منى عبد الفتاح

منى عبد الفتاح

كاتبة وصحفية سودانية


- تكرار التجربة

- المشورة الشعبية
- محطة أديس أبابا

سودان ما بعد انفصال الجنوب لم تنته أزمته بعد، فبعد أحداث جنوب كردفان ارتحل التوتر إلى الولاية التوأم "ولاية النيل الأزرق"، تلك الولاية المتاخمة لها والمرتبطة بحدودها الجنوبية مع دولة جنوب السودان ضمن ولايات التماس.

إنها دروس وعبر لتجربة متجددة لم يستفد منها أهل الحكم ومناوئوه، ولكنها هذه المرة تمتحن أهل الحكم في أسس الاعتراف بتنوع وتعدد الأعراق في ما تبقى من سودان، ومن قبله تمتحن ولاية النيل الأزرق في صمودها أمام رياح الانفصال أسوة بالجنوب.

"
انفصل الجنوب وتم إعلان الدولة الجديدة، ولكن ما زالت لعبة المركز والهامش دائرة إلى الآن تنتقل من ولاية إلى أخرى، وما زال الحزب الحاكم يرفض بقوة استصحاب المكونات السودانية بشكل جاد لبناء السودان
"
تكرار التجربة
جاءت ولاية النيل الأزرق في مقدمة المناطق المهمشة في هبّتها احتجاجا على كل أنواع التهميش السياسي والديني والعرقي والاقتصادي التي تراكمت لعقود من الزمان. وكانت تلك الهبّة لأن النيل الأزرق ضمن ولايات التماس، ولأن شريطها الحدودي يلتقي مع دولة جنوب السودان الذي يتصاعد حوله التوتر، ولتكدّس الجيش الشعبي على تلك الحدود في انتظار إعادة دمجه في القوات المسلحة أو تسريحه.

أما ما زاد من حدة التهميش فهو دخول المنطقة في حرب الجنوب لعقدين من الزمان، وبينما انتهت الحرب هناك بتوقيع اتفاقية السلام الشامل عام 2005، بقيت الولاية تقتات من فتات الاتفاقية الذي سمى الحلول ووقعها ولم ينفذها.

شمل الاتفاق وضع آلية لحل المشاكل في ولاية النيل الأزرق، ولكن مرارات الماضي المتراكمة وأولويات الحل المفصّلة تفصيلا دقيقا لمشاكل الجنوب ليذهب ما تبقى منها لستر عورة التقصير تجاه الولاية، جعل الامتثال لمثل هذه الحلول نمطا من أنماط الترضية التي لا تقيل عثرة الحكم هناك.

كان بإمكان اتفاقية السلام إعادة بناء السودان بشكل يرضي جميع الأطراف باستناده إلى قوّته وحفاظه على السلام، ولكن أحاطت بالاتفاق التحديات وغلب على الجميع هوان الإرادة السياسية وضعف الرغبة في تحقيق مبدأ الوحدة في التنوع الذي انتهجه رئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان الراحل جون قرنق.

وبعد مقتله عام 2005 بعد توقيع اتفاقية السلام الشامل في نيفاشا، تحوّلت المبادئ التي جمع عليها الناس إلى مجرد شعارات يتم استخدامها في المزايدات السياسية.

انفصل الجنوب وتم إعلان الدولة الجديدة في يوليو/تموز الماضي، ولكن ما زالت لعبة المركز والهامش دائرة إلى الآن تنتقل من ولاية إلى أخرى، وما زال الحزب الحاكم يرفض بقوة استصحاب المكونات السودانية بشكل جاد لبناء السودان.

لم يقوَ حزب المؤتمر الوطني الحاكم على الانتظار حتى ينفصل الجنوب، بل سبقته التصريحات التي ذكرت صراحة بأنه إذا تم الانفصال فلا مجال بعده للتعددية الدينية والثقافية، وأنها فرصة ليصبح السودان شمالا فقط عروبيا إسلاميا أحادي الثقافة واللسان.

وهذا يعني أن الحزب الحاكم احتكر الحق في تشكيل ما تبقى من السودان كدولة جديدة اسما ومعنى، متجاهلا بقية القوميات ومعتنقي الديانات الأخرى رغم وجود عوامل نجاح لإنشاء دولة قومية في شمال السودان تتسع للجميع وينصف فيها المركز الهامش.

تجلى اهتمام مواطني ولاية النيل الأزرق في قضية انفصال الجنوب بشكل أكبر من كل مواطني السودان. ففضلا عن الرابط الحدودي، هناك علاقات إنسانية واجتماعية واقتصادية قوية تربط الإقليمين، حيث تعتبر ولاية النيل الأزرق امتدادا طبيعيا يشكل التدرج الطبيعي بين دولتي الشمال والجنوب.

والذاهب جنوبا والقادم شمالا ينسحب من خلال مروره بهذه الولاية تدريجيا حتى يصل إلى هذه البؤرة التي تحكي التنوع بكافة أشكاله، حتى تم تشبيه هذه الولاية بالسودان المصغر لاحتوائها على كافة ألوان الطيف البشري السوداني باختلاف ألوانه وألسنته.

تمثل هذا التنوع قبائل "الفونج" المكوِّن الرئيس لسكان الولاية، وهي خليط من قبائل عربية وأخرى أفريقية، مع وجود قبائل أخرى مثل قبائل "الفلاتة" الآتية من غرب السودان وغيرها من القبائل.

على حافة "النيل الأزرق" كان جرح الجنوب أعمق غورا، فهذه الولاية الشمالية التي تربطها علاقات متينة مع الجنوب، رسّخها تاريخ النضال المشترك لأبناء الولاية مع إخوانهم الجنوبيين، شكلت تبعا لها رمزية بعض رجال الولاية كالوالي مالك عقار رئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان بالشمال. فالعلاقة الوجدانية بين الولاية والجنوب من جهة، وبين الولاية وتوأمها ولاية جنوب كردفان من جهة أخرى، عملت على تمتين الروابط بشكل يصعب تجاوزه.

فحينما قامت الحرب في جنوب كردفان احتقن النيل الأزرق منذرا بقيام نزاع مماثل، وذلك لتشابه موضوعات الخلاف في منطقتي جنوب كردفان والنيل الأزرق.

تتركز هذه الموضوعات في الخلافات الكبيرة مع المركز على اقتسام السلطة والمشاركة السياسية العادلة، وكذلك اقتسام الثروة والمشاركة الاقتصادية بتخصيص المزيد من الموارد لتساعد في عملية التنمية وإيلاء مجال البُنى التحتية اهتماما كبيرا أسوة بالمركز، ثم الاعتراف بالآخر والمشاركة الاجتماعية واحترام العقائد والديانات الأخرى.

"
بينما ترى الحركة الشعبية أن المشورة تهدف إلى تقرير المصير للمنطقتين وعلى أسوأ الأحوال إلى تحقيق الحكم الذاتي، ترى الحكومة أن المجلس التشريعي بالولاية هو صاحب الحق الشرعي فيما يتعلق بها
"
المشورة الشعبية
تعلّقت ولاية النيل الأزرق بقشة "المشورة الشعبية"، عسى أن ينتشلها هذا الاستفتاء الشعبي من دائرة الفقر والفراغ السياسي الذي تعاني منه.

وقد تم طرح "المشورة الشعبية" في اتفاقية السلام الشامل كآلية لحل مشاكل وتحقيق تطلعات أهل ولايتي النيل الأزرق وجنوب كردفان.

ورغم تباين تفسيرها بين الحكومة وأهل الولايتين، فإن المصطلح يتفق في عدم وضوحه وعدم تفسيره على النحو الذي يخدم أهداف أهل الولايتين.

كان نصيب قضايا المناطق الثلاث (ولاية النيل الأزرق وولاية جنوب كردفان ومنطقة أبيي) في اتفاقية السلام الشامل، بروتوكولين منفصلين ضمن البروتوكولات الستة المكونة للاتفاقية.

وقد تركزت محاور بروتوكول حسم النزاع في ولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق على المبادئ العامة، كتعريف المنطقتين والمشورة الشعبية وهيكل حكومة الولاية وسلطتها التنفيذية ومحاكمها ونصيبها من الثروة القومية ومفوضية أراضيها والترتيبات الأمنية وترتيب ما قبل الانتخابات.

هنا يتضح أن "المشورة لشعبية" جزء من كل، وتعود في مرجعيتها إلى أساس راسخ استقى مداده من اتفاقية السلام الشامل والدستور القومي لجمهورية السودان لعام 2005، والدستور الانتقالي لولاية جنوب كردفان 2006، والدستور الانتقالي لولاية النيل الأزرق لعام 2005، ثم من مبادئ القانون الدولي والمواثيق الدولية الموقع عليها السودان.

ولكن كل ذلك لم يشفع لهذا القانون بأن يطبّق نسبة للتجاذب والتباعد بين الفريقين.

وقد هدفت المشورة الشعبية إلى تأكيد وجهة نظر شعبي ولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق بشأن اتفاقية السلام الشامل وعن مدى تحقيقها لتطلعاتهم، كما سعت إلى تسوية نهائية للنزاع السياسي في أي من الولايتين وإرساء السلام، وهدفت أيضا إلى تصحيح أي قصور في الترتيبات الدستورية والسياسية والإدارية والاقتصادية في إطار اتفاقية السلام الشامل بخصوص أي من الولايتين.

لم تأخذ التوعية الخاصة بالمشورة الشعبية مجراها الطبيعي، فكل طرف يعرفها كما يشاء، وظلت ضمانات توفير الفرص بالمعاملة المتساوية في مجال التعبير عن الآراء المختلفة حول المشورة الشعبية حكرا على الحكومة وحكومة الولاية تنادي بما تراه عبر الأجهزة المملوكة للدولة، كما أن كل طرف أخذ في معرض اتهامه للآخر بأنه لم يفهم معنى المشورة الشعبية فهما سليما.

وخلق هذا الوضع أزمة ثقة على خلفية المشورة الشعبية بالنيل الأزرق، لتتباين الرؤى وتختلف حول معناها قبيل الدخول في العملية والحصول على نتائجها.

إن قضية المشورة الشعبية هي قضية استحقاقات، وأهل الولاية وحدهم دون قادتهم من يرون أنه إذا تم تنفيذها على وجهها السليم ستحقق الشكل الإداري للحكم والمشاركة في السلطة الاتحادية، وإكمال القصور في مجال الخدمات وترك هويّة الولاية تنساب دون حجر على أحد أو تصنيف على أساس اللون أو العرق.

وهي بنود لو طبقتها الحكومة كما نص عليها اتفاق السلام الشامل ستدرأ مطالبة البعض بالحكم الذاتي التي من المتوقع أن تحدث اختلالات في نظام الحكم.

أما إذا أعيا الطرف الآخر الوصول إلى حل فهناك أصوات تنادي بأن تذهب القضية إلى التحكيم الدولي نتيجة الإشارة إليه في الاتفاقية دون تحديده.

أسوأ المخاطر المترتبة على التباطؤ في تنفيذ المشورة الشعبية في ولاية النيل الأزرق، يكمن في اختلاف وجهات نظر التنفيذيين فيما سيلي المشورة الشعبية، وبذا فقبل تطبيقها يكون قد تم حرق مراحل أساسية لن تستوي بحسم ملف السلطة على المستوى الدستوري فقط.

ودون حسم ملف الثروة فإنها ستترك اتفاقية السلام الشامل دون إعطاء مساحة لتعديلها وتطويرها بواسطة أطراف الاتفاق.

وهكذا فإنه بتمديد قانون المشورة الشعبية يتم خرق اتفاقية السلام الشامل وبروتوكول المنطقتين خرقا واضحا، ويتم التنصل من الاتفاق الإطاري الموقع في أديس أبابا.

وتجاوز التمديد مؤسسات حكومة ولاية النيل الأزرق، فيُنتظر أن يُسمع من مؤسسة الرئاسة عن جدوى تعليق أمد المشورة الشعبية الذي تطور فيها الخلاف إلى خلاف منهجي.

فبينما ترى الحركة الشعبية أن المشورة تهدف إلى تقرير المصير للمنطقتين، وعلى أسوأ الأحوال إلى تحقيق الحكم الذاتي، ترى الحكومة أن المجلس التشريعي بالولاية هو صاحب الحق الشرعي فيما يتعلق بها.

"
في إعلان الفشل لن ينفع تأكيد البشير على استعداد حزب المؤتمر الوطني الحاكم للتحاور مع الحركة الشعبية بالشمال شريطة تسجيلها كحزب أسوة بباقي القوى السياسية ووفق قانون هيئة الأحزاب
"
محطة أديس أبابا
وجدت الاتفاقية الإطارية التي تم توقيعها في أديس أبابا بين الحركة الشعبية لتحرير السودان وحزب المؤتمر الوطني الحاكم والمتعلقة بولايتي النيل الأزرق وجنوب كردفان، صدى واسعا تمثل في الارتياح نتيجة وصول الطرفين إلى بوابة سلام أبعدت شبح الحرب عن ولاية النيل الأزرق بعدما دق ذاك الناقوس في ولاية جنوب كردفان وشهدت أحداثا دامية.

هذا ما كان يوم 28 يونيو/حزيران الماضي وقت توقيع الاتفاقية التي عُرفت بمبادرة "عقار" لوقف العدائيات بجنوب كردفان والنيل الأزرق والشراكة والإجراءات السياسية والأمنية والدستورية للمنطقتين.

لم يطل أمد الاتفاقية، وما هي إلا أيام معدودات حتى أبلغ الرئيس السوداني عمر البشير رئيس لجنة حكماء أفريقيا ثابو مبيكي برفض المكتب القيادي للمؤتمر الوطني الاتفاق الإطاري الذي تم إبرامه بين الطرفين.

لم يكن يقينا تنزّل فجأة على حكومة البشير بضرورة النكوص على الاتفاقية، وإنما كان في لبّ نصها الذي اعترف بقطاع الشمال وحقه في ممارسة النشاط السياسي مثله مثل الأحزاب السودانية الشمالية الأخرى.

لم ترضَ أطراف نافذة في الحزب الحاكم عن التوقيع مع الحركة الشعبية، وأعلنت أن ما حدث جريمة ورِدة واضحة تستوجب قطع دابر الاتفاقية.

ففي إعلان الفشل لن ينفع تأكيد البشير على استعداد حزب المؤتمر الوطني الحاكم للتحاور مع الحركة الشعبية بالشمال شريطة تسجيلها كحزب أسوة بباقي القوى السياسية ووفق قانون هيئة الأحزاب.

يتمسك والي ولاية النيل الأزرق ورئيس الحركة الشعبية بالشمال مالك عقار بأهداب اتفاقية السلام الشامل ويلوذ الآن باتفاق أديس أبابا الإطاري، رغم اعترافه بوجود عقبات في سبيل تحقيقه، ويتحفظ الرئيس عمر البشير على بعض النقاط في نفس الاتفاق حول وقف العدائيات، وبين الطرفين يقف الوسيط الأفريقي ثامبو مبيكي.

فكيف تكون الإجابة على سؤال: مَن المسؤول عن تحقيق السلام في ما تبقى من السودان؟ كلما تتقدم الاتفاقيات نحو بنيه خطوة.. يبتعدون خطوات!

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك