عمر كوش

عمر كوش

كاتب وباحث سوري


 
القصور والنمذجة
من الطبيعي أن تستدعي الثورات العربية العديد من الدراسات والأبحاث والمؤلفات، نظراً لأن المتغيرات -التي تحملها- تمثل تحولات كبرى في التاريخ العربي المعاصر، وتسطّر مرحلة جديدة، بدأت بالتشكل منذ قيام الثورة التونسية، وما زالت رياحها تجتاح معظم البلدان العربية.
 
وستشكل هذه الثورات مادة بحث ودراسة لسنوات عديدة قادمة لدى دارسين وباحثين ومفكرين كثر، بغية معرفة أسبابها وظروفها وسيروراتها، ودراسة أبعادها وأساليبها وتداعياتها وإرهاصاتها، وتدوين أدق تفاصيلها، وبالأخص مكوناتها وفعالياتها وشعاراتها وأغانيها وعوامل نجاحها وسوى ذلك.

القصور والنمذجة
وفيما تتواتر التحليلات والدراسات العربية والدولية الساعية إلى إيجاد المعادل المفهومي، والتأطير النظري، لما جرى –وما زال يجري- في ثورات تونس ومصر وليبيا وسوريا واليمن وغيرها، فإن كثيرا من التعجل والقصور أصاب القسم الأعظم منها، نظراً لصدورها عن نفس منهج التفكير القديم، ونفس العدة البحثية أو الدراسية القديمة، بينما تتطلب الثورات منهج تفكير جديدا، وعدّة معرفية جديدة، نظراً لجدّتها وتفردها، حيث لم يشهد تاريخنا العربي الحديث -من قبل- ثورات شعبية كالتي تحدث في أيامنا هذه، وبالتالي لا يمكن معالجة المتغيرات والأوضاع الجديدة بأدوات وطرق تفكير قديمة، يسيطر عليها منطق الإسقاط والمقايسة المحكوم بالأدلجة.
 
وقد ثبت تقادم وبطلان هذا المنطق وقصوره في فهم الأحداث والتطورات وتفسيرها، بعيداً عن الخطابات المتكلسة لقوى السلطة والأحزاب العربية، التي برهنت الأحداث على بعدها عن الواقع في كل من مصر وتونس وسوريا وسائر البلدان العربية الأخرى.
 
يضاف إلى ذلك غلبة السمة التبريرية على كتابات الأكاديميين الذين يعملون في مراكز الأبحاث الأميركية والأوروبية، وكذلك العربية، حيث راح بعض الكتاب يعزف على وتر الخصوصية، فتارة الخصوصية مصرية، وتارة أخرى تونسية، مع العلم بأنه ليس بجديد القول إن لكل بلد ظروفه الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، التي لا تستدعي فصل مصر أو سوريا أو أي بلد عربي آخر عن فضائه الحضاري ومحيطه الإقليمي والدولي.
 
"
تجري محاولات للبحث عن نمذجة الثورات العربية، مع أن واقع الحال يشير بوضوح إلى أنه ليس هناك نموذج معين للثورات، لأن كل ثورة لها زمنها الخاص، ولها طابعها وسماتها المختلفة
"
كما أن بعض الكتاب والمحللين لجأ إلى تمجيد وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة -خصوصاً فيسبوك وتويتر- والتضخيم من دورها في إشعال الثورات والحراك الاحتجاجي في مختلف البلدان العربية، بينما الأجدى هو دراسة كيفية استفادة وتسخير الشباب العربي لأدوات التواصل الاجتماعي والتقنيات الحديثة، ودورها في تشكيل المجموعات الشبابية، التي تمردت على كافة الأبويات والأحزاب والتيارات السياسية والاجتماعية.
وتجري هنا وهناك محاولات للبحث عن نمذجة الثورات العربية، مع أن واقع الحال يشير بوضوح إلى أنه ليس هناك نموذج معين للثورات، لأن كل ثورة لها زمنها الخاص، ولها طابعها الخاص وسماتها المختلفة عن سواها من الثورات، بالنظر إلى اختلاف ظروف وتركيبة كل بلد، واختلاف مآلات تطور الأحداث والحيثيات التي تلعب فيها جملة من العوامل الداخلية والخارجية.
 
وعلى خلفية محاولات النمذجة يجري الحديث عن نموذجين، نموذج مصري للثورة وآخر تونسي، ثم تجري عملية قياس لهذين النموذجين على ما يجري في ليبيا وسوريا واليمن، وذلك بالاعتماد على بعض المفاعيل والعوامل المتشابهة، وهي قليلة بين الثورات العربية، وإبعاد الاختلافات والتباينات على كثرتها.
 
لا شك في أن الأجدى هو تبيان سمات الثورات العربية، وما الجديد فيها، والتفكير في مفهوم جديد للثورة، بدلاً من الاستناد والركون إلى مفهوم الثورة المتداول في الأدبيات المعروفة، والذي يعني حدوث انقلاب عميق وجذري في مختلف البُنى الاجتماعية والسياسية والثقافية، تنهض به فئات وشرائح واسعة من عامة الناس في المجتمع المعني، يقوده ناشطون سياسيون ومثقفون وخطباء.
 
وقد استقى هذا المفهوم تعبيراته ومركباته وتعيناته من الثورة الفرنسية التي قامت في عام 1789، والتي فسرت كآثار للأزمات والإشكاليات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي عرفتها فرنسا، ومعها أوروبا في ذلك الوقت، وجرى لها التحضير من طرف فلاسفة ومفكرين كثر طوال عقود مديدة من الزمن.
 
ومع مجيء الثورة الروسية -أو البلشفية- عام 1917، برز دور ما سمي "الحزب الطليعي" في قيادة الطبقة العاملة ومعها عامة الناس، وبرز فيها أيضاً قادة حزبيون ومثقفون كثر.
 
غير أن الثورات العربية لا تفسر بكونها آثاراً متوقعة لمختلف الأزمات والمشاكل والانهيارات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي عصفت بمختلف بلداننا العربية، لأن الثورة لا ترتهن إلى مثل هذا التفسير. ولا يمكن توقع قيام الثورة أو انتظار قدومها، لأن الثورة حدث بالمفهوم الدولوزي (نسبة إلى الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز)، يخلق مفهوماً جديداً في كل مرّة يحطّ فيها على الأرض في إقليم معين، ويعبّر عن تحولات وتغيرات عميقة في البشر والأشياء والعالم.
 
كما أن الثورة ليست نموذجاً منطقياً، يمتلك أهليته للتطبيق والإسقاط والتجريب في الدول والمجتمعات، حسبما تصورته الفلسفات الغائية والمثالية، لأنها تمثل خروجاً عن السائد والمألوف والبديهي، ولا هي شيء قابل للتفسير والتعليل، وتقع خارج كل الحسابات والتوقعات القبلية والتفسيرات البعدية. ولعل الثورة في حدوثها أقرب إلى عمل الخلق والإبداع، لتغدو حدثاً متفرداً لا يشبهه شيء.

ويلجأ بعض الكتاب والدارسين إلى منطق المقايسة بحثاً عن أوجه التشابه ما بين الثورات العربية والثورات التي حصلت قبلها في التاريخ الحديث، فتراهم يرجعون إلى شروط الثورة التي وضعها لينين، أو إلى المقايسة مع ظروف ومسببات الثورات التي أعلنت انتهاء الحرب الباردة وحصلت في دول أوروبا الشرقية. مع أن زمننا الحاضر يختلف موضوعياً عن زمن الثورات السابقة، وما يحصل في أيامنا هذه يختلف تمام الاختلاف عما جرى في الثورة الفرنسية أو الروسية أو الأميركية أو في دول شرق أوروبا.
 
"
الثورة ليست نموذجاً منطقياً، يمتلك أهليته للتطبيق والإسقاط والتجريب في الدول والمجتمعات، ولعل الثورة في حدوثها أقرب إلى عمل الخلق والإبداع، لتغدو حدثاً متفرداً لا يشبهه شيء
"
ذلك أن الثورة التونسية أو المصرية أو السورية لا يقودها ناشطون حزبيون، ولا تمتلك بلداننا العربية تراكماً ثورياً، لكونها لم تشهد في تاريخها الحديث سوى انقلابات دموية في خمسينيات وستينيات القرن العشرين المنصرم، قادها عسكر بعيدون كل البعد عن التقاليد الثورية، وعن تقاليد السياسة، ولم تحصل في أي بلد عربي ثورات شعبية، شارك فيها عامة الناس، كما حصل في تونس ومصر، ويحصل في اليمن وسوريا في أيامنا هذه. 

لا ينفي الكلام الآنف الذكر كون بلداننا العربية تعيش بوصفها جزءاً من عالم اليوم، وتتأثر بمختلف النظم السياسية والاجتماعية والقيم والتطورات العالمية، حيث تنظر الشعوب العربية -منذ عقود عديدة- إلى ما يدور حولها، وتتطلع إلى أن تنعم بدورها بالديمقراطية والحرية، وأن تعيش بكرامة في ظل دولة مدنية تعددية تحترم حقوق البشر، وتعاملهم كمواطنين لا كرعايا أو عبيد.
 
فقد حرمت قطاعات واسعة من شعوبنا -طويلاً- من الحرية، وانتهكت كرامتها، وسلبت أسباب عيشها الكريم، ولم تعد تحتمل مزيداً من الاستبداد والقمع من طرف الأنظمة التسلطية، التي أطلق العنان لأجهزة استخباراتها كي تمعن في انتهاك حقوق الناس وإذلالهم.
 
أكدت الثورات العربية هشاشة الأنظمة العربية التسلطية، إذ إنه بقدر ما كانت هذه الأنظمة تنحو نحو المركزة بحدودها القصوى، في الآليات القمعية والفكر الأحادي، فإنها هي ذاتها ولّدت الشروط الموضوعية لنهايتها واهترائها والتخلص منها.
 
فهناك ثورات عربية عظيمة، في تونس ومصر وليبيا واليمن، استفادت من إمكانيات قواها الحيّة وتطلعاتها للحرية والكرامة والديمقراطية، واستفادت وسخرت وسائل الاتصال والرقميات والإعلام، وتمكنت من إخفات محاولات إعادة إحياء الهويات المغلقة، والخصوصيات والولاءات ما قبل المدنية، ومختلف أشكال التمركز على الذات. 
  
وطالت الثورات العربية مستويات عديدة من النظام العربي، سياسية واجتماعية وقيميّة، ودفعت إلى واجهة الحياة العامة جيلاً جديداً من السياسيين والقادة الميدانيين، الذين قادوا ونظموا المظاهرات والاحتجاجات، وشكلوا اللجان والتنسيقيات في مختلف المدن والبلدات والأحياء.
 
ولعل الجديد الذي يجمع بين الثورات العربية هو أن محركها الشباب، التواق للتغيير نحو الأفضل، بعد أن عانى غالبية شبابنا في جميع البلدان العربية من سطوة المؤسّسات التسلطية والقمعية على مدى عقود عديدة من الزمن، لذلك اندفعت حركتهم الغاضبة ضد السلطة القامعة، وبرهنوا على أنهم يشكلون قوة جديدة لا يستهان بها، وتمتلك قدرة كبيرة على الإنجاز والاستعداد للتضحية بالأرواح، وقدموا مثالاً لقوة العمل المدني السلمي، بوصفه أشد نجاعة من اللجوء إلى العنف واستخدام السلاح، إلى جانب قدرتهم على توصيل أحداث مظاهراتهم وحراكهم ومطالبهم إلى أجهزة الإعلام باستخدام أحدث التقنيات المتوفرة لديهم، بالرغم من مختلف صنوف المنع والقيود والرقابة.
وأفرز مشهد الثورات العربية تبدلات جديدة في مولدات التحركات الشعبية، حيث برزت قوة الشباب بشكل لافت في توليد وصناعة الأحداث، مقابل عجز أحزاب المعارضة السياسية التقليدية، وعدم قدرتها على تحريك الشارع أو السيطرة عليه، الأمر الذي جعلها تلتحق متأخرة بالحراك الثوري، بعد أن كانت تبدو وكأنها تعيش في حيّز بعيد عن هموم الناس ولا يتعلق بواقعهم المعاش، لذلك فهي مطالبة بإعادة النظر في تركيبتها والقيام بتقديم جرد حساب لأدوارها وبرامجها وأساليب عملها.
 
"
قدمت الثورات العربية مثالاً جديداً لشعوب العالم -التي ما زالت ترزح تحت نير السلطة الشمولية- في كيفية المواجهة السلمية وحشد طاقات الشباب المتمكن من استخدام تقنيات التواصل في مواجهة تقنيات وأساليب السلطة
"
أما الأحزاب السلطوية التي يصل تعداد أنصارها إلى المليون وأكثر في كل بلد عربي، فقد كشفت الأحداث هشاشتها وانتهازيتها، وأنها تختفي وتغيب تماماً عن المشهد حين ينزل المحتجون والغاضبون إلى الشوارع والساحات، فاسحة المجال لتحوّل العديد من أعضائها وأنصارها إلى قتلة من "الشبيحة" و"البلطجية".
 
ويعبّر بروز قوة الشباب العربي عن لحظة تحوّل من منظومة سياسية وخطابية وأخلاقيّة قديمة ومحافظة، مدارها القمع والضبط والمراقبة والملاحقة، إلى منظومة جديدة أكثر انعتاقاً، تتمحور حول ضرورة الإطاحة بالأفكار الكليانية والشمولية، وإنزالها من عليائها وغطرستها، وحول التمرد على مختلف الأطر المنهجية والمقولات الحتمية والشمولية، المدعية للشرعية المطلقة في جميع المجالات، والصالحة لكل مكان وزمان.
 
وعليه، فقد قدمت الثورات العربية مثالاً جديداً لشعوب العالم -التي ما زالت ترزح تحت نير السلطة الشمولية- في كيفية المواجهة السلمية وحشد طاقات الشباب المتمكن من استخدام تقنيات التواصل في مواجهة تقنيات وأساليب السلطة، الأمر الذي سيفضي إلى انتقال تداعياتها وإرهاصاتها إلى سائر بلدان العالم الأخرى التواقة للانعتاق والخلاص من أنظمة التسلط والشمولية.

المصدر : الجزيرة