محمد إبراهيم المدهون

محمد إبراهيم المدهون

محمد إبراهيم المدهون


الشعب يريد استثمار الثورة
الشعب يريد بناء الدولة
الشعب يريد تحرير فلسطين

احتقن الشارع العربي سنوات التيه العجاف وارتهنت إرادة قيادته للمحتل والغاصب، وغدا قرارها مأجوراً، وساد الاستبداد عبر الزواج الفاسد بين السلطة والمال والنفاق في ظل غياب المراجعة الإستراتيجية ولامبالاة تجاه حالة الاحتقان التي تتراكم في ظل غياب القيادة والتأثير.

ولم يكن هناك للأسف طيلة عقود حالة شعبية ضاغطة يمكن أن تمثل بارقة أمل للعودة عن التيه، وذلك في ظل تباين المواقف السياسية حتى في صفوف قوى المعارضة وأصحاب الرأي والفكر، وللأسف كان هناك أحياناً تواطؤ لبعض النخب ومؤسسات المجتمع المدني مع فقدان نسبي للقدرة على تقدير الموقف السياسي الصحيح، وتوج ذلك تزوير الانتخابات المفضوح والتوريث الوقح.

وتداعت الأمم على هذه المنطقة "كما تداعى الأكلة إلى قصعتها" عبر مخطط "فرق تسُد" رغبة في استمرار السيطرة عليها عبر مشروع استنساخ سايكس بيكو على أساس طائفي، بحيث دولتان طائفيتان في السودان، وثلاث دول طائفية في العراق، وفتنة طائفية في لبنان، ومحاولة تأجيج الفتنة الطائفية في مصر، ودولتان طائفيتان في السعودية، وكذلك مشروع حرب حول الصحراء الكبرى وحرب أهلية في اليمن ونسيان الصومال. مع استمرار الهيمنة الإسرائيلية على القرن الأفريقي.

من ذلك تفاقم الاحتقان في الشارع العربي والشعب لم يعد بحاجة إلى المزيد من التوعية والتنضيج، وهل هناك نضج ووعي أكثر من إرادة الثورة والتضحية وسيادة ثقافة الثورة والعمل وليس ثورة الثقافة.

وهذا ما يدعونا إلى تقييم دائم لجماهيرنا لمعرفة مستوى النضج والوعي على أسس موضوعية تقدر مستوى النضج، وتقدر نقاط التحول التاريخي في مسارات الأمّة وحركتها.

الشعب يريد استثمار الثورة

"
استعادت جماهير الأمة الثقة وعادت إليها روحها التي سلبها الاستبداد والظلم وكأن الشعوب أعادت اكتشاف نفسها لتعلم أنها على درجة من النقاء والمحبة والتآخي
"
استعادت جماهير الأمة الثقة وعادت إليها روحها التي سلبها الاستبداد والظلم وكأن الشعوب أعادت اكتشاف نفسها لتعلم أنها على درجة من النقاء والمحبة والتآخي والرغبة في التضحية، وباتت تحلم بمسار جديد يحقق العدالة والأمان والمساواة.

الثورة الشعبية الكبرى التي تثبت أن الذي يعيش بالسيف يموت بالسيف، وأن من يغتصب السلطة يخرج منها غصبا والثورة لما تنته بعد، حيث أنها تبشر بسقوط خطط تغير المنطقة وإعادة تقسيمها واستثمارها, ويجري ذلك من خلال أولا امتلاك عناصر التغيير والثورة عبر التمسك بالوعي الذي يتحقق بكشف سوءة المستبدين من خلال الإعلام الجديد الذي يساهم في هذه الثورة المباركة بشكل كبير، وكذلك التحلي بالإرادة والعزيمة "يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ [مريم: 12]"، علاوة على التحقق من توفر عناصر الثورة المتمثلة بالوحدة والتماسك عبر وحدة مطلبية وثبات على المواقف.

بعد استعادة الثقة في الذات العربية فإن عملية الاستثمار الرصين لهذه الثورة تتمثل في إعادة ترتيب الأولويات للأمة العربية وشعوبها، وذلك عبر رسم خريطة طريق عربية أولى محطاتها استنهاض الشعور الوطني وإزالة الالتباس في تقاطع الولاء ومنع تدريجي للتدخل الخارجي، والعمل المشترك بين كل القوى النابضة من خلال صياغة مشروع وطني جديد يؤدي الكل دوره على أساس من ثوابت عملية الإصلاح والبناء بعد الثورة والحرية.

الشعب يريد بناء الدولة
تنشأ الدولة نشأة طبيعية في الرحم لأسباب متنوعة على الصعيد الأخلاقي والنفسي والتاريخي والعمراني، ومن ثم تنبعث الدولة الرشيدة المدنية القائمة على أساس مبادئ وغايات وأساسها "إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ" [الأعراف:128]. وولادة الدولة الشاملة على أساس فكري من نظرية الحياة في الإسلام بمفهومها الفلسفي وغايتها الكبرى من هذه الحياة "هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا" [هود:61].

والشعب في حراكه خاصة الشباب الذين نصروا النبي (صلى الله عليه وسلم) "يستند إلى السيرة النبوية في بناء الدولة من القواعد، ومن قراءة التاريخ كانت هناك تجارب إصلاح من عل لم يتحقق لها النجاح وإنما التغير الجوهري يكمن في أساس الحياة الاجتماعية على أساس من بيان متين لصرح جديد اعتمد فلسفة التغير من الذات "إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ" [الرعد:11].

ومن هنا فإن بناء الدولة على قاعدة بناء العقول أولا وهو ما تحقق سلفاً، وإلا لما كانت ثورة الشعوب وتنشأ من ذلك الزعامة الفكرية الراشدة والثابتة، ومن ثم تبسط الدولة أجنحة الرحمة على البلاد والعباد، لتقدم بذلك النموذج لإسعاد جماهيرها التي تبادل الدولة الانتماء وتدافع عن الدولة الرشيدة في علاقة رعاية وولاء متبادلة.

"
مثلت تركيا العدالة والتنمية نموذجا يُحتذى به في بناء دولة الرفاه والاستقرار والانفتاح دون تخل عن العزة والكرامة والمواقف الحرة الأبية
"
الدولة التي تريدها شعوب الثورة العربية الكبرى قائمة على التعددية الفكرية والتنظيمية وعلى قاعدة العمل المشترك رغم التباين في وجهات النظر، وعلى أساس من الحوار والإقناع لا الصراع والشقاق، وعلى أساس من حرية الرأي والتنظيم والحريات الفردية، والفصل بين السلطات والتداول السلمي للسلطة بين قوى الشعوب الحية عبر انتخابات غير معلومة النتائج سلفاً، وعلى قاعدة "فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ" [الرعد: 17].

والحكم في ذلك قضاء مستقل يشطب الاستبداد وتتوزع السلطات فيه بين التشريعي والقضائي والتنفيذي مع تحديد مسبق لفترات الحكم عبر نظام برلماني لا يقوم على أساس التمثيل النسبي الذي يفرض رؤية الأقليات السياسية وتغدو الديمقراطية مفضية إلى الديكتاتورية، وإنما على أساس اقتراع الأغلبية وضمان ذلك اشتراك الجماهير على أوسع نطاق في الانتخابات على أساس من برنامج عمل واضح تحت إشراف قضاء نزيه يمثل العدل في دولة الحكم الرشيد، وتعززها منظومة إعلام صادق رصين يعمق الوعي الجمعي ويحقق الاستقرار المجتمعي عبر العدالة والأمان وتكافؤ الفرص.

ولقد مثلت تركيا العدالة والتنمية التي تفوقت في زمن قياسي على عقود من حكم العلمانية نموذجا يُحتذى به في بناء دولة الرفاه والاستقرار والانفتاح دون تخل عن العزة والكرامة والمواقف الحرة الأبية.

من خلال بناء دولة الحكم الرشيد مطلوب ألا تنسى أجيال شعوبنا ما حل بها من نكبات ومحن حتى لا تُخدع مرة أخرى وأن تواصل هذه الجماهير النابضة بالحب والحياة للبلاد والأمة بأن تستمر في جهاد نفسها "وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ" [العنكبوت: 69]، والاستمرار في البناء على أساس من الحرية والبصيرة والعدل الذي يمثل أساس دولة العمران، كما يقول ابن خلدون.

من أهم مقومات الدولة القيادة الرشيدة، والشعوب العربية اليوم لم تعد بحاجة إلى المزيد من التوعية والمهام الفكرية، إنّما تحتاج إلى قائد يعيشها وتعيشه في علاقة حب متبادلة، فالقائد الذي يمنح الأمّة قلبه، يجدها سخيةً في منحه الولاء، تُعطي الروح والجسد بكل أريحية، وليس بعد هذا وفاء. قلب القائد هو التعبير الواقعي عن مصداقية القيادة وجدارتها في رسم الطريق للأمّة والتفاعل بها ومعها.

"
المطلوب ضم الصفوف والتعارف بين الدول لتشكيل سلسلة على أسس جديدة عبر جامعة تعبر عن حقيقة المواقف العربية الرصينة والأصيلة
"
والأمّة تريد قائد النظرية والتطبيق الذي يفهمها... ويراها وتراه بلا حجاب أو ستار.. إنّها تريد قيادة ميدانية تتقدم الصفوف بشجاعة، وعند ذاك تبادر إلى فعل كل ما يراد منها، تحول الإيماءة إلى موقف... والإشارة إلى فعل... والرأي إلى تيار.

إن الخطوة اللاحقة للاستقرار في دولة الحكم المدني الرشيد هي ضم الصفوف والتعارف بين الدول لتشكيل سلسلة على أسس جديدة عبر جامعة تعبر عن حقيقة المواقف العربية الرصينة والأصيلة.

الشعب يريد تحرير فلسطين
انطلقت حناجر المحتفلون في ميادين الثورة المنتصرة في تونس ومصر بهتافها "الشعب يريد تحرير فلسطين"، وكأن انتصار الثورة مقدمة التحرير، حيث عادت الجماهير إلى نبض قلوبها وشريان حياتها فلسطين والأقصى وتحريرها، وما كان صبر الشعوب على الظلم والاستبداد إلا رغبة في منح فرصة لتحرير فلسطين، وإذا فُتحت الأبواب أمام الجماهير للتوجه صوب الأقصى فستشعل الملايين الأرض تحت أقدام المحتلين وحتى يتحقق الحلم العربي "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب"، ومن هنا فإنه من الضروري إعادة ترتيب الملف الفلسطيني داخلياً بعيداً عن الارتهان والارتزاق.

ومن هنا كانت الثورة الشعبية العربية الكبرى التي أعادت ترتيب المشهد الفلسطيني حيث نشأ أمام فريق أوسلو تحد من لون جديد "الشعب يريد إسقاط أوسلو"، حيث رُفع الغطاء العربي الرسمي عن مسيرة التفاوض العاقر عن إنجاب مشروع دولة رغم حالة التنازل غير المسبوق من عصابة الأربعة كما كشفت ذلك سجلات التفاوض، ووصل البرنامج السياسي التفاوضي إلى جداره الأخير بعد سقوط هوامش التحرك السياسي الأخير عبر الفيتو الأميركي مما يصل بالأمر إلى تأزم وانسداد وإحباط شعبي ورسمي، وبقيت سلطة أوسلو للأسف في إطارها الوظيفي عبر مشروع التعاون الأمني مع الاحتلال.

وأخيراً نجحت الورقة المصرية للمصالحة الفلسطينية بعد عودة التوازن، وغدت كرة المصالحة في الملعب الفلسطيني "والشعب يريد المصالحة" على أساس من قيادة فلسطينية جديدة بخطاب ثوابت فلسطينية مقبول شعبياً على أساس من "إسقاط مشروع الاستسلام"، وبالمقابل الاتفاق على برنامج كفاحي يوحد الشعب الفلسطيني على أساس مقاومة المحتل بكافة السبل ويستنهض الشعوب من أجل الزحف الكبير نحو فلسطين المحتلة، ومن هنا فإن ثورة المفاتيح وزحوف العودة نحو فلسطين في ذكرى النكبة هذا العام فاتحة خير على القضية من أجل مزيد من الاستنهاض للأمة.

ويحتاج ذلك إلى قيادة وطنية فلسطينية جامعة تمثل مرجعية موحدة، وهذا يُعيد طرح السؤال الكبير كمطلب شعبي للتجمعات الفلسطينية واضح، "فالشعب يريد إعادة بناء منظمة التحرير" على أساس من اتفاقية القاهرة 2005م، والخطوات السياسية المطلوبة لحماية المشروع الوطني الفلسطيني، وإعادة بناء السلطة على أساس فلسطيني خالص، وذلك باعتماد قطاع غزة المحرر والمتواصل مع عمقه العربي حاضنة السلطة الفلسطينية ومنطلق التحرير عبر صياغة إستراتيجية وطنية موحدة للتحرير من خلال حوار فلسطيني جامع على أساس من وثيقة الوفاق الوطني، بحيث يمثل ذلك مدخلاً لصياغة ميثاق وطني جديد يمنح الفرصة للعمل السياسي المشترك.

"
على الشعب الفلسطيني دعوة أبي مازن للإعلان عن وفاة مشروع التسوية والانتقال للعيش في قطاع غزة وتفعيل أكبر برنامج مقاومة في الضفة الغربية بإسناد من غزة والعالم العربي
"
ومن هنا فإن على الشعب الفلسطيني دعوة أبي مازن للإعلان عن وفاة مشروع التسوية والانتقال للعيش في قطاع غزة وتفعيل أكبر برنامج مقاومة في الضفة الغربية بإسناد من غزة والعالم العربي.

يخطئ من يفكر بأنّ الإنسان يتعب أو يرهقه طول السير طالما تحقق الانتماء والولاء، فهو يتجدد مع الأيام، يتمرد على الجراح والحزن، والأكثر من ذلك يستطيع أن يبدع القوة.. يجمع الأشلاء ليحولها إلى عملاق يتحدى.. يؤلف من دموع المحنة نشيداً متحدياً... ويحول الآهات صرخة ثورة، ويحقق نجاحاً تاريخياً تشهد له أرض العرب الملتهبة، ولا حاجة بعد ذلك لمزيد شهود.

وبذلك يتحقق الحلم العربي الذي تنبض به قلوب جماهير الأمة من المحيط إلى الخليج في انتظار لحظة انبلاج الثورة في كل مكان عن وليدها الحلم الذي غدا قاب قوسين أو أدنى "وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ قَرِيباً" [الإسراء: 51].

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك