محمد علوش

محمد علوش

إعلامي وكاتب سياسي لبناني


زمن التكهنات
قواعد لعب جديدة

الإسلاميون الغائب العائد
مسكين ميقاتي

لبنان منهمك اليوم بالتكهنات واستشراف قادم الأيام والشهور، لم يعد الأمر يتوقف عند حدود ما يقوله الكتاب والمحللون السياسيون الذين تعج بهم الشاشات الصغيرة، بل تعدى ذلك إلى الارتماء بأحضان المشعوذين والضاربين بالمنديل والرمل، فالتجارب السابقة مريرة، وقد خبر لبنان فيها كل ألوان التشظي والتطاحن.

والشعب اللبناني الذي تجتاحه التأويلات والتفسيرات المتعددة متفق، بمقاومته وخصومها، أن بلده بعد القرار الاتهامي ليس كما كان قبله، وإن تناقضت اجتهاداته حول توقيت صدور هذا القرار.

زمن التكهنات

"
يقول أنصار الأكثرية الجديدة: المحكمة مسيسة ومخترقة في الإجراءات والأصول, ويرد الخصوم: اتهام المحكمة لن يحجب الحقيقة
"
يقول أنصار الأكثرية الجديدة "لو انقلب النظام في سوريا لما صدر القرار الاتهامي، ولو عادت الأكثرية السابقة إلى السلطة لما صدر القرار الاتهامي، ولو كان أدنى شك في أن حكومة نجيب ميقاتي لن تنال الثقة لما صدر القرار الاتهامي، إلا أن القرار صدر حين سقطت كل الرهانات السابقة". وهذا وحده كاف لدى هؤلاء للقول إن المحكمة من رأسها إلى أخمص قدمها مسيسة ومخترقة في الإجراءات والأصول، كذا في الشكل والمضمون.

يرد خصومهم بأن الهروب إلى الأمام ورمي العار على المحكمة الدولية لن يحجب الحقيقة ولن يضعف وهجها، والمسلمة التي كرّسها حزب الله وسوّقها دهرا، أن أي نقد له أو اتهام لعضو فيه يعني النيل من المقاومة وقداستها ويصب مباشرة في المشروع الإسرائيلي التآمري لم تعد تنطلي على أحد، وهي أشبه بـ"تغطية السماوات بالأبوات". فالعدالة آتية، ولا يمكن للفاعلين أن يرتعوا ويمرحوا دون حسيب أو رقيب وأن الزمن مهما طال فلا بد للمظلوم أن ينتصر ولا بد للقيد أن ينكسر.

قواعد لعب جديدة
يتجاوز آخرون توقيت صدور القرار ومدلولاته إلى أصل القرار، فيرون أن القرار أعيد نبش قبره وإحياؤه بأنفاس اصطناعية، وهو الذي شيع في جنازة مشتركة قام بها حزب الله وتيار المستقبل في حكومة الوحدة الوطنية التي أنتجها اتفاق الدوحة عام 2008، وكانت معادلتها كالتالي "خذوا العفو عن القرار الاتهامي وأعطونا العفو عن كل الارتكابات السابقة في القضاء والأمن والمال والإدارة".

وقد سلك سعد الحريري جميع الدروب من أجل المصالحة، فذهب إلى دمشق وطهران وجلس إلى السيد نصر الله، لكنه قوبل بالرفض والإبعاد، حيث انقلبت قوى 8 آذار على المعادلة السابقة وأخرجت الحريري قسرا من القصر الحكومي، وألجأته إلى جزيرة سردينيا الفرنسية طلبا للأمن في زمن عز فيه الأمن، فما كان من الأخير سوى نفض يده من المعادلة.

فهل عدنا إلى المربع الأول في الصراع المحتدم بين الأكثرية الجديدة والأكثرية السابقة؟ وهل إعادة إنتاج معادلة "اللجوء إلى الحماية الدولية في مقابل التهديد بالسلاح" قد تجد أرضا خصبة لتقبلها في التربة اللبنانية؟

من الصعب الإجابة بدقة على ما سبق، لا سيما أن الأكثرية الجديدة وتحديدا حزب الله استطاع في السنوات الثلاث الماضية تفريغ المحكمة من محتواها عبر عملية إعلامية مبرمجة جيدا أقنعت جزءا كبيرا من اللبنانيين بأن المحكمة مسيسة وأن الهدف رأس المقاومة.

لكن ماذا عن تيار المستقبل؟ هل سيكتفي بالتأكيد على العدالة الدولية في القصاص من قتلة الرئيس الحريري أم لديه خيارات أخرى ربما يلجأ إليها في معركته المصيرية التي يلقي فيها بكامل أوراقه في لعبة قمار إما أن يخرج فيها رابحا كل شيء أو يخسر كل شيء؟

"
إذا كانت الأكثرية الجديدة ستعيد فتح ملف شهود الزور والضباط الأربعة الذين اعتقلوا فإن الأكثرية السابقة لن توقف حملتها قبل أن تسقط حكومة نجيب ميقاتي
"
قد نختلف أو نتفق في نوع وعدد الأوراق التي يملكها تيار المستقبل وحلفاؤه في مواجهة الأكثرية الجديدة، لكن مما لا يحتمل الشك أن قوى 14 آذار، وبعد خروجها القسري من الحكومة ترى نفسها اليوم متحررة من أي عبء يفرضه وجودها في السلطة، فهي تستطيع العمل اليوم بكل حرية ودون أي تحفظ أو خطوط حمراء، وقد تلعب أوراقها، بدءا من زواريب بيروت وطرابلس والبقاع وصولا إلى أروقة الأمم المتحدة ودهاليز البيت الأبيض وقصر الإليزية.

وإذا كانت الأكثرية الجديدة ستعيد فتح ملف شهود الزور والضباط الأربعة الذين اعتقلوا لثلاث سنوات دون وجه حق، فإن الأكثرية السابقة لن توقف حملتها قبل أن تسقط حكومة نجيب ميقاتي.

الإسلاميون الغائب العائد
من بين الأوراق التي قد تفرض نفسها على الساحة اللبنانية، تزامنا مع تقدم المحكمة الدولية في مسارها الإجرائي، ورقة الإسلاميين (المتشددين) أو ما يعرف بالتيارات السلفية التي هي في الأصل على عداء فكري وسياسي مع حزب الله، وهي الآن تجد ضالتها في مواجهة حزب الله بعد أن وصلت الأمور بين تيار المستقبل الأكثر تمثيلا للسنة وحزب الله الأكثر تمثيلا للشعية إلى طلاق بائن لا رجعة فيه.

ومعادلة الإسلاميين التي استعملت سابقا منذ حرب تموز حتى الحسم العسكري لحزب الله في 7 مايو/أيار 2008 داخل شوارع بيروت تقوم على التالي "الأصولية الشيعية المتثملة بحزب الله وسلاحه ستقابلها أصولية سنية تتمثل بالتيارات السلفية ذات التوجهات الجهادية".

وقد اختبرت هذه المعادلة في إنتاج تنظيم "فتح الإسلام" في العام 2007، لكن النتائج لم تكن لصالح أحد في لبنان آنذاك، وبالتالي فإن العودة إلى هذا الخيار من جديد غير مضمونة النتائج، علما بأن المعادلة السابقة قد تستعمل مع شيء من التطوير، فتصبح كالتالي: "إقصاء الحريري الممثل الحقيقي للسنة في لبنان عن رئاسة الحكومة سيخلق تيارا جهاديا عابرا للحدود ولا يؤمن بقوانين اللعب السياسي، وبالتالي يصبح من الواجب على الجميع أكثرية وأقلية العمل على عودة "الإسلام المعتدل" الذي يمثله تيار المستقبل لحماية الطائفة السنية من الانزلاق إلى التشدد من ناحية ولحماية الكيان اللبناني برمته من الاندثار من ناحية أخرى".

مسكين ميقاتي

"
مسكين ميقاتي لأنه انتهج الوسطية مسارا له في العمل السياسي العام في بلد لم يعرف منذ ثلاثة عقود إلا الانقسامات والاصطفافات السياسية والطائفية 
"
مسكين نجيب ميقاتي رئيس حكومة لبنان، ربما من سوء طالعه أن يقبل برئاسة الحكومة في هذا الظرف الدقيق الذي يمر به لبنان ومحيطه الإقليمي، فهو أشبه بمن وقع بين فكي كماشة طرف يمثله حلفاؤه في الأكثرية الجديدة الذين لم يتركوا له مجالا للمناورة في موضوع المحكمة وطرف آخر تمثله الأكثرية السابقة التي لن تغفر له قبوله رئاسة الحكومة على غفلة منها.

مسكين هو مرة أخرى، لأنه انتهج الوسطية مسارا له في العمل السياسي العام في بلد لم يعرف منذ ثلاثة عقود إلا الانقسامات والاصطفافات السياسية والطائفية، فمهما قدم اليوم فإن قوى 14 آذار ستظل تتهمه بالمناورة والتنصل من المسؤوليات والالتزامات الدولية وستحاصره في الداخل والخارج وستحصي له أنفاسه إن استطاعت إلى ذلك سبيلا، في حين لن يتردد حزب الله في استعمال كل ما يملك من قوة إذا وجد أن سلاحه أو وجوده مهدد بقرار دولي أو تآمر داخلي، كذا الحال للجنرال عون المستعد للتضحية بكل الأعراف السياسية للوصول إلى رئاسة الجمهورية أو لخنق خصومه في الطائفة المسيحية ومصادرة حضورها داخل الشارع الماروني.

وما بين موقف حزب الله الرافض جملة وتفصيلا للتعاون مع المحكمة الدولية والمتهكم على من يراهن عليها ولسان حاله يقول "روحو بلطوا البحر" وموقف تيار المستقبل الداعم للمحكمة والرافض لأي اتهام لها بالتسييس، تبقى العين جاحظة تجاه الخطوات التي سيتخذها الرئيس ميقاتي الذي حاول منذ اليوم الأول لتوليه الحكومة أن يثبت لخصومه السياسيين خصوصا وللبنانيين عموما، أن حكومته ليست حكومة حزب الله كما يسميها تيار المستقبل وإنما هي حكومة "كلنا للعمل" ذاك الجزء من النشيد الوطني اللبناني.

وكذلك أنه كان ولا يزال مع كشف حقيقة الجريمة التي أودت بالرئيس الحريري ورفاقه والشخصيات الذين سقطوا بعده، وأنه معني بتنفيذ القصاص العادل بحق المتورطين، شريطة ألا يكون ذلك على حساب استقرار لبنان وسلمه الأهلي.

"
أيا كان شكل التعاون الذي ستبديه حكومة ميقاتي، فهي لن تغير شيئا في موقف حزب الله ولا في موقف خصومه
"

هذا الموقف لميقاتي لا لبس فيه ولا يحق لأحد أن يلومه عليه، لكن كيف له أن يترجم موقفه أمام المحكمة الدولية، وهو الذي أكد في بيانه الوزاري على احترام والتزام التعاون بما لا ينعكس سلبا على استقرار لبنان؟

أيا كان شكل التعاون الذي ستبديه حكومة ميقاتي، فهي لن تغير شيئا في موقف حزب الله ولا في موقف خصومه. وسواء قلنا إن المحكمة مسيسة أم غير مسيسة، هدفها إحقاق الحق وتحقيق العدالة أو النيل من المقاومة وزرع النزاع بين اللبنانيين، فإن المحكمة باتت أمرا واقعا وأصبح لبنان مكشوفا على المجتمع الدولي، والخيارات التي بحوزة الحكومة تضيق يوما بعد يوم، مما يضع لبنان على كف عفريت.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك