الوقائع التاريخية، وتبيح القول إن وصف النظام بالسوري أو البعثي أو الجمهوري أو العلويّ وصف مضلّل، فهو نظام "أسديّ" فقط، أركانه الموالون لعائلة الأسد نسبا وصهرا، وأعوانه المنتفعون بشروطها وتحت سيطرتها، وأعداؤه هم جميع من لا يواليها، وليس من يعاديها فقط.

 

كانت المرحلة الأولى بعد السيطرة على السلطة هي السنوات السبع الفاصلة بين الانقلاب الذي حمل اسم حزب البعث يوم 8/3/1963، والانقلاب الذي أدى إلى انفراد حافظ الأسد وإخوته ومواليه بالسلطة يوم 16/10/1970.

 

وكان من وراء الانقلاب الأول ومسلسل الانقلابات أثناء تلك السنوات السبع، ما عُرف باللجنة العسكرية التي تشكّلت في مصر سرا عام 1959 (سبق تشكيل لجنة بعثية سرية بالاسم نفسه في سوريا، ويمكن القول إنّ تشكيلتها الثانية في مصر كانت من جانب مَن قطعت وحدة مصر وسوريا عام 1958 عليهم طريق تنفيذ مخططهم للوصول إلى السلطة) وشملت في البداية خمسة أفراد ثم توسّعت لتضمّ 15 فردا، بزعامة مؤسسيها محمد عمران وصلاح جديد وحافظ الأسد.

 

هذه هي الأسماء الثلاثة الأبرز من بين العلويين الخمسة (ثلث أعضاء اللجنة) في السيطرة على الجيش السوري وعلى حزب البعث، خلال السنوات التالية (وقد ضمّت اللجنة عددا من الإسماعيليين والدروز والسنّة).

 

كانت المسيرة مشتركة، وكان لكلّ طرف مهمّة، ولكن:
1- كان أبرز ضحايا المرحلة الأولى علويا محمد عمران، رفيق درب الأسد، فبعد صراعات بعثية وعسكرية داخلية، اضطر للجوء إلى المنفى بلبنان عام 1967 (بينما أصبح الأسد بعد تسليم القنيطرة دون قتال في حرب 1967 وزيرا للدفاع) ومات محمد عمران اغتيالا يوم 4/3/1972، أي بعد أن انفرد رفيق دربه حافظ الأسد بالسلطة عبر انقلاب 1970 وبعد أن استلم الرئاسة رسميا عام 1971.

 

2- كان الضحية الثانية في تلك المرحلة الأولى علويا أيضا، صلاح جديد رفيق درب الأسد، وقد تولّى مهمّة الهيمنة على حزب البعث (أو استلابه) عبر التخلص تدريجيا من معظم قياداته، وعبر رفع عدد أعضائه المدنيين الموالين للسلطة بطرق عشوائية إذ لم يكن يتجاوز أربعمائة عضو يوم الانقلاب البعثي 1963، ثمّ كان انقلاب 16/11/1970 الذي سمّاه الأسد حركة تصحيحية، انقلابا على صلاح جديد، وبالتالي للسيطرة المباشرة على الحزب إلى جانب الجيش.

 

وكان الحزب قد عقد بمبادرة من صلاح جديد المؤتمر الاستثنائي العاشر قبل أقلّ من شهر من "الحركة التصحيحية"، واتخذ قرارا بعزل الأسد من منصب وزير الدفاع، وعزل مصطفى طلاس الموالي له من منصب رئاسة الأركان، فكان مصير صلاح جديد من ريف جبلة، 23 سنة في زنزانة انفرادية، حتى مات في سجن المزة بدمشق يوم 19/8/1993.

 

3- وكانت رئاسة الدولة آنذاك لنور الدين الأتاسي، من حمص، ولم يكن علويّا ولكن ارتبط بصلاح جديد حزبيا، فكان مصيره مثل مصيره، زنزانة انفرادية أخرى، قضى فيها 22 سنة، قبل أن يخرج منها مريضا لا رجاء في شفائه، ومات فعلا في باريس يوم 2/12/1992م.

 

"
يمارس الشعب من خلال وعي ثواره وصمودهم، من مختلف الطوائف والفئات والانتماءات، أقصى درجات الحيطة والحذر مع بذل التضحيات البطولية المتواصلة، للحيلولة دون أن يتمكّن النظام من إشعال الفتنة
"
4- لا حاجة لتعداد مصير بقية أعضاء "اللجنة العسكرية" ولكن يحسن ذكر عبد الكريم الجندي من السلمية، مثالا من بينهم، وكان من طائفة الإسماعيليين، وهي أيضا من نسيج الشعب السوري الواحد، وقد شغل منصب رئيس الأمن القومي ورئيس إدارة المخابرات العامة بعد التخلص من القيادة القومية لحزب البعث، ولكن حافظ الأسد (وزير الدفاع) حرص على جمع أسباب التسلط في يديه، فأسس مخابرات سلاح الجوّ وعهد بها إلى محمد الخولي الموالي له، كما امتنع عن وضع المخابرات العسكرية في نطاق المخابرات العامة أو جهاز الأمن القومي.

 

وعندما أراد التخلّص من عبد الكريم الجندي نهائيا، أرسل أجناده فاختطفوا مساعديه وأنصاره من مكتبه، وكانت نهاية عبد الكريم الجندي الانتحار يوم 2/3/1969، وقد ترك رسالة يحذر فيها من مطامع حافظ الأسد.

 

مثال عبد الكريم الجندي من بين أعضاء اللجنة العسكرية يشير إلى نهاية دوره بالانتحار، الذي أصبح عنوانا لنهاية ضحايا آخرين -من العلويين وسواهم- في مسيرة التسلّط الأسدية في مراحلها التالية:


1- أبرز الأمثلة المعروفة على انتحار "رفاق الدرب" من غير العلويين، محمود الزعبي رئيس الوزراء السابق بين عامي 1987 و2000، وقد حانت نهايته في غمرة الإعداد المكثف -أي حملة تطهير للقيادات- الذي شمل المئات لتوريث بشار الأسد منصب الرئاسة، والتخلّص من "أركان" التسلط التي قد تمتنع عن موالاته.

 

فعُزل الزعبي من منصبه واتهم بالفساد، ووضع تحت الإقامة الجبرية، ثم قيل إنّه انتحر يوم 21/5/2000، قبل وفاة الأسد الأول يوم 10/6/2000 بثلاثة أسابيع فقط.

 

2- ومن أبرز الأمثلة المعروفة على انتحار "رفاق الدرب" من العلويين غازي كنعان، الذي كان أداة سلطة حافظ الأسد في لبنان زمنا طويلا، ثم كان من حراس سلطة بشار الأسد في سوريا عبر منصب وزير الداخلية، وقيل إنّه انتحر يوم 12/10/2005 في غمرة التعامل الدولي مع اغتيال الحريري وظهور مؤشرات على احتمال أن يصبح "كبش الفداء" على هذا الصعيد.

 

ولكن ما يلفت النظر أن رحيله واكب ترحيل آخرين (مثل عبد الحليم خدام) من بقايا من كانوا يوصفون بالحرس القديم من عهد الأسد الأب، لصالح من يمكن وصفهم بالحرس الجديد حول الأسد الابن.

 

التسلّط هو الهدف والمعيار
لا يتسع المجال لمزيد من التفصيل حول ضحايا مسيرة التسلّط عبر 41 سنة مضت على العهد الأسدي المزدوج، ومن أراد فليتابع مصير آخرين من اللجنة العسكرية نفسها ومن سواهم من رفاق الدرب، من مختلف الطوائف بما يشمل الطائفة العلوية، أي من "السوريين" جميعا.

 

ولن يجد لمعظمهم مصيرا مختلفا إلا في بعض التفاصيل اغتيالا وانتحارا واعتقالا ونفيا، ومن حيث التوقيت المناسب، مثل عثمان كنعان وسليمان حداد من العلويين، وأحمد المير ملحم من الإسماعيليين، وسليم حاطوم وحمد عبيد من الدروز، وأمين الحافظ وموسى الزعبي ومصطفى الحاج علي وأحمد سويداني وحسين ملحم ومحمد رباح الطويل من السنّة.

 

ومنهم أيضا -في المرحلة التمهيدية للحركة التصحيحية الأسدية- محمد نبهان البعثي العلوي الشريك في محاولة انقلاب جاسم علوان الناصري في يوليو/ تموز عام 1963، ومن "الضحايا" أيضا المقدم عزت جديد العلوي، أحد أبرز أنصار صلاح جديد العسكريين من قيادة اللواء السبعين، الذي كانت له أهميته السياسية والإستراتيجية.

 

كان الهدف هو التسلّط وكانت الوسيلة هي التخلّص بمختف الوسائل غير المشروعة، من المنافسين وغير الموالين، سيّان من أيّ طائفة، ويشير إلى ذلك النهج سامي الجندي، من مؤسسي حزب البعث، وقد شغل منصب وزير الإعلام عقب الانقلاب البعثي في 8/3/1963.

 

"
سقوط الاستبداد الفاسد سيفتح الأبواب -رغم مخلّفاته الخطيرة- أمام عودة الحياة الطبيعية القائمة اجتماعيا وسياسيا على أساس التعددية التي تحميها القيم الحضارية المشتركة
"
يقول الجندي "بعد ثلاثة أيام من دخولي الوزارة جاء الرفاق يطالبون بعملية تنظيف واسعة.. كان مقياس نجاح الوزير تحدّده قوائم التسريحات، فالحزبيون وأقرباؤهم وبنو عشائرهم "جاؤوا" يطالبون بحقوق النضال والقربى".

 

هذه الصيغة التي بدأت مع الانقلاب البعثي بلغت مداها الأقصى تطبيقيا بعد الانقلاب الأسديّ، وهنا لم يعد يقف التخلّص من غير الموالين عند حدود (بما فيها حدود "الأسرة الواحدة") وأبرز أمثلتها المعروفة من العلويين رفعت الأسد، شقيق حافظ وحارس السلطة عبر مليشيا "سرايا الدفاع" بين 1970 و1984 (التي أصبحت بعد حلها قوام الحرس الجمهوري بقيادة ماهر الأسد شقيق بشار وحارس سلطته) ورفعت الأسد هو المسؤول عن مجازر 1979-1982 في حلب وجسر الشغور وتدمر وحماة.

 

وكان جزاؤه عند تمرّده على سلطة أخيه الأكبر حافظ الأسد النفي المؤقت عام 1984 و1985 ثم النفي النهائي عام 1998 (بدأ الإعداد للتوريث سنة 1995) بعد القضاء عسكريا على بقايا مواقعه المسلحة في محافظة اللاذقية، ممّا شمل العديد من الأقرباء في العائلة الواحدة.

 

وأبرز الأمثلة من غير العلويين عبد الحليم خدام، محافظ حماة عند اقتحامها بالدبابات سنة 1964، ومحافظ القنيطرة وشريك وزير الدفاع حافظ الأسد في الإعلان عن سقوطها والأمر بالانسحاب الكيفي قبل سيطرة الإسرائيليين عليها، ثم كان رئيسا للوزراء أثناء مذابح جسر الشغور وتدمر وحماة وأخواتها بين 1979 و1982.

 

وتقرّر في عهد بشار الأسد التخلّص منه في إطار تصفية بقايا الحرس القديم، ففصل أو انشق في 12/2005، وبعد فراره أو نفيه من سوريا حوكم غيابيا، وحُكم يوم 17/8/2008 بالسجن 13 سنة.

 

إسقاط الاستبداد دون فتنة طائفية
بعد هذه "الخبرة" التاريخية الطويلة، من الطبيعي أن يدرك شعب سوريا بمختلف طوائفه وأطيافه أن لعبة الفتنة الطائفية خطيرة يعبث النظام الحاكم بها دون مبالاة بما يمكن أن ينجم عنها، على حساب شعب سوريا، بما في ذلك المواطنون العلويون من هذا الشعب الواحد.

 

ويمارس الشعب من خلال وعي ثواره وصمودهم، من مختلف الطوائف والفئات والانتماءات، أقصى درجات الحيطة والحذر مع بذل التضحيات البطولية المتواصلة، للحيلولة دون أن يتمكّن النظام من إشعال الفتنة أثناء تهاوي أركانه وقدراته واحتراق أوراقه في مواجهة الثورة.

 

لم يسبق قبل هذا العهد الاستبدادي الطويل أن شهد تاريخ سوريا الحضاري المديد فتنا طائفية أو مذهبية أو عرقية، ويشهد على ذلك استمرار تنوّع نسيجه، محافظا على وجود جميع الأقليات فيه على امتداد قرون عديدة.

 

ولا ريب في أنّ سقوط الاستبداد الفاسد سيفتح الأبواب -رغم مخلّفاته الخطيرة- أمام عودة الحياة الطبيعية القائمة اجتماعيا وسياسيا على أساس التعددية التي تحميها القيم الحضارية المشتركة، وفي مقدمتها الحرية والكرامة والعدالة والأخوّة في ظلّ الوحدة الوطنية القويمة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك