ياسر الزعاترة

ياسر الزعاترة

كاتب أردني


لسنا ابتداء من دعاة الطائفية والمذهبية، وإن كنا نعلم أن هناك من سيشرع في تصنيفنا على هذا النحو تبعا لهذه السطور، وربما قبلها، ذلك أننا مقتنعون بأن إسلامنا هو الأكثر انفتاحا على هذا الصعيد قياسا بأي دين آخر، بدليل هذه الأقليات الدينية التي تعيش بيننا منذ قرون طويلة، وبعضها لا خلاف على كفر معتقداته من زاوية النظر الإسلامية.

 

نحن من دعاة المواطنة، من دون أن نتخلى عن حق الغالبية في تأكيد معتقداتها في السياق التشريعي والقانوني، تماما كما يحدث في الأمم الأخرى التي تستلهم معتقداتها الخاصة في بنيانها القانوني والتشريعي، وهذه دول الغرب لا تجد أدنى حرج في التأكيد على استنادها للثقافة المسيحية.

 

"
كان هدف النظام من التركيز على ملف السلفية هو استدعاء المخاوف الكامنة من الانتفاضة لدى شرائح واسعة من الشعب السوري، ليس العلويين والمسيحيين فحسب، بل قطاعات أكبر من السنّة أيضا، ممن يرون ذلك التيار خطرا
"
نعلم أيضا أن غالبية الناس يرثون أديانهم ومذاهبهم بالوراثة، وقليل منهم من يغيِّر معتقداته، حتى لو كان غير مؤمن بها، أحيانا لاعتبارات الروابط الاجتماعية، وأحيانا لاعتبارات أخرى.

 

في ملف الانتفاضة السورية، كان واضحا أن الشعب السوري يدرك تمام الإدراك حقيقة التنوع الديني والعرقي الذي يعيشه المجتمع السوري من جهة، في نفس الوقت الذي يدرك فيه حقيقة أن النخبة الحاكمة والأكثر تأثيرا في المؤسسة الأمنية والعسكرية، وحتى السياسية تنتمي للطائفة العلوية (أضيفت إليها المؤسسة الاقتصادية في الألفية الجديدة، بدليل رامي مخلوف، عنوان الفساد في الوعي الجمعي للسوريين).

 

من هذا المنطلق ذهب السوريون يهتفون طوال الوقت للوحدة الوطنية إلى جانب الحرية، وكان نهج رفض الطائفية واضحا في خطاب معظم الفعاليات الشعبية والمعارضة، ربما باستثناء بعض الفضائيات المحسوبة على الخط السلفي التي استخدمت الخطاب الطائفي بهذا القدر أو ذاك.

 

في المقابل كان النظام يستخدم هذه الورقة (ورقة الطائفية) بطريقة سافرة، وتجلى ذلك في تركيزه على قضية السلفيين وحضورهم في الانتفاضة الشعبية، الأمر الذي لم يكن سوى لعبة أمنية أكثر من أي شيء آخر، إذ يدرك الجميع أن مجموعات السلفية الجهادية ليست بذلك الحضور، فيما كان أكثرها مخترقا من قبل أجهزة النظام منذ أيام التعاون معها في السياق العراقي خلال السنوات الأربع التي تلت الاحتلال الأميركي.

 

كان هدف النظام من التركيز على هذا الملف هو استدعاء المخاوف الكامنة من الانتفاضة لدى شرائح واسعة من الشعب السوري، ليس العلويين والمسيحيين فحسب، بل قطاعات أكبر من السنّة أيضا، ممن يرون ذلك التيار خطرا على انفتاح المجتمع وعلى المكاسب التي حققوها خلال المرحلة الماضية، إذ لا ينكر عاقل وجود قطاعات لا بأس بها من هذه الفئة تعيش وضعا اقتصاديا جيدا تأكد أكثر خلال انفتاح الألفية الجديدة.

 

وهذا ما يفسر بهذا القدر أو ذاك هامشية حضور مدينتي دمشق وحلب في الانتفاضة، رغم أن السبب الأهم يتعلق بالحضور الأمني المبالغ فيه في المدينتين تبعا للخوف من التأثير الواسع لانخراطهما في الانتفاضة.

 

لم يتوقف استخدام الورقة الطائفية عند هذا الحد، بل تجاوزه نحو تسليح بعض العلويين في عدد من المناطق، واستخدامهم تحت مسمى الشبيحة في عمليات القتل والترويع، وما وقع في حمص كان دلالة على هذا النهج، أما الأهم من ذلك فيتمثل في مواجهة الانشقاقات داخل الجيش بتشكيل كتائب من العلويين بالذات من أجل أن يكونوا مضموني الولاء في الحرب على بعض المناطق التي تتمرد على النظام.

 

"
ما ينبغي أن يكون واضحا هو أن الحرب الأهلية خطر حقيقي لا ينبغي تجاهله، لكن المؤكد أن الأغلبية لن تخسرها في نهاية المطاف مهما كانت التضحيات
"
ولا خلاف على أن جميع الذين انشقوا عن الجيش في عدد من المناطق كانوا من أبناء السنة الذين رفضوا إطلاق النار على أهلهم.

 

يحدث بالطبع أن يستخدم النظام جميع إمكاناته في سياق نفي استخدامه ورقة الطائفية، مثل استغلال بعض العلماء، وفي مقدمتهم الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي الذي أصبح هدفا لسخط الناس الذين يرونه عالما يعمل في بلاط السلطان ويمنحه رخصة قتل الناس بلا حساب.

 

والخلاصة أن النظام قد استعاد روحه الطائفية التي سعى إلى تقليل منسوبها بهذا القدر أو ذاك خلال المرحلة الماضية بخطابه المقاوم والممانع، وبالطبع من أجل حماية نفسه، ذلك أن استدعاء طائفته يمنحه ميزتين مهمتين.

 

أولهما أمنية وعسكرية، وهذه معروفة، وثانيها مدنية، إذ يمكنه من خلال حشد الطائفة تأمين جحافل من الناس الذين يهتفون له في كل مكان، وهم يواجهون المحتجين عليه ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا، لاسيما أننا لا نتحدث عن بضع مئات من الآلاف فقط، وإنما عن طائفة كبيرة تتجاوز مليوني نسمة، يمكن أن يضاف إليها آخرون من المخلصين للنظام من الطوائف الأخرى.

 

لا يعني ذلك أن النظام قد عثر على وصفة تنجيه من مصير السقوط، بل على العكس من ذلك، إذ أن استخدام ورقة الطائفية سيرتد عليه من دون شك، والسبب هو أنه سيدفع المترددين من السنّة إلى خوض المعركة، بمن في ذلك أبناء المنتفعين من النظام، كما سيدفع الغالبية إلى الشعور بأنهم إزاء معركة مصير.

 

ولا شك أن حضور الدين الواسع في حياة الناس سيكون له تأثيره في السياق، واليوم يتوقع كثيرون أن تتحول فترة ما بعد صلاة التراويح خلال شهر رمضان إلى مناسبة يومية للتظاهر ضد النظام في أكثر المدن السورية، كما سيكون لأجواء التدين الخاصة تأثيرها على منسوب القوة والعطاء لدى المنتفضين.

 

في هذا السياق تحضر مسألة بالغة الأهمية تتعلق بالبعد الطائفي أيضا، أعني مسألة الحضور الإيراني في الحرب على الانتفاضة السورية، وهو حضور، وإن لم يصل حد الاشتباك المباشر مع الناس في الشوارع، فإنه بات واضحا للجميع، لاسيما قيادات المؤسسة الأمنية والعسكرية.

 

وهذا ما سيؤثر بالضرورة على مواقف تلك القيادات من أبناء السنة، وقد يؤدي في لحظة ما إلى انقلاب عسكري وربما انشقاقات واسعة تعزز احتمالات الحرب الأهلية.

 

المصيبة بالطبع أن النظام لم يقدم حتى الآن أية مبادرة حقيقية يمكن أن تنفس الاحتقان، فهو يوزع التنازلات بالتقسيط الممل، وليس ثمة من يقتنع بأن لديه أي إرادة للإصلاح، مما يدفع الناس إلى مزيد من التشبث بشعار إسقاط النظام.

 

"
ما دامت الجماهير السورية وقوى المعارضة ورموزها يؤكدون على الوحدة الوطنية، فالأصل أن تخرج أصوات من الطائفة العلوية ترفض حكم عائلة الأسد، وتصرُّ على دولة مدنية تعددية تعلي من شأن المواطن أيا تكن طائفته أو عرقه
"
في هذه المعمعة يبرز دور الطائفة العلوية ورموزها كعامل موضوعي مهم، ذلك أن تبرير انحياز الطائفة للنظام بوجود قطاعات كبيرة من السنة تفعل ذلك لن يكون مبررا مقبولا بمرور الوقت، وهو لم يعد كذلك في واقع الحال، أعني من ينحازون لأسباب مصلحية، لأن الأكثرية تسكت بسبب الخوف.

 

ما ينبغي أن يكون واضحا هو أن الحرب الأهلية خطر حقيقي لا ينبغي تجاهله، لكن المؤكد أن الأغلبية لن تخسرها في نهاية المطاف مهما كانت التضحيات.

 

وما دامت الجماهير السورية وقوى المعارضة ورموزها يؤكدون على الوحدة الوطنية، فالأصل أن تخرج أصوات من الطائفة العلوية ترفض حكم عائلة الأسد، وتصرُّ على دولة مدنية تعددية تعلي من شأن المواطن أيا تكن طائفته أو عرقه، من دون المساومة على هويتها العربية والإسلامية التي لا تعني عدوانا على الأكراد بأي حال.

 

الآن، وفي الوقت الذي يتضح فيه أن النظام قد قرر الذهاب بعيدا في لعبة القمع دفاعا عن وجوده، فإن أحرار سوريا من كل الطوائف ينبغي أن يتكاتفوا من أجل إسقاطه، مع الإصرار الذي لا يتوقف على سلمية الثورة حتى لا يخسر السوريون أكثر مما خسروا من الدماء والتضحيات حتى الآن.

 

فاصل سريع:
بعد دفع هذا المقال للنشر قامت قوات النظام السوري باجتياح مدينة حماة وارتكاب مجزرة بحق أهلها، والسبب كما يعلم الجميع هو تصدر هذه المدينة الباسلة للاحتجاجات وكسرها لمقولة الهوامش والأطراف، ومعها مقولة الاحتجاجات المحدودة (خرجت المدينة عن بكرة أبيها غير مرة).

 

لكن المجزرة لن تركّع المدينة، بقدر ما ستدفعها نحو المزيد من العطاء في نفس الوقت الذي ستدفع فيه سائر المدن إلى نصرتها وحسم الموقف من النظام في اتجاه تأكيد شعار إسقاطه بعيدا عن أي توجهات إصلاحية ثبتت عبثيتها.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك