- الدور الإيراني

- الدور التركي

- اختلاف الدورين
- تداعيات الاختلاف

 

تبدو الأزمة السورية في جوانب من مساراتها أزمة إقليمية، ولعل سبب ذلك هو أن إيران وتركيا تشكلان أعمدة التوازن الإقليمي لهذه الأزمة ومنطقة المشرق العربي عموما، وعليه فإن اختلاف مواقف الدولتين من الأزمة السورية بغض النظر عن الدوافع والأسباب جعلت منهما محددين لها، سلبا أو إيجابا.

 

ما أسباب هذا الاختلاف؟ وكيف سيؤثر ذلك على الأزمة السورية؟ وما تداعياتها على علاقات البلدين؟ أسئلة لا يمكن البحث عن إجابات منطقية لها بعيدا عن تأثير الجيوسياسة السورية التي هي على تماس مباشر مع سياسة البلدين ومعظم الملفات الساخنة في المنطقة، من العراق إلى لبنان مرورا بفلسطين.

 

وعليه فان من شأن بقاء النظام السوري أو رحيله تحديد قواعد اللعبة في إدارة هذه الملفات إقليميا وسط تنافس إيراني تركي على رسم المشهد الإقليمي في المنطقة.

 

الدور الإيراني

منذ بداية الأزمة السورية أعلنت طهران عن دعمها الكامل للنظام السوري، وهذا طبيعي ومفهوم في ظل التحالف القائم بين البلدين الذي يمتد من طهران إلى دمشق ويصل إلى بيروت.

 

"
إيران ترى أن انهيار النظام السوري انهيار لإستراتيجيتها في المنطقة، وعليه تتابع المشهد السوري بدقة واهتمام وقلق وتعمل بكل الوسائل لإخراجه من هذه الأزمة أقوى مما كان
"
وقد كان موقف طهران هذا مخالفا لموقفها من ثورتي مصر وتونس عندما أعلنت أن هذه الثورات تصب في إستراتيجية الثورة الإسلامية ضد القوى الغربية، أما في الحالة السورية فوضعت طهران الاحتجاجات الجارية والمطالبة بالتغيير في خانة المؤامرة الخارجية.

 

وانطلاقا من هذه الرؤية تحركت طهران على مستويين، الأول منهما تقديم الدعم المباشر للنظام السوري، وقد برز هذا الدعم من خلال المواقف السياسية والتغطية الإعلامية والدعم المالي والاقتصادي (شراء النفط بالليرة السورية والحديث عن مساعدات مالية هائلة)، في حين تحدثت واشنطن عن دعم عسكري ولوجسيتي وصل إلى حد الحديث عن إرسال جنود من الحرس الثوري لقمع المحتجين المطالبين بالتغيير.

 

وهذه الاتهامات لم تقدم واشنطن أو غيرها أي أدلة عملية عليها، رغم أن صورا للفيديو أظهرت حرق العلم الإيراني في بعض الاحتجاجات التي شهدتها سوريا.

 

أما الثاني منهما فهو التحرك لمواجهة الضغوط الدبلوماسية والسياسية على النظام السوري، وقد برز هذا الأمر جليا من خلال التحرك على محور أنقرة، إذ تردد أن المرشد العام للجمهورية علي خامنئي أرسل مبعوثا خاصا إلى القيادة التركية لإيصال رسالة مفادها أن سقوط النظام السوري خط أحمر.

 

وقد برز مثل هذا الموقف أثناء الزيارة التي قام بها وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو إلى طهران مؤخرا ليقول بعد ذلك الناطق باسم الخارجية الإيرانية رامين مهمانبرست في مؤتمر صحفي "لو خيرنا بين تركيا وسوريا سنختار سوريا بلا شك".

 

وهذه رسالة تلخص السياسة الإيرانية تجاه الأزمة السورية، خلاصة تؤكد أن إيران ترى أن انهيار النظام السوري انهيار لإستراتيجيتها في المنطقة، وعليه تتابع المشهد السوري بدقة واهتمام وقلق وتعمل بكل الوسائل لإخراجه من هذه الأزمة أقوى مما كان.

 

الدور التركي

خلافا للسياسة الإيرانية فإن تركيا حزب العدالة والتنمية التي وصلت علاقاتها مع سوريا إلى مستوى القمة قبل تفجر الاحتجاجات في سوريا اتبعت سياسة مختلفة فاجأت النظام السوري.

 

فبعد فترة من النصح وإرسال مبعوثين أمنيين وسياسيين إلى دمشق للمطالبة بإصلاحات سريعة وحقيقية سماها وزير الخارجية أحمد داود أوغلو "إصلاحات بالصدمة" انتقل التعامل التركي مع الأزمة السورية إلى مرحلة جديدة، مرحلة اتبع فيها رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان لهجة غير مسبوقة حيال ما يجري من خلال تأكيده مرارا بأن أنقرة لن تسمح بتكرار ما جرى في حماة، في إشارة إلى المواجهة الدموية التي حصلت مع الإخوان المسلمين في مطلع الثمانينيات.

 

ومن ثم اتجهت تركيا إلى احتضان تدريجي للمعارضة السورية من خلال السماح بعقد سلسلة مؤتمرات لها في إسطنبول وأنطاليا، فضلا عن تأمين المأوى لآلاف اللاجئين السوريين في المناطق التركية المجاورة لمحافظة إدلب السورية التي شهدت مواجهات دموية في منطقة جسر الشغور، لتصبح اللهجة التركية بعد ذلك أقرب إلى المطالبة بالتغيير دون المطالبة برحيل النظام كما وقع مع الرئيس المصري السابق حسني مبارك والزعيم الليبي العقيد معمر القذافي.

 

ولكن لا يخفى على المراقب أنه بعد كل هذا عادت اللهجة التركية إلى حالة من الهدوء الغامض دون معرفة الأسباب، وهل لهذا الهدوء علاقة بمراجعة السياسات، أم بمشاورات تجري في الكواليس أم أنه الهدوء الذي يسبق عاصفة كما يقال.

 

المهم في الأمر هنا هو أن الموقف التركي من الأزمة السورية ينطلق من وجود أزمة داخلية سورية، خلافا للموقف الإيراني الذي يضع الأمر في خانة المؤامرة، إذ ترى أنقرة أنه لا يمكن تجاوز هذه الأزمة إلا من خلال تغيير سياسي على شكل عقد اجتماعي جديد ينظم الحياة السياسية في البلاد من جديد.

 

"
إيران تريد إنقاذ النظام والحفاظ على العلاقة الإستراتيجية بل والخروج بأقوى مما كان في السابق، في حين تريد تركيا التغيير الذي يؤسس لمرحلة جديدة في المنطقة يكون لها فيها الدور الأكبر
"
اختلاف الدورين
من الواضح، أن كل طرف يرى أن ما يجري في سوريا يمس أمنه القومي والوطني بل ويعده شأنا داخليا بشكل أو بآخر، وعند هذه النقطة تختلف الأسباب والتطلعات انطلاقا من الإستراتيجيات، إذ تمثل سوريا قلب التعارض بين السياستين التركية والإيرانية تجاه قضايا منطقة الشرق الأوسط.

 

فتركيا ترى أن تغيير المشهد السوري سيكون في مصلحة إستراتيجية حزب العدالة والتنمية تجاه منطقة الشرق الأوسط، خاصة في ظل إحساسه بأهمية نموذجه في الحكم كنموذج معتدل حقق التوافق بين الإسلام والعلمانية والاقتصاد ويحظى بدعم غربي.

 

بمعنى آخر تأمل أنقرة أن يكون تغيير المشهد السوري مدخلا لفك التحالف السوري الإيراني، لأن من شأن ذلك قلب التوازنات في المنطقة لمصلحتها، ولعل أنقرة باتت ترى أن من شأن فك هذا التحالف تحقيق الاستقرار الإقليمي والانتقال إلى مرحلة جديدة بما في ذلك إيجاد حل للصراع العربي الإسرائيلي.

 

وعلى عكس أنقرة ترى طهران، وانطلاقا من الأرضية التاريخية للتنافس التركي الإيراني منذ كان صفويا عثمانيا، أن ثمة نزعة كامنة لدى تركيا حزب العدالة والتنمية.

 

وترى أن هذه النزعة المعروفة بالعثمانية الجديدة تحركت بقوة مع الثورات العربية التي انطلقت من تونس ومصر، وفي الحالة السورية تقاطعت مع حركة الإخوان المسلمين السورية، وباتت ترى أن هذا التقاطع أصبح مغريا لإسقاط النظام السوري ورسم سياسة جديدة يكون فيها لتركيا الدور الأبرز.

 

وعليه فإن إيران أعلنت وقوفها إلى جانب النظام السوري ومده بأسباب القوة لتجاوز أزمته على أمل تكرار تجربة ما حصل مع النظام الإيراني عقب الاحتجاجات الضخمة التي نشبت احتجاجا على إعلان فوز الرئيس محمود أحمدي نجاد بالانتخابات الرئاسية الأخيرة.

 

في الواقع، من الواضح أن اختلاف الدورين التركي والإيراني في المشهد السوري له علاقة بالمحاور الإستراتيجية والصراع على المنطقة، فإيران ترى أن إسقاط النظام السوري يشكل ضربة قاصمة لإستراتجيتها وتحالفها المتين مع دمشق وصولا إلى حزب الله في الجنوب اللبناني ومحاصرتها بالقوى الإقليمية القريبة من الإستراتيجية الغربية.

 

وعليه تعلن أن إسقاط النظام السوري خط أحمر، في حين ترى أنقرة أن التغييرات الجارية في العالم العربي على وقع الثورات الشعبية ضد الأنظمة القمعية تحقق الديمقراطية أولا، وتفتح المجال أمام استعادة فضاء تاريخي عثماني يحقق نظرية العمق الإستراتيجي التي طرحها وزير الخارجية أحمد داود أوغلو.

 

من هنا فإن المشهد السوري بتعقيداته المحلية والإقليمية تحول إلى صراع إرادات بين أنقرة وطهران على كيفية وضع نهاية لهذا المشهد المتداخل والمعقد.

 

إيران تريد إنقاذ النظام والحفاظ على العلاقة الإستراتيجية بل والخروج بأقوى مما كان في السابق، في حين تريد تركيا التغيير الذي يؤسس لمرحلة جديدة في المنطقة يكون لها فيها الدور الأكبر.

 

"
ثمة من يرى أن العلاقات التركية الإيرانية لن تتأثر كثيرا بالأزمة السورية، نظرا لحجم المصالح الكبيرة التي تربط بين البلدين بعد أن بلغ حجم التبادل التجاري بينهما أكثر من عشرة مليارات دولار
"
تداعيات الاختلاف
دون شك، لكل طرف مبرراته تجاه الأزمة السورية، فالطرفان منخرطان في الأزمة ويتابعانها بدقة وقلق.

 

والسؤال هنا هو كيف يمكن أن يؤثر هذا الصراع على مستقبل العلاقات التركية الإيرانية من جهة وعلى مسار الأزمة السورية من جهة ثانية؟

 

ثمة من يرى أن العلاقات التركية الإيرانية لن تتأثر كثيرا بالأزمة السورية، نظرا لحجم المصالح الكبيرة التي تربط بين البلدين بعد أن بلغ حجم التبادل التجاري بينهما أكثر من عشرة مليارات دولار، فضلا عن العديد من القضايا الحيوية التي تجمعهما.

 

ومن أهم تلك القضايا القضية الكردية والمخاوف المشتركة من ولادة دولة كردية قومية في المنطقة، حيث يخوض الجانبان حربا مشتركة ضد حزب العمال الكردستاني بفرعيه التركي (بي كي كي) والإيراني (بيجاك).

 

وعليه فإن كل طرف يسعى للحفاظ على فوائد هذه العلاقة دون أن يعني ذلك الحرص غياب الصراع على المشهد السوري واحتمال خروجه إلى العلن إذا تطور الموقف الدولي إزاء المشهد السوري واتجه نحو اتخاذ إجراءات عسكرية في لحظة ما.

 

وعند هذه اللحظة تبدو تركيا أقرب إلى موقف الغرب في حين تعتقد إيران أن لديها من الأوراق الكثير لإشهاره في وجه تركيا والغرب، ولاسيما الورقة العراقية حيث النفوذ الإيراني القوي على الحكومة العراقية والقدرة على استنفارها في وجه تركيا.

 

دون شك، أثر الصراع الإيراني التركي على مسار الأزمة السورية، فعلى مستوى الشارع السوري حصل نوع من الانقسام إزاء الموقفين التركي والإيراني، بين مؤيد ومعارض لهذا الطرف أو ذاك، انطلاقا من موقف كل طرف من الأزمة السورية.

 

وفي العمق أفرزت هذه المعادلة حالة من الطائفية الاجتماعية على نحو سني علوي بما ألحق ضررا بالغا بحركة المطالبة بالتغيير.

 

في الواقع، من الواضح أن طهران تراهن على أن الحل الأمني سيمكن النظام من عبور أزمته، وعليه تمده بالدعم اللازم، ولكن ذلك أدى إلى نقمة شعبية لدى المطالبين بالتغيير في سوريا.

 

في المقابل ترى أنقرة أنه لا يمكن العودة إلى الوراء وأن الزمن لصالح حركة الشعوب المتطلعة للحرية والديمقراطية بما يشكل دعما للقوى المطالبة بالتغيير.

 

وفي المحصلة أثرت هذه المعادلة على وتيرة الأزمة السورية صعودا أو جمودا، وفي الوقت نفسه جعلت منها أزمة مركبة مرهونة بمحددات إقليمية.

 

وفي خلاصة القول، تتنازع أنقرة وطهران تحليلات متناقضة لما سيؤول إليه الوضع في سوريا، وتدركان في الوقت نفسه أن ثمة مصالح أو خسائر لهما باتت تتوقف على كيفية انتهاء هذه الأزمة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك