نبيل السهلي

نبيل السهلي

كاتب وصحفي مستقل



ما شهدته الساحة العربية في الآونة الأخيرة يستدعي جملة من التساؤلات الملحة التي تفرض نفسها على كل معني يتتبع هذه الأحداث والتحولات؛ ولعل أول ما يتبادر إلى الذهن في هذا المجال هو التساؤل عن حجم وتأثير كل من العاملين المعرفي والإنساني في إنجاز الثورة الاجتماعية الديمقراطية في العالم العربي.
 
المسألة لا تتعلق هنا بالأرقام والنسب فحسب؛ فنحن بإزاء حالة عربية لم تسعفنا حتى الآن إلا بنموذجين ناجحين فقط هما تونس ومصر.
 
ومع أن ثمة مؤشرات تشير إلى ما وراء تونس ومصر, بيد أنه يمكن -عبر استقراء النموذجين- التوصل إلى خلاصة أولية تؤكد أهمية الدور الذي لعبته التقنيات المعرفية في إنجاز كل من النموذجين، ووصولهما إلى عتبة النجاح وإمكانية نجاح الثورات في دول عربية أخرى.

أثر الثورة المعرفية في الثورات الشعبية
مع اتساع دائرة الثورات الشعبية العربية تفاقمت الهوة بين شريحة الشباب العربي والأنظمة الدكتاتورية العربية؛ وليصبح التحدي عنوان المشهد السياسي العربي.
 
وتبعاً لذلك برز سؤال هام يتلخص في مدى أهمية الثورة المعرفية ووسائلها الحديثة لدفع الثورات الشعبية باتجاه تحقيق أهدافها العليا؛ وفي هذا السياق يمكن القول إن شبكة التواصل الاجتماعي من فيسبوك وغيره كانت من العوامل المساعدة الهامة في إنجاز ثورتيْ تونس ومصر واستمرار الثورات في دول عربية أخرى؛ خاصة أن نسبة الشباب العربي الذين يستخدمون الإنترنت بشكل عام هي في ازدياد ملحوظ.
 
"
عوامل عديدة تضافرت أدت إلى انطلاقة واستمرار الثورات العربية, منها ما هو إنساني وما هو متعلق بالاستفادة من الثورة المعرفية ووسائلها المختلفة
"
وقد تعززت تلك العوامل بسبب دور الهواتف النقّالة التي تسمح بالتقاط صور قمع أجهزة الأمن العربية للمتظاهرين، ومن ثم نقلها إلى وسائل الإعلام، وفي المقدمة منها الفضائيات التي منعت في تغطية فعاليات الثورات بشكل مباشر.
 
لكن ثمة آراء أخرى تشير إلى أن الثورة المعرفية واستخدام وسائط التواصل الاجتماعي: فيسبوك وتويتر ويوتيوب ساهمت إلى حدِ ما في انطلاقة الثورات الشعبية العربية واستمرارها.
 
بيد أن السبب الرئيس لانطلاقة الثورات العربية في أكثر من دولة عربية يكمن في تحسس المواطن العربي لظلم امتد لعقود عديدة؛ وخروجه ليعلن رفضه لسياسات النظم السياسية العربية التي كان من أهم نتائجها انعدام العدالة الاجتماعية والفقر المدقع واتساع ظاهرة البطالة ونهب المال العام؛ فضلاً عن هجرة العقول العربية والكفاءات إلى الولايات المتحدة وأوروبا.
 
ويمكن القول إن عوامل عديدة تضافرت أدت إلى انطلاقة واستمرار الثورات العربية؛ منها ما هو إنساني وما هو متعلق بالاستفادة من الثورة المعرفية ووسائلها المختلفة لخدمة التحول الديمقراطي في العالم العربي كهدف أسمى.

انتصار الثورات وآفاق الثورة المعرفية
اتسمت الثورات الشعبية العربية بطابعها الجماهيري، وذلك على الرغم من تميز الدور الريادي والطليعي الذي يلعبه الشباب في هذه الثورات، إلى جانب استخدام التكنولوجيا والفضاء الافتراضي ووسائل الاتصال الحديثة كآلية للتنظيم والتواصل لحشد الطاقات البشرية في ميادين التحرير والتغيير؛ وقد توضح ذلك أثناء ثورتيْ تونس ومصر والثورات الصاعدة في أكثر من دولة عربية.
 
وكان لعملية التواصل الاجتماعي -عبر الشبكة العنكبوتية، وبشكل خاص بين الشباب العربي- بالغ الأثر في تنظيم صفوف الثوار وشعاراتهم المطلبية المختلفة من أجل تحقيق الأهداف العليا للثورة؛ وبهذا المعنى لا خوف على مستقبل الثورات الناجزة، ولا على الثورات المستمرة في العديد من الدول العربية للوصول في نهاية المطاف إلى عتبة التحول الديمقراطي.
 
وقد أشار تقرير أصدرته كلية دبي للإدارة الحكومية مؤخراً إلى أن مواقع التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك وتويتر ستواصل لعب دور هام في الحراك الاجتماعي في الدول العربية، وخاصة لدى شريحة الشباب.
 
وأكد التقرير -المعد حول الإعلام الاجتماعي في العالم العربي- أن هناك تناميا ملحوظا في العدد الإجمالي لمستخدمي موقع فيسبوك في الدول العربية بنسبة 78%, حيث ارتفع العدد من 11.9 مليون مستخدم في يناير/كانون الثاني من العام المنصرم 2010 إلى 21.3 مليون في ديسمبر/كانون الأول من العام ذاته.
 
"
بسبب التحولات السياسية المتسارعة في الدول العربية، باتت عملية استخدام أدوات المعرفة وتقنيات الحاسوب خطوات هامة لترسيخ فكرة التواصل الاجتماعي عبر الشبكة العنكبوتية
"
وأفاد التقرير بأن فئة الشباب تمثل نحو 75 % من مستخدمي فيسبوك في البلدان العربية؛ هذا مع العلم بأن عدد سكان الدول العربية قد تجاوز الـ360 مليون نسمة في بداية العام الحالي 2011.
 
ولفت التقرير إلى أن هناك اتجاها كبيرا لتغيير نمط التواصل الاجتماعي في المستقبل، وخاصة بعد انتصار ثورتيْ تونس ومصر.
 
واللافت أنه -بسبب التحولات السياسية المتسارعة في الدول العربية- باتت عملية استخدام أدوات المعرفة وتقنيات الحاسوب خطوات هامة لترسيخ فكرة التواصل الاجتماعي عبر الشبكة العنكبوتية لجهة خدمة التوجهات الشعبية في الدول العربية.
 
والثابت أيضاً أنه بعد انتصار الثورات الشعبية العربية يمكن تعزيز أنظمة ديمقراطية من شأنها أن يكون الإنسان العربي هدفها الأول والأخير؛ وستسعى إلى رفع مستويات التعليم والاستثمار في مجالات البحث العلمي والثورة المعرفية؛ وهذا من شأنه أن يرتقي بالمؤشرات المعرفية العربية خلال العقد القادم.
 
معوقات اتساع المجتمعات الافتراضية
طرحت التحولات السياسية في الدول العربية أسئلة عديدة حول معوقات الثورة المعرفية في الدول العربية، وبالتالي إمكانية اتساع ظاهرة المجتمعات الافتراضية. 
 
فعلى الرغم من ارتفاع مجموع المستفيدين من الخدمات الاجتماعية، وتحسن المؤشرات الاجتماعية في عدد كبير من الدول العربية، مثل: معدلات القراءة بين البالغين والشباب، إضافة إلى معدلات الالتحاق بمراحل التعليم المختلفة، ومتوسط العمر المتوقع وتراجع معدلات الوفيات؛ وكذلك التحسن الملحوظ في مستويات التعليم والصحة حسب التقارير الاقتصادية الصادرة عن صندوق النقد العربي خلال السنوات القليلة الماضية، فإن الثابت أن ثمة أزمات حقيقية ما زالت ماثلة للعيان؛ تهدد إلى حد كبير الإنجازات المشار إليها؛ وكذلك تعتبر في نفس الوقت من المعوقات الأساسية للثورة المعرفية في العالم العربي.
 
ومن تلك الأزمات انتشار وتوسع ظاهرة الفقر؛ والفقر المدقع، والبطالة؛ والأمية.‏
 
وفي هذا السياق يمكن القول إن ظاهرة الأمية الآخذة في التفاقم بسبب معوقات التعليم والارتفاع الكبير في مجموع السكان -حيث يتعدى معدل النمو السكاني في غالبية الدول العربية 3% سنوياً- تعتبر من المشكلات المستعصية في الدول العربية، وقد سعت غالبية الدول إلى الحد من اتساع تلك الظاهرة، لكن ببطء شديد.
 
وتشير تقارير التنمية البشرية الصادرة عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، وكذلك التقارير الاقتصادية العربية الصادرة عن الجامعة العربية وصندوق النقد العربي، إلى أن نصف مجموع الإناث العربيات البالغات، ونحو ربع الإناث الشابات هن من الأميات. 
 
كما تشير إلى أن معدل الأمية بين البالغين في الدول العربية بقي في حدود 36% خلال عاميْ 2009 و2010. وفي مقابل ذلك سجل مؤشر الأمية بين الشباب العربي بشكل عام نحو 19% من إجمالي مجموع الفئة المذكورة التي تصل نسبتها إلى نحو 20% من إجمالي سكان الدول العربية خلال عام 2011.
 
وتتفاوت المعدلات بين دولة عربية وأخرى، وقد سجل المعدل الأدنى في دول مجلس التعاون الخليجي. كما تشير المعطيات إلى ارتفاع معدلات الأمية لدى الإناث مقارنة مع الذكور في غالبية الدول العربية. وتوجد أكبر فجوة للنوع الاجتماعي في كل من المغرب وموريتانيا واليمن؛ حيث يوجد خمس إناث بالغات ملمات بالقراءة والكتابة مقابل عشرة ذكور بالغين ملمين بها.
 
وعموماً يوجد معظم الأميين في الأرياف العربية التي تستحوذ على القسم الأكبر من مجموع السكان في الوطن العربي؛ وفي هذا السياق لابد من الإشارة إلى أن نسبة سكان الأرياف تصل إلى نحو 60% من سكان غالبية الدول العربية. وعلى سبيل المثال لا الحصر تبلغ نسبة الأميين من الشباب في الريف ضعفيْ ما هي عليه في المدن في كل من الجزائر والمغرب ومصر وتونس.
 
"
بعد انتصار الثورات الشعبية العربية وإقامة نظم تعبر عن مصالح الجماهير العربية، تمكن تهيئة الظروف للحد من معوقات الثورة المعرفية، وتعميم فكرة المجتمعات المعرفية في العالم العربي

"
كل ذلك ينعكس سلباً على مستوى الأداء الاقتصادي بالمعنى العام وبمعناه المعرفي أيضاً. ومن الأزمات التي تعاني منها المجتمعات العربية عدم الاستفادة بالشكل المطلوب من تكنولوجيا المعلومات والاتصالات؛ وتعزى الفجوات الكبيرة في هذا المجال بين الدول العربية وبعض الأقاليم في العالم إلى عدة أسباب؛ من أهمها الكلفة العالية لهذه التكنولوجيا مقارنة بمتوسط الدخل المنخفض في بعض الدول العربية، ناهيك عن ارتفاع معدلات الأمية وضعف الإلمام باللغات الأجنبية والمهارات المطلوبة لاستخدام هذه التكنولوجيا حتى بين المتعلمين.
 
وبطبيعة الحال تتوافر بعض أدوات هذه التكنولوجيا في مناطق وجود مستخدميها، أي في المناطق التي يقطنها الميسورون والمتعلمون، ويقل وجودها في الأرياف والأحياء الفقيرة، الأمر الذي يزيد من الفجوة المعرفية وانعدام المساواة وتكافؤ الفرص بين فئات وشرائح المجتمعات العربية.
 
وتبقى الإشارة إلى أنه بعد انتصار الثورات الشعبية العربية وإقامة نظم تعبر عن مصالح الجماهير العربية، تمكن تهيئة الظروف للحد من معوقات الثورة المعرفية وتعميم فكرة المجتمعات المعرفية في العالم العربي؛ ومن ثم تخصيص مزيد من الموارد المالية العربية للارتقاء بالاقتصاد المعرفي لخدمة الإنسان العربي الذي انطلقت الثورات الشعبية العربية من أجله.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك