كمال الجزولي

كمال الجزولي

كمال الجزولي


ها هو النيل القديم يسري، الآن، من خلف الأضالع، واهنا/ ها هو النيل القديم يستجيش بالحياة، تارة، وتارة يفيض بالسراب/ يمط جذعه بالسمك النافق، في الصباحات، وبالزوارق المعطوبة، والتماسيح الكسالى/ وفي المساءات يلفظ القطعان، والدخان، والعباب/ فيا أيها الذاهبون في طريق الذهاب/ أيها الموغلون في الرحيل المر والغياب/ ربما لم تعد في دنان صبركم قطرة/ ربما لم يعد ثمة ما يغوي في سلالنا بالإياب/ لكننا نقسم بالله العظيم، "نلحس سنة القلم، نلعق ذرة التراب"/ سوف تبقى فصودكم محفورة، على الدوام، في جباهنا/ وأهازيجكم ندية، أبد الدهر، على شفاهنا/ فذرونا، واعذرونا، واذكرونا/ "أذكرونا مثل ذكرانا لكم" .. مثل ذكرانا لكم يا أيها الأحباب.

(1)

عشية التاسع من يوليو/تموز 2011م، يوم الإعلان، رسمياً، عن قيام دولة جنوب السودان المنفصلة، قفزت إلى الذهن، فجأة، ذكرى صديقنا شاعر الدينكا الفذ المرحوم سر أناي كيلويلجانق، وهمسه لنا، مبتسماً، تحت ظلال العشيات الزرق، بعبارته شديدة البشرى، معدية التفاؤل، على أيام انتفاضة أبريل 1985م الباسلة التي قبرت دكتاتورية النميري، يقول: "الآلام التي ظلت تقاسيها أمتنا ليست، قطعاً، آلام المرض، بل هي، يقيناً، آلام الطلق".

"
عمل المجتمع الدولي بقيادة الرئيس السابق مبيكي بلا كلل من أجل تحقيق السلام، لكن الخيارات النهائية تبقى بيد الرئيسين البشير وسلفاكير
"
وها هو السيد نيكولاس كاي -سفير بريطانيا الحالي إلى الخرطوم- يكتب، بتاريخ 3/7/2011م، معلقاً، في مدونته الخاصة، على اتفاقيات أديس أبابا التي لم يكد حبرها يجف، مؤخراً، بين المؤتمر الوطني والحركة الشعبية، حتى أجهضها رئيس الجمهورية: "إن (آلام المخاض Labour pains) تسبق أي ميلاد، بما في ذلك ميلاد أية أمة. والسودان -كأكبر بلد في أفريقيا- ظل يقاسي، موجة تلو موجة، من المعاناة، لكن المسألة ليست كلها (ألم). فالسياسيون  -القابلات- لم يهجروا عملهم، وفي أديس أبابا عمل القادة السياسيون والعسكريون من كلا الجانبين بصبر للوصول لاتفاقيات تخفف معاناة شعوبهم.

إن من يبدؤون القتال يتعين عليهم إنهاؤه، وعلى القادة السياسيين أن يتحملوا مسؤولياتهم. لقد عمل المجتمع الدولي، بقيادة الرئيس السابق مبيكي -بلا كلل- من أجل تحقيق السلام، لكن الخيارات النهائية تبقى بيد الرئيسين البشير وسلفاكير، فما سيفعلانه خلال الأيام القليلة القادمة، سيقرر ما إن كان بلداهما سيولدان، يوم التاسع من يوليو، من بين التعانف والدم المسفوك، أم بروح السلام وحسن الجوار؟".

قد يبدو التخاطر غريباً، هنا، فلكأن أصداء عبارة سر أناي قد تردَّدت، من وراء السنين، في مسمعي نيكولاس كاي، وعلى لسانه، لولا أن الأول تدفق بروح الشاعر الوطني الذي لم يكن يقينه ليتزعزع في (الوحدة) الراسخة، بينما الآخر يحدوه طيف أمل دبلوماسي مرتبك في إمكانية تعايش الدولتين، سلمياً، برغم (الانفصال) وشتان بين هذا وذاك.

(2)

ظلت حكومات الخرطوم الوطنية المتعاقبة أسيرة للتلاوين التي وسمت صورة الذات الإثنية المستعربة المسلمة، المنتشرة، تاريخياً، وبالأساس، على طول الشريط النيلي شمالاً، وامتداداته إلى مثلث الوسط الذهبي (الخرطوم ـ كوستي ـ سنار)، منبثقة، أصلاً، من جذور نوبية استعربت وأسلمت، عبر القرون، ولم يعد لنوبيتها تلك معنى محدد.

هذه التلاوين هي التي بلورت أخطر جوانب الوعي الزائف بهوية الذات لدى هذه الجماعة ونخبها، وهو المتوطن في توهم عروبة العرق الخالص، واللسان الخالص، والثقافة الخالصة، دون استشعار لنبض العنصر الآخر، الزنجي والنوبي والبجاوي وغيره.

ملامح هذه الصورة الملفقة انعكست، عام 1956م، على منهج لجنة التحقيق في أحداث توريت وغيرها عام 1955م، والتي ركزت، كما لاحظ فرانسيس دينق بحق، على ما يفرق، وعلى المبالغة في تقدير نتائج عمليات الأسلمة والتعريب في الشمال، والفوارق التي ترتبت عليها بين الشمال والجنوب، حتى أضحت تلك الفوارق مرشداً لعمل أية حكومة مركزية تجاه الجنوب، إلى حد التيئيس من الوحدة. ويمكن حصرها في خمسة:

(1) الشمال، عرقياً، عربي، والجنوب زنجي؛ والشمال، دينياً، مسلم، والجنوب وثني؛ والشمال، لغوياً، يتكلم العربية؛ والجنوب (يرطن) بأكثر من ثمانين لغة.

(2) الجنوبيون يعتبرون الشماليين أعداءهم التقليديين.

(3) الاستعمار دفع بتطور الجنوبيين، حتى 1947م، على خطوط زنجية، فأعاق أي تقارب بينهم وبين الشماليين، مستعيناً بأداة القانون والنشاط التعليمي للإرساليات التبشيرية.

(4) الشمال، لأسباب تاريخية، تطور سريعاً، بينما ظل الجنوبيون على تخلفهم، مما أورثهم شعوراً بأنهم ضحايا خداع الشماليين.

(5) الجنوبيون، لهذه العوامل، يفتقرون للشعور بالمواطنة والوطنية مع الشماليين (لاحظ الإحالة المعيارية المستعلية إثنياً).

"
ظلت حكومات الخرطوم الوطنية المتعاقبة أسيرة للتلاوين التي وسمت صورة الذات الإثنية المستعربة المسلمة، المنتشرة، تاريخياً، على طول الشريط النيلي شمالاً، وامتداداته 
"
واستطراداً، لم ينس التقرير اتهام الشيوعيين، ضمنياً، بالضلوع في أحداث 1955م، مشيراً لازدياد نشاطهم خلال ديسمبر/كانون الأول  1954م في مركز الزاندي والمورو، وبين عمال صناعة القطن ونقاباتهم، ولتوزيعهم منشوراتهم، وقتها، بلغة الزاندي.

باختصار كان التقرير نعياً لكل مقومات (الوحدة)، ونتاجاً للذهنية النخبوية المستعلية بمركزوية (الذات) في علاقتها بـ(الآخر)، والتي طفحت آثارها المأساوية بعد الاستقلال، حيث شكلت أيديولوجية السياسة الوطنية تجاه الجنوب، باستثناء شواهد قليلة، كبيان 9 يونيو/حزيران 1969م، وجهود وزارة شؤون الجنوب (1969م ـ 1971م)، وما انعكس منها في اتفاقية أديس أبابا 1972م.

(3)

إذاً، وبفضل ذلك (المرشد)، أصبحت خطة (الأسلمة والتعريب) المتلازمين، ضربة لازب، في المنظور الإجرائي البحت، والقائمين على رموزيات القوة المادية، والتفوق العرقي، وإهدار حق التميز الثقافي، هي البديل (الوطني الحر المستقل) للسياسات الاستعمارية تجاه الجنوب حتى لم تترك له سبيلاً سوى (الانفصال) بموجب استفتاء يناير 2011م، وقد فاقم من ذلك توهم الجماعة المستعربة المسلمة السودانية، أو بالأحرى نخبها، أن عليها الوفاء، في تخوم العالمين العربي والإسلامي، بمهمة (مقدسة) ألقت بها على عاتقها الجماعة العربية المسلمة الكبرى في مركز القلب من هذين العالمين لتجسير الهوة التي تعيق انسياب (العروبة) و(الإسلام) نحو عالم الأفارقة الوثنيين، مما ولد لدى غالب النخب الشمالية، وبالأخص النخبة الإسلاموية التي تسيدت اقتصادياً، وسياسياً، واجتماعياً، منذ 1989م، ذهنية (رسالية) تجاه الجنوب قائمة على الإخضاع والاستتباع subordination، مثلما ولد لدى قطاعات عريضة من النخب الجنوبية ردود فعل شديدة العنف والحدة تجاه كل ما هو عربي وإسلامي، مما يتمظهر، غالباً، في الميل إلى تضخيم الانتماء للرموزيات الثقافية والعرقية (الأفريقانية)، وللديانة المسيحية، وللغة (الإنجليزية)، رغم أنف الحقيقة القائلة بأن 60% من العرب موجودون، أصلاً، في (أفريقيا)، ورغم أنف (عربي جوبا) الذى لا تعرف التكوينات القومية الجنوبية نفسها لغة تواصل lingua franca فيما بينها غيره.

هتان النظرتان المتصادمتان اللتان تمتحان من الوهم، لا الواقع، حبستا كلا (العروبة) و(الأفريقانية)، على ركاكة المقابلة الاصطلاحية، في أسر مفاهيم عرقية وثقافية دعمت مناخ العدائيات المستمر بلا طائل، وعرقلت أي مشروع معقول لوحدة مرموقة.

"
لسنا البلد الوحيد الذي قام على تعدد وتنوع, غير أنه ما من بلد مثلنا كابرت فيه جماعة بتفوقها الثقافي والديني واللغوي، طالبة تنازل الآخرين لها عما بأيديهم
"
فلسنا البلد الوحيد الذي تمايزت فيه الأعراق؛ على أنه ما من بلد مثلنا زعم فيه البعض انتسابهم إلى عرق (خالص) يستعلون به على بقية الأعراق، فدفعوا الآخرين، بالمقابل، إلى مجابهة هذا الاستعلاء باستعلاء مساو في المقدار، ومضاد في الاتجاه.

ولسنا البلد الوحيد الذي قام على تعدد وتنوع تحتاج مكوناته إلى حوار تاريخي هادئ، ومثاقفة تلقائية رائقة، غير أنه ما من بلد مثلنا كابرت فيه جماعة بتفوقها الثقافي والديني واللغوي، طالبة تنازل الآخرين لها عما بأيديهم، وتسليمهم بامتيازها المطلق، فلم تحصل منهم إلا على الكراهية المختلقة، والدم المفتعل.

ولسنا البلد الوحيد الذي أدى استلحاقه القسري، منذ مرحلة ما قبل الرأسمالية، بفلك السوق العالمي، إلى تفاوت قسمة الثروة، وحظوظ التنمية والتطور، بين مختلف أقاليمه؛ سوى أنه ما من بلد مثلنا انطمست بصائر نخبه الحاكمة عن رؤية المخاطر التي يمكن أن تحيق بسلطتها نفسها، في ما لو تحولت جملة هذه المظالم إلى (غبينة) تاريخية.

(4)

بالنتيجة اختار الجَّنوبيون (الانفصال). لكن من تمام الغفلة اعتبار نموذج الجنوب حالة استثنائيَّة غير قابلة للتكرار، وإنما يلزم الإقرار بأن الجنوب، في الحقيقة، ليس سوى النموذج الوحيد المرشح لأن يحذو حذوه، في نهاية المطاف، كل تكوين قومي تبلغ روحه الحلقوم؛ ولعل حالة دارفور وأبيي وجنوب كردفان والنيل الأزرق، دع الشرق وشمال (السدود) الأقصى، هي أول ما يقفز إلى الأذهان كإرهاص شؤم بهذا المآل.

مع ذلك ليس من قبيل المعجزات أن يفضي بنا الانتباه لحقائق تساكننا السابق، ودلالات صراعاتنا نفسها، فضلاً عن حركة التدافع، وطنياً وإقليمياً وعالمياً، إلى مستقبل تستعيد فيه بلادنا وحدتها، لا على خط الانحدار السابق، بل على مداميك وطنية جديدة تنعم فوقها بدرجة معقولة من توازن التطور، وتكافؤ الأعراق، وتعايش الأديان، والثقافات، والتكوينات القومية المختلفة.

ولا شك في أننا سنكون أكثر قرباً من هذا المستقبل، بقدر ما سيراكم تاريخنا من معطيات تتيح لكل مفردة في منظومة تنوعنا أن تعي ذاتها في نسق علاقاتها بغيرها، مما سيجعل من التوازن، والتكافؤ، والتعايش، ليس، فقط، حالة بديلة عن الاستعلاء والاحتراب اللذين أسلمانا إلى (الانفصال)، بل ضرورة لا غنى عنها لوجودنا نفسه.

"
لأن العامل الاقتصادي غير قمين، وحده، بكفالة حل مشاكل التساكن القومي، فلا مناص من التواضع على بناء دولة مدنية ديمقراطية قائمة على التعدد، ومعيارية المواطنة "

هذا هو التحدي الشاخص في أفق تطورنا، والذي يفترض العكوف على تدبر مجابهته، بإحسان تدبر جملة الجرائر التي أودت بوحدة الوطن. فالمستقبل المأمول ليس محض طور من أطوار الارتقاء التلقائي، يقع، حتماً، سواء عملنا أو لم نعمل لأجله، وإنما يحتاج إلى حركة دفع قصدية جادة بثلاث اتجاهات:

(1) الانطلاق من الإقرار بواقع التنوع إلى تصميم برامج للتنمية المتوازنة بين مكوناته، وإعطاء الأولوية لإعادة استثمار الموارد القومية، كالبترول، حيثما وجد، في القطاعين الزراعي والصناعي، وكل مجالات التنمية، بدلاً من الاقتصار على (قسمة العائد) البائسة، فضلاً عن تخصيص ما يكفي من الموارد لردم فجوة التهميش التي تعانى منها مناطق شاسعة من الوطن، وذلك بتفعيل (التمييز الإيجابي positive discrimination)، أي المعاملة التفضيلية للمناطق التي تشكل منابع الثروات القومية، فيعاد استثمار قدر معلوم من عائداتها للارتقاء بخدمات الصحة والتعليم وغيرها في هذه المناطق، سواء مما تخصصه الميزانية العامة، أو ما ترصده ميزانية التنمية.

(2) ولأن العامل الاقتصادي غير قمين، وحده، بكفالة حل مشاكل التساكن القومي، فلا مناص من التواضع على بناء دولة مدنية ديمقراطية قائمة على التعدد، ومعيارية المواطنة، والعدالة الاجتماعية، والحريات العامة، وحقوق الإنسان كافة، كما نصت عليها المواثيق الدولية، لتكون حاضنة وطنية لهذه العمليات، ليس في مستوى الإطار الدستوري والقانوني، فحسب، وإنما بالمراجعة التاريخية المطلوبة بإلحاح لمحددات الهوية الوطنية في السياسات الثقافية، ومناهج التربية والتعليم، وبرامج الراديو والتلفزيون، وغيرها من أجهزة الإعلام ووسائط الاتصال الجماهيرية الأخرى ذات الأثر الحاسم في صياغة بنية الوعي الاجتماعي العام، بما يشيع مناخاً صالحاً لازدهار كل المجموعات القومية، بمختلف ثقافاتها، وأديانها، ومعتقداتها، ولغاتها، ويهيئ لانخراطها في مثاقفة ديمقراطية هادئة في ما بينها، "فليس أمر من صدام الثقافات.. وأدمى"، على قول شهير للمرحوم جمال محمد أحمد.

إنجاز كهذا يستحيل إتمامه عبر صفقات منفردة بين نخب في (الهامش) و(المركز)، بل لا بد من أوسع مشاركة منظمة للجماهير في المستويين، عبر أحزابها، ونقاباتها، واتحاداتها المهنية والنوعية، ومؤسساتها المدنية الطوعية، وروابطها الإقليمية والجهوية وغيرها.

(3) وإلى ذلك لا بد من انخراط الجماعة المستعربة المسلمة في حوار داخلي سلمي وحر بين مختلف أقسامها، حول فهومها المتعارضة لدينها الواحد، في علاقته بالدولة والسياسة، الأمر الذي لطالما شكل، منذ فجر الحركة الوطنية، بؤرة نزاعات خطرة لم يقتصر أثرها السالب على هذه الأقسام، فحسب، بل امتد ليطال علاقات المستعربين المسلمين، عموماً، بمساكنيهم من أهل الأعراق والأديان والثقافات الأخرى، بما تهدد، وما زال يتهدد (الوحدة الوطنية).

(5)

"
عوامل (التوحيد) الكامنة في تاريخنا الاجتماعي، والتي لا تنكرها العين إلا من رمد، تدفعنا إلى التفاؤل بأن (الوحدة) سوف تشكل خيارنا النهائي
"

هذه المعالجات ليست محض جداول لإجراءات محددة، بل سيرورة تاريخية باحتمالات لا نهائية. ولذا من العبث، محاولة توصيفها، تفصيلاً، أو تقييدها بمدى محدد، أو بترتيبات معينة، أو بحكومة بعينها.

وقد تتعرض لانتكاسات، حتى بعد التواضع عليها، حد تكرار تجربة (الانفصال) نفسه. على أن عوامل (التوحيد) الكامنة في تاريخنا الاجتماعي، والتي لا تنكرها العين إلا من رمد، تدفعنا إلى التفاؤل بأن (الوحدة) سوف تشكل خيارنا النهائي. وربما زودتنا بالمزيد من التفاؤل عبارة سر أناي الشاعرية الحكيمة: إن الآلام التي يعانيها وطننا هي، يقيناً، آلام (الطلق)، لا (المرض).

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك