منى عبد الفتاح

منى عبد الفتاح

كاتبة وصحفية سودانية


السودان بعد التاسع من يوليو/تموز 2011م ليس كما قبله، فبعد هذا التاريخ كلٌّ يغني على دولته. الجنوب تم تحديد مصيره بانفصاله عن الشمال السوداني وأضحت الدولة الواحدة بمساحة المليون ميل مربع دولتين تناقض إحداهما الأخرى، وأصبح الجهر بالفوارق سيد الحديث والموقف.

أما دولة الشمال فرجعت تتحدث عن الجمهورية الثانية والحكم اللا مركزي، بينما العلاقات بين الدولتين تحكمها القضايا العالقة والتحديات وليس التمنيات. فبعد أن تتغير الخارطة الجغرافية والإثنية ليس من مفر من النظر في حل خلافات الدولتين حتى لا تعصف باستقرارهما، وحتى لا تنطفئ شعلة اتفاقية السلام التي دفع أبناء السودان جنوبه وشماله دماءهم في سبيل الوصول إليها.

تباينت ردود فعل مواطني الشمال كما الجنوب عند إعلان نتيجة الاستفتاء على تقرير مصير جنوب السودان. وتتباين المشاعر الآن لدى جموع المواطنين عند الاعتراف بدولة الجنوب وإعلانها في احتفال ضخم في التاسع من يوليو، فبين فرح باستقلال الإقليم وبين حزن من الانفصال تكمن قضايا تعارف عليها في أدبيات الاستفتاء بالقضايا العالقة.

"
بينما تُرفع سارية العلم في سماء مدينة جوبا حاضرة جنوب السودان الدولة رقم 193 في العالم ، فإنه على الأرض ما زالت ملفات القضايا الأكثر جدلاً
"
وبينما تُرفع سارية العلم في سماء مدينة جوبا حاضرة جنوب السودان الدولة رقم 193 في العالم، فإنه على الأرض ما زالت ملفات القضايا الأكثر جدلاً منذ توقيع اتفاقية السلام الشامل في نيفاشا عام 2005م.

من ضمن هذه الملفات تبرز قضية الجنسية كأحد أهم القضايا العالقة، وأهميتها نابعة من كونها تمثل الشعور بالانتماء للوطن والعلاقة بين الفرد والدولة التي تضمن تمتعه بالحقوق العامة.

فاتفاقية نيفاشا لم تُشر إلى مسألة الجنسية بل تركتها ليتم الاتفاق حولها حسب ما يقتضيه الدستور والاتفاقيات الدولية الخاصة بهذا الشأن. وهكذا فإن آخر مسمار تم دقه في نعش حق أبناء الجنوب في المواطنة السودانية هو إنهاء عمل الجنوبيين في الشمال وفقاً لقرار مجلس الوزراء الذي أشار لإنهاء عمل الجنوبيين في مستويات الحكم كافة وفي القطاع الخاص باعتبارهم أجانب اعتباراً من 9 يوليو/تموز 2011م.

ولن يسمح لهم بالعمل في الشمال إلا بعد الحصول على إذن مسبق من الوزارة وفقاً لقانون الأجانب لسنة 2011م ولوائحه. والحديث عن حق أبناء الجنوب في المواطنة السودانية لا يقتصر على تسريحهم من أعمالهم، بل يشمل حوالي مليوني جنوبي سوداني المولد والجنسية.

حسب قانون الجنسية السوداني لسنة 1994م والمادة (4) منه، فإنها تعرف السوداني بأنه يكون سودانياً بالميلاد كل من حصل على جنسيته بالميلاد، ولد في السودان، أو أن يكون والده قد ولد في السودان، أو كان مقيماً بالسودان عند بدء سريان القانون، أو كان هو أو أصوله من جهة الأب مقيماً بالسودان منذ 1/1/ 1956م.

مادة القانون هذه تنطبق على معظم أبناء الجنوب الموجودين في الشمال ولا يجوز نزعها أو إسقاطها إلا حسب المادة (10) التي أجازت لرئيس الجمهورية إسقاط الجنسية عن أي سوداني بالميلاد من ذوي الأهلية يكون قد بلغ سن الرشد وذلك إذا ثبت أن الشخص قدم إقراراً بالتنازل عن جنسيته السودانية أو التحق بخدمة دولة أجنبية أو استمر في تلك الخدمة مخالفاً بذلك أي حكم صريح في أي قانون يحرم ذلك الفعل.

إذا كان القانون براءٌ من الدوافع التي حدت بحكومة الشمال على إجبار الجنوبيين على المغادرة، فليس هناك سوى الدوافع السياسية أو التعالي العِرقي والعنصرية التي تنضح بها التصريحات الحكومية غير المسنودة بسند قانوني أو أخلاقي، في تشبث مستميت بالأصل العربي والسلالات النقية التي ما فتئت تدغدغ أوهام أهل الحكم في الشمال.

وإذا كانت المادة "7" من الدستور السوداني تنص على أن تكون المواطنة أساس الحقوق المتساوية والواجبات لكل السودانيين، وبما أن قانون الجنسية السوداني آنف الذكر، يسمح بازدواجية الجنسية فهذا يعني حق أبناء الجنوب كما هو حق لغيرهم من أبناء أقاليم السودان المختلفة في الاحتفاظ بالجنسية السودانية في ذات الوقت الذي يحملون فيه جنسيات دول أخرى.

وعن الاتفاقيات الدولية المتعلقة بهذا الموضوع فقد اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة في 4 ديسمبر/كانون الأول 1954م الاتفاقية الخاصة بخفض حالات انعدام الجنسية، تلزم الدول الأطراف بمنح جنسيتها للشخص الذي يولد في إقليمها، أو يكون أحد أبويه بتاريخ ولادته متمتعاً بتلك الجنسية. كما تم بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة في 12 ديسمبر/كانون الأول من العام 2000م، حظر تجريد أي شخص أو أي مجموعة من الأشخاص تجريداً تعسفياً من جنسية الدولة لأسباب عنصرية أو إثنية أو سياسية, مع ضرورة إعطاء الجنسية إلى الأشخاص الذين يقيمون فيها بصفة اعتيادية. ومن هنا فإن قانون الجنسية السوداني يعتبر متسقاً مع المبادئ الدولية.

أما عن ملف الحدود الذي يبرز كأحد القضايا التي لم يتم حسمها فيما بين الشمال والجنوب، فإن الحدود الفاصلة بين الشمال والجنوب تعتبر أطول حدود بين السودان الشمالي وجيرانه، وأكثرها تعقيداً لارتباطها بقضايا التنقل والهجرة والرعي.

لم تبارح مشكلات ترسيم الحدود بين الدولتين مكانها بعد وما زالت هناك خمس نقاط حدودية عالقة بين الشمال والجنوب أبرزها منطقة أبيي التي تم الاتفاق على نشر قوة حفظ سلام دولية فيها.

تعطلت لجنة ترسيم الحدود وعجز نص اتفاقية السلام الشامل عن بيان ما المقصود بحدود 1956م الملازمة لانفصال الجنوب. كما تجادل الطرفان كثيراً حول بروتوكول أبيي الذي ينص على الرجوع إلى دينكا نقوك في قبائلها التسع، وذلك في اعتبار المتجادلين أن الترسيم الحدودي بهذه الطريقة يعتمد على الخارطة الإثنية التي من المفترض أن يتعالى الطرفان عن الركون إليها.

وفي هذه النقاط الحدودية أيضاً تتداخل مشاكل الحدود مع مشاكل المواطنة والجنسية لوجود عدد كبير من السودانيين من أهل هذه المناطق الحدودية بين الشمال والجنوب ومن النازحين الذين سيصبحون بعد التاسع من يوليو من فئة (البدون) لا يدرون لأي جهة يتبعون.

"
يزداد ملف النفط تعقيداً خاصة وهو المصدر الاقتصادي الوحيد لدولة جنوب السودان التي تعتمد على العائد من الإيرادات النفطية بنسبة 98%، بشكل أكبر من الشمال الذي يعتمد على موارد اقتصادية أخرى
"
أما ملف النفط فيزداد تعقيداً خاصة وهو المصدر الاقتصادي الوحيد لدولة جنوب السودان التي تعتمد على العائد من الإيرادات النفطية بنسبة 98%، بشكل أكبر من الشمال الذي يعتمد على موارد اقتصادية أخرى.

وتمثل نسبة 90% من الحقول النفطية الموجودة في الأراضي الجنوبية عنصر قوة، بينما يضعفها من الجانب الآخر وجود أنابيب النقل ومحطات التكرير ومصافي النفط في الشمال. فإذا استغنى الجنوب عن تصدير النفط عبر ميناء بورتسودان الشمالي وأراد عوضاً عن ذلك تصدير النفط عبر دول شرق أفريقيا فإنه سيحتاج لخط أنابيب تبلغ تكلفته ما بين ملياري دولار وثلاثة مليارات.

ولعل ما يزيد المسألة تعقيداً هو وجود الشركات الاستثمارية الأجنبية في مجال النفط، في قلب المعضلة. ولا بد من الإشارة إلى أن الصين تمثل الجزء الأكبر من هذه الاستثمارات ثم تليها الهند وماليزيا وبعض شركات الدول الأخرى.

المشكلة في أن الاستثمارات النفطية بعد إعلان الانفصال ستوزع بين دولتين بعدما كانت الصين تتعامل مع دولة واحدة، ثم تدخل قيمة سداد ديون السودان للصين من هذه العائدات النفطية. وفي هذه النقطة أيضاً يُنتظر أن تُحل قضية الديون ليُرى هل ستأخذ الصين قيمة ديونها من الشمال أم من الجنوب؟

كما تطفو مشاكل هذا الملف على سطح التصريحات على مستوى الرئاسة الجنوبية والشمالية بين الحين والآخر، فالرئيس السوداني يقول إن عائدات النفط المقتسمة بين الشمال والجنوب تحكمها ثلاثة خيارات، إما استمرارية الاقتسام أو دفع رسوم وضرائب من حكومة الجنوب إلى حكومة الشمال على استخدام أنابيب البترول، أو فلتبحث دولة الجنوب عن منفذ آخر لتصدير بترولها.

أما رئيس حكومة الجنوب سلفاكير فقد قال إن دولته لن تأخذ كل عائدات النفط، بل ستترك شيئاً للشمال ليكون عوناً له في مواجهة تحدياته الاقتصادية.

التاسع من يوليو أتى ولم يُفك الارتباط بين الشمال والجنوب الذي توجد فحواه بشكل أساسي طي الملفات الاقتصادية، شريانها هو مياه النيل وعصبها اتفاقيات ومعاهدات اقتسام المياه التي لم يعرف بعد ما هو موقف دولة جنوب السودان منها.

لا يُستبعد حدوث تقسيم داخلي لحصة مياه النيل المخصصة للسودان بموجب اتفاقية 1959م، أما الأقرب إلى الواقع هو التزام الجنوب ببنود اتفاقية 1959م لتصبح دولة الجنوب الدولة الحادية عشرة في حوض النيل لحين الوصول إلى اتفاق بين الدول الثلاث مصر وشمال وجنوب السودان يقضي بإعادة تقسيم الحصص المائية فيما بينها.

وإن رفضت مصر فيُرجّح احتمال اقتسام حصة السودان البالغة 18.5 مليار متر مكعب سنوياً بين الجنوب والشمال. أما أسوأ الاحتمالات فهو في عدم اعتراف دولة الجنوب بتلك المعاهدات بدعوى أنها وقعت تحت الحكم الاستعماري، مما يمكنه من حرية الاختيار إما بالانضمام إلى دول المنبع الأفريقية أو إلى دولتي المصب مصر والسودان، إلا أن العامل المهم في هذه القضية هو عمل حكومة الجنوب على كسب عنصر الوقت لحين اتخاذ القرار الحاسم.

لم تنته النقاط الخلافية عند هذا الحد وإنما طلبت حكومة الشمال من بعثة الأمم المتحدة (يونميس) الانسحاب بحلول التاسع من يوليو، وهذه البعثة هي التي تم نشرها للإشراف على تطبيق اتفاقية السلام الشامل 2005م، إلا أن الأمم المتحدة أوصت بالتمديد للبعثة ثلاثة أشهر أخرى، مؤكدة أن قرار رحيل البعثة بيد مجلس الأمن.

"
سيكون الجنوب محروساً بعناية الأمم المتحدة ابتداء من حضور بان كي مون إلى جوبا جنباً إلى جنب مع البشير، في التاسع من يوليو للاعتراف بشرعية الدولة الجديدة
"
وقبل أن تشرق شمس التاسع من يوليو أيضاً سيكون قد تم نشر قوة جديدة لحفظ السلام في الجنوب قوامها سبعة آلاف فرد من بعثة الأمم المتحدة، بعد موافقة مجلس الأمن الدولي لتكون بذلك رابع قوة منفصلة للأمم المتحدة في السودان بالإضافة إلى القوى الثلاث في دارفور وأبيي وبعثة (يونميس).

بعد التاسع من يوليو وقبل أن يذهب الجنوب جنوباً لا بد من النظر إلى خارطة الطريق الإثيوبية التي تم وضعها أوائل هذا الشهر وفقاً لاتفاقية أديس أبابا الموقعة بين حكومة الشمال والحركة الشعبية لتحرير السودان (قطاع الشمال) والتي تم فيها الاتفاق على الترتيبات الأمنية والسياسية، ووضع حل نهائي لمشكلة أبيي وضرورة النظر ملياً في هذا الاتفاق حتى لا يأخذ الجنوب في إبحاره الجديد جنوباً، ومعه ولايتي النيل الأزرق وجنوب كردفان.

والنظر يعني وضع حد للتصعيد بين الجانبين والالتزام بحل القضايا حتى يبتعد شبح الخوف من عودة السودان بشقيه الشمالي والجنوبي إلى مربع الحرب مرة أخرى. وهو بالضرورة يعني إعادة هيكلة الاقتصاد السوداني وتكامله بين الشمال والجنوب بتفعيل إيجابي لعنصر النفط الرابط بين الشمال والجنوب بعد الانفصال والمدخل الأساسي لبناء شراكة بينهما.

وسيكون الجنوب محروساً بعناية الأمم المتحدة ابتداء من حضور بان كي مون إلى جوبا جنباً إلى جنب مع البشير، في التاسع من يوليو للاعتراف بشرعية الدولة الجديدة.

المصدر : الجزيرة

التعليقات