ماجد كيالي

ماجد كيالي

كاتب فلسطيني


 
منذ انقسام الكيان الفلسطيني في الضفة والقطاع منتصف عام 2007 بين سلطتي فتح وحماس، بات الفلسطينيون على المستوى الداخلي مهمومين بما يسمى عملية المصالحة بين الفصيلين الكبيرين، وبإعادة اللحمة إلى كيانهم في الضفة والقطاع.
 
انقسام سياسي وأزمة وطنية، لكن -ودون التقليل من أهمية الجهود المبذولة لإنجاز عمليتي المصالحة وإعادة اللحمة- لا ينبغي صرف الانتباه عن العوامل التي حوّلت هذا الشرخ السياسي في الساحة الفلسطينية إلى أزمة وطنية شاملة، فمن دون إدراك تلك العوامل والتعامل معها، لا يمكن معالجة نتائجها بالطريقة المناسبة، ولا الحؤول دون إعادة إنتاجها مجدداً.
 
في هذا الإطار، يكون بديهيا أن ثمة عوامل موضوعية تكمن وراء مفاقمة الأزمة الوطنية الفلسطينية، يأتي ضمنها: الخلل في موازين القوى -كما في المعطيات الدولية والإقليمية- لصالح إسرائيل، مما يترتب عليه عجز الحركة الوطنية للفلسطينيين عن إنجاز أهدافها في مواجهة عدوها، رغم مضي عقود عديدة على قيامها، فهنا تكمن أزمة المقاومة والانتفاضة، وأزمة التسوية والمفاوضة، وكذلك أزمة القيادة والسلطة والبنية.
 
الأزمة في عواملها الذاتية
مع ذلك ثمة عوامل ذاتية عديدة أيضا أسهمت بدورها في ولوج الحركة الوطنية للفلسطينيين بوابة الاختلاف والتنازع والاقتتال والانقسام، منها: غياب آليات الحراك الداخلي الديمقراطي، وهشاشة المؤسسات السياسية المرجعية، وشيخوخة البنى الفصائلية، والاعتماد على الموارد الخارجية، والقابلية للتوظيفات السياسية الإقليمية.
 
أما العوامل التي رسّخت واقع الاختلاف والانقسام الفلسطينيين، فتكمن أساساً في أفول ذهنية حركة التحرر الوطني، وطغيان ذهنية وعلاقات السلطة، وتآكل المجال الاجتماعي، في مقابل صعود ظاهرة المتفرغين (أو المحترفين) في الأجهزة السلطوية (لا سيما الأمنية و"المليشياوية"). كما يمكن أن نسجل ضمن هذه العوامل انصراف الطبقة الوسطى -وضمنها المثقفون- عن البنى الفصائلية السائدة، وكلها تحولات أفضت إلى نكوص المشروع الوطني، أو إلى أفوله.
 
"
العوامل التي رسّخت واقع الاختلاف والانقسام الفلسطينيين تكمن أساساً في أفول ذهنية حركة التحرر الوطني، وطغيان ذهنية وعلاقات السلطة، وتآكل المجال الاجتماعي
"
ويستنتج من ذلك أن حل أزمة الحركة الوطنية الفلسطينية من مدخل المصالحة بين فتح وحماس، أو من مدخل إعادة اللحمة لكيان السلطة، أو من مدخل إعادة الاعتبار لمنظمة التحرير، لا يغير من واقع الحال شيئاً بقدر ما يخفف من الاحتقان السائد في الساحة الفلسطينية فقط.
 
الآن، إذا تمعنّا في طبيعة البنى الفصائلية سنجد أمامنا حالة مريعة من النكوص، فبينما كانت هذه البنى تقوم على التعددية في تمثيلها لمروحة واسعة من التيارات والاتجاهات الفكرية والسياسية، إذا بهذه المروحة تتقلص اليوم -لأسباب ذاتية وموضوعية- إلى استقطاب حاد بين اتجاهين أو تيارين (فتح وحماس)، أي التيار الوطني العام والتيار الديني (بمعناهما الضيق).
 
وبينما كانت هذه البنى تعتمد على قطاعات الشباب، تكاد تكون معظم البنى الفصائلية -باستثناء حركتي حماس والجهاد الإسلامي- بنى هرمة من الناحيتين المعنوية والعمرية.
 
تجليات الأزمة عند فتح
ويمكن أن ننظر إلى مشكلة فتح من منظور آخر أيضاً، فهذه الحركة لا تبدو قادرة -ولا راغبة- على استعادة روحها المتمثلة في كونها حركة وطنية تعددية أصلاً، وهي لا تبدو مستعدة لتجديد شبابها، واستعادة الحيوية الوطنية في أشكال عملها، بقدر ما تبدو أكثر استكانة لرتابة وضعها ولواقعها كحركة سلطوية.
 
وتدلّل فتح على استمرائها هذا الواقع البائس بالنتائج المخيّبة لمؤتمرها العام السادس (2009) الذي كرّس إعادة إنتاج البنى والعلاقات والذهنيات التي أدت إلى تآكل دورها وتراجع مكانتها، والذي تمخض أيضاً عن إضفاء الشرعية على "معسكرات" جديدة فيها (ولعل نجاح محمد دحلان في عضوية اللجنة المركزية للحركة في هذا المؤتمر ثم فصله مؤخرا، مع خطورة التهم التي وجهت إليه، أكبر دليل على ضعف دلالات المؤتمر).
 
أيضا يمكننا التدليل على حال التردي في فتح بخفوت الروح الوطنية فيها، الأمر الذي يمكن التأكد منه من سد الباب أمام البدائل والخيارات السياسية، واستمراء الارتهان لخيار المفاوضات بدعوى أن لا بديل عن المفاوضات إلا المفاوضات (حتى بعد اندلاع الثورات الشعبية العربية التي فتحت الباب أمام الفلسطينيين على أفق سياسي جديد ومغاير).
 
ومشكلة فتح أن هذا الارتهان يجري في ظل واقع دولي مفتوح على احتمالات وخيارات عدة (تدخل في باب المعقولية والواقعية السياسية)، بينما تقف هي موقفاً سلبياً أو متفرجاً إزاءها.
 
يتمثل هذا الواقع في المؤشرات المتمثلة بالتوترات بين إسرائيل والدول الغربية، وتفكك علاقات إسرائيل بتركيا، وحملات المقاطعة لإسرائيل، وتضعضع الحصار على قطاع غزة، وتزايد التعاطف في الرأي العام العالمي مع قضية الفلسطينيين، والتحولات السياسية في البلدان العربية المحمولة على رياح الثورات الشعبية.
 
"
مشكلة حماس تكمن في ضعف إدراكها أهمية التعددية وقبول الرأي الآخر في الساحة الفلسطينية، وهي كلها عوامل سهلت وبرّرت لها التحول إلى نوع من سلطة مهيمنة في شكل أحادي وإقصائي في القطاع
"
الأزمة عند حماس
أما مشكلة حركة حماس فتكمن في ترددها في تعريف ذاتها وتحديد مكانتها بين كونها حركة دينية أو حركة تحرر وطني، وهو أمر ليس تفصيلياً في قضية تحتاج إلى إجماعات وطنية وتعاطفات دولية كالقضية الفلسطينية، ولا سيما في سبيل مواجهة الأصولية اليهودية، وكشف محاولات إسرائيل تبرير ذاتها بالأيدولوجية الدينية، بما في ذلك إصرارها على الاعتراف بها باعتبارها دولة يهودية.

أيضاً، فإن مشكلة حماس تكمن في ضعف إدراكها أهمية التعددية وقبول الرأي الآخر في الساحة الفلسطينية، وهي كلها عوامل سهلت وبرّرت لها التحول إلى نوع من سلطة مهيمنة في شكل أحادي وإقصائي في القطاع.
فمثلاً، قد لا يستطيع أحد أن يصف حركة حماس بالضعف ولا بقلة الإمكانات، ولكن هذه الحركة أضعفت مكانتها بتحولها إلى سلطة في قطاع غزة، وبهيمنتها على المجال العام المجتمعي والسياسي فيه -في السياسات والسلوكيات- بصورة أحادية.

وفي المحصلة فإن هذه الحركة لم تستطع تقديم سلطتها في غزة باعتبارها نموذجاً أفضل (من نموذج فتح في الضفة)، بدليل منازعاتها المستمرة مع ناشطي حركة الجهاد الإسلامي -وهي حركة إسلامية- وناشطي الجبهة الشعبية، علماً بأن هذين التنظيمين ضد المفاوضات ومع الكفاح المسلح.
كما يشهد على ذلك احتكار حماس إدارة قطاع غزة، وعدم إتاحتها المجال لفصائل التحالف الوطني التسع -على الأقل- لمشاركتها هذه الإدارة.
كذلك، إذا كانت سلطة فتح في الضفة تعتقل وتضيق على الحريات فإن سلطة حماس تقوم بكل ذلك في قطاع غزة أيضاً، وإذا كانت سلطة فتح تهيمن على القرار في الضفة من دون مشاركة حلفائها، فإن سلطة حماس في غزة تفعل الشيء ذاته!
 
غياب المجال الوطني المجتمعي
ما كان لنا أن نتحدث عن تحول الخلاف السياسي إلى نوع من أزمة وطنية لولا الخصوصية المتعلقة بالمجتمع الفلسطيني، فنحن هنا إزاء فصائل سياسية تعمل في ظروف خاصة تتمثل في غياب الإقليم (الحيز الجغرافي) وغياب المجتمع الموحد (الحيز الديمغرافي)، بنتيجة توزع الفلسطينيين وتباين ظروفهم السياسية، وفي ظل حركة وطنية تعتمد في مواردها على الخارج أكثر مما تعتمد على شعبها.

وبديهي أن يحوّل هذا الوضع الخاص الكيانات الفلسطينية إلى نوع من السلطة في إقليمها، وهذا حدث في الأردن (قبل سبتمبر/أيلول 1970 بشكل جزئي) وفي لبنان (1970-1982)، وحصل في الضفة والقطاع المحتلين، بعد إقامة السلطة إثر اتفاقات أوسلو (1993)، وهو الذي أفضى إلى تحول الحركتين الرئيسيتين فتح وحماس من حركتي تحرر وطني إلى سلطتين، كل في مجاله الإقليمي.

"
تعرض الفلسطينيون لتهميش مجالهم العام المجتمعي، بما في ذلك إضعاف قدرتهم على التقرير في أوضاعهم
"
وقد نجم عن هذا الوضع الخاص خضوع الفلسطينيين -في كافة أماكن تواجدهم- لعدة عمليات متزامنة:
 
أولاها- تهميش مجالهم العام المجتمعي بما في ذلك إضعاف قدرتهم على التقرير في أوضاعهم.
 
ثانيها- تحويل الكيانات السياسية الفلسطينية إلى نوع من السلطة على مجتمعها قبل إنجاز مهام التحرر الوطني، بمعزل عن مستلزمات الشرعية التمثيلية، حيث تقرر الفصائل ما تريد بمعزل عن شعبها وبدون أي التزامات تجاهه.
 
ثالثها- ويتعلق بحجم المداخلات والتوظيفات الخارجية (العربية والإقليمية) بالشأن الفلسطيني، وهذا ناجم عن خضوع الفلسطينيين لعدة سلطات ولعلاقات الاعتمادية -في الموارد- التي تربط فصائلهم بالقوى العربية والإقليمية الفاعلة في المنطقة (لا سيما مع وجود 180 ألف موظف في السلكين المدني والعسكري في السلطة بالضفة والقطاع).
 
هشاشة المعارضة
ثمة وجه آخر للأزمة الوطنية الفلسطينية ويتمثل في هشاشة الكيانات السياسية المعارضة -باستثناء حماس- وعدم امتلاكها مشروعا وطنيا بديلا مناسبا، وعدم تقديمها لنفسها كنموذج مغاير في قيادة وإدارة الوضع الفلسطيني.

وهكذا، فإذا كانت القيادة الفلسطينية -وهي قيادة المنظمة وفتح والسلطة- تسير نحو الخيار التفاوضي، فإن الفصائل المعارضة لا تملك شيئاً تستطيع تقديمه في مواجهة هذا الخيار، لا على مستوى تفعيل دورها في الصراع ضد إسرائيل، ولا بالنسبة لتعزيز مكانتها إزاء شعبها، ولا على مستوى تقديم نموذج أفضل لإدارة أوضاع الشعب الفلسطيني.

ومثلما أن القيادة الرسمية التي تنتهج خيار المفاوضة غير قادرة على فرض رؤيتها على إسرائيل بشأن التسوية، فإن المعارضة التي ناهضت المفاوضة والتسوية غير قادرة أيضاً على مواصلة خيارها بالمقاومة المسلحة، لا من الداخل ولا من الخارج، لا من الضفة ولا من غزة، وهو ما يفيد بأن المشروعين المذكورين لا يمتلكان -بالدرجة نفسها- الإمكانات ولا القدرة على التحقق، ولو بالمعنى النسبي.

"
مثلما أن القيادة الرسمية التي تنتهج خيار المفاوضة غير قادرة على فرض رؤيتها على إسرائيل بشأن التسوية، فإن المعارضة غير قادرة أيضاً على مواصلة خيارها بالمقاومة المسلحة
"
ويستنتج من كل ما تقدم بأن ما يجري في الساحة الفلسطينية إنما هو تحصيل حاصل لحال انعدام الفاعلية في المكونات السياسية، وغياب المجال المجتمعي/الشعبي، وأفول مشروع التحرر الوطني لدى القيادة ولدى المعارضة في آن معاً.
ليس القصد من هذا الكلام إيجاد نوع من الإحباط إزاء الجهود الرامية إلى إصلاح ذات البين بين الفصيلين والسلطتين الممسكين بمصير قضية فلسطين وشعبها وحركتها الوطنية، وإنما القصد من ذلك لفت الانتباه إلى حقيقة الأزمة الوطنية الفلسطينية، أي عمقها وخطورتها.
 
وعليه فإن حل هذه الأزمة يتطلب أساسا توافر الوعي والإرادة اللازمين لإعادة بناء الحركة الوطنية الفلسطينية واستعادة طابعها كحركة تحرر وطني، وتوليد مشروع وطني جديد يطابق بين الحقيقة والعدالة وبين أرض فلسطين وشعب فلسطين في كافة أماكن تواجده، بما في ذلك عدم الارتهان إلى خيار واحد ووحيد وهو مجرد إقامة دولة في الضفة والقطاع.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك