فهمي هويدي

فهمي هويدي

كاتب وصحفي مصري


بعد مضي ستة أشهر على إسقاط نظام مبارك، هل يصح أن نقول إن ركوب الثورة بات مقدما على إنجاحها، وإن شرعية تمثيلها أصبحت محل شك كبير؟

1

"
الصورة في ميدان التحرير بالقاهرة وحتى في الإسكندرية، إذا اعتبرت ناطقة باسم ثورة 25 يناير، إلا أنها من بعض الزوايا ليست أفضل ولا أصدق تعبير عنها
"
هذا الكلام يحتاج إلى ضبط كي لا يساء فهمه، من ناحية لأن ذلك الذي نتساءل عنه ما كان له أن ينشأ لولا خصوصية وضع ثورة 25 يناير التي صنعتها الجماهير الغفيرة التي لم تكن لها قيادة أو مشروع واضح المعالم، ثم إنها فرضت نفسها وسط فراغ سياسي مخيم.

لذلك كان طبيعيا أن تشكل التجمعات والائتلافات في وقت لاحق وتتسابق لملء ذلك الفراغ، وبسبب التردد والبطء النسبي في اتخاذ القرارات من جانب المجلس العسكري، فقد زادت أهمية تلك التجمعات التي تحولت إلى عنصر ضاغط كان له أثره الفعال في إنجاز بعض الخطوات المهمة التي جاءت ملبية لمطالب الذين خرجوا يوم 25 يناير (تصفية أركان النظام السابق، وتطهير وزارة الداخلية من قتلة الثوار، ورعاية أُسر الشهداء، وعلنية محاكمات المسؤولين عن الفساد السياسي والمالي.. إلخ).

بالتالي فإن من الظلم البيّن الادعاء بأن التجمعات والائتلافات لم تفعل شيئا، لأنها أدت دورا مهما، إلا أنها لا ينبغي أن توضع كلها في سلة واحدة، حيث فيها الأصيل والدخيل والبريء وغير البريء والحقيقي والوهمي، هذه التمايزات تسوغ لنا أن نتحفظ على تعميم كلمه "الثوار" على الجميع كيلا يساء استخدامها أو ابتذالها.

في هذا الصدد فإنني أفرق بين الذين خرجوا إلى الميادين يوم 25 يناير وظلوا صامدين فيه حتى أسقطوا نظام مبارك وأرغموه على التنحي يوم ١١ فبراير/شباط، وبين المتظاهرين الذين التحقوا بالأولين بعد ذلك، وشاركوهم الغضب لسبب أو آخر، فافترشوا الميدان واعتصموا واعتلوا المنصات وتسابقت عليهم وسائل الإعلام، التي فتن بعضهم بها وتعلقوا ببريقها، وهؤلاء وهؤلاء يختلفون على المنتحلين الذين تقاطروا على الميدان من كل صوب وتراوحت دوافعهم بين البراءة وغير البراءة.


من ناحية أخرى فإنني لا أريد أن أعمم ملاحظاتي على الجميع، وأقر بأن معظم تلك الملاحظات مستقاة من المشهد الراهن في ميدان التحرير، الذي يستأثر بالأضواء وبالاهتمام الإعلامي والدبلوماسي، ويراه كثيرون رمزا ومرآة للثورة، في حين أنني أدرك جيدا أن الصورة أكثر جدية ونقاء في محافظات الدلتا والصعيد، التي هي أبعد عن مظان الغواية والفتنة، وهو ما يدعوني إلى القول إن الصورة في ميدان التحرير بالقاهرة وحتى في الإسكندرية، إذا اعتبرت ناطقة باسم ثورة 25 يناير، إلا أنها من بعض الزوايا ليست أفضل ولا أصدق تعبير عنها.

2

"
الميدان مفتوح أمام الجميع فليس مستغربا أن يحاول كل صاحب مصلحة مشروعة أو غير مشروعة أن يثبت حضورا من خلال ائتلاف يعبر عنه وخيمة ينصبها في قلب الميدان
"
بوسع أي واحد وابن عمه وزوجته وأولاده القصر أن يشكل "ائتلافا" ينسبه إلى الثورة وأن يقدم نفسه بحسبانه "ناشطا"، وأمامه وسيلتان لإشهار الائتلاف، الأولى أن يتعرف على أحد مندوبي الصحف أو معد من البرامج الحوارية وما أكثرها، أو أن ينشئ لنفسه موقعا على الإنترنت يبث من خلاله ما يشاء من آراء وبيانات "ثورية".

وإذا اعتبر نفسه ليبراليا ومدافعا عن الدولة المدنية ومنضما إلى جوقة المهاجمين للإخوان والسلفيين والتيارات الدينية، فإنه سيجد من يحتفي به وينقل مقر إقامته من بيته أو المقهى الذي اعتاد الجلوس فيه، بحيث يصبح زبونا في أستوديوهات التلفزيون.

ولأن كل شيء صار مباحا فبوسعه أن يكتسب شعبية واسعة إذا زايد على الجميع واستخدم ألفاظا جارحة في نقده لرئيس الوزراء واحتشم قليلا، ولم يطلب من رئيس المجلس العسكري المشير طنطاوي سوى الاستقالة، بعدما غمز في قناة المجلس العسكري واعتبره جزءا من الثورة المضادة.

ليس في هذا الكلام أي مبالغة، ذلك أنه إذا كان في الميدان الآن 130 ائتلافا كما ذكر "الناشط" جورج إسحاق للأهرام يوم الخميس الماضي (21/7)، فأغلب الظن أن 80% من تلك الائتلافات على الأقل قد تشكلت بالطريقة التي ذكرتها، هذا إذا كان لها وجود أصلا.

عند الحد الأدنى، فثمة علامات استفهام كثيرة حول بعض تلك الائتلافات وجهات الاتفاق عليها، وفي حدود معلوماتي فإن شخصا واحدا شكل خمسة ائتلافات بأسماء مختلفة، كلها ثورية، ولست متأكدا مما قيل لي من أن بعض الأجهزة شكلت ائتلافات أخرى لخدمة أغراضها.

ولأن الميدان مفتوح أمام الجميع فليس مستغربا أن يحاول كل صاحب مصلحة مشروعة أو غير مشروعة أن يثبت حضورا من خلال ائتلاف يعبر عنه وخيمة ينصبها في قلب الميدان.

الساحة تبدو أكثر انفتاحا عبر الإنترنت إذ بوسع أي أحد أن ينشئ موقعا وهو قاعد في بيته، ثم يقول إن عشرة آلاف تضامنوا معه ويظل "الثائر" مجهولا، كما أن أحدا لا يستطيع أن يتحقق من أعداد أولئك المتضامنين وهل كانوا أشخاصا حقيقيين أم وهميين.

ولعل كثيرين يذكرون أن بعض الناشطين أعلنوا عن حملة لجمع 15 مليون توقيع لتأييد المطالبة بالدستور أولا، وقصدوا أن يكون الرقم متجاوزا الـ14 مليونا الذين صوتوا لصالح التعديلات الدستورية.

ولأن التوقيع يفترض أن يتم عبر الإنترنت، فإن حامل الحاسوب ذكر بعد ساعات أنه تلقى 300 ألف توقيع، وفي المساء قيل إن مليون شخص أيدوا المطلب، وفي اليوم التالي أعلن أن عدد الموقعين وصل إلى ثلاثة ملايين، وكانت تلك الأخبار تحتل مكانها على الصفحات الأولى للصحف المنحازة للموقف، ولكن يبدو أن الذين دبروا الحملة أدركوا أن الحيلة "واسعة" بعض الشيء فأوقفوها بعد أيام قليلة.

قصص الانتحال التي من ذلك القبيل كثيرة بينها قصة المذكرتين اللتين قدمتا إلى المجلس العسكري ومجلس الوزراء وضمتا آلاف التوقيعات التي أيدت فكرة المطالبة بالدستور أولا، ثم تبين أن أغلب التوقيعات لشخص واحد وقلم واحد لم يتغير!

3

"
في ظل النظام السابق كان يقال إن عشرين شخصا يحتكرون أغلب ثروة البلد، وفى النظام الجديد لدينا أضعافهم يحتكرون الحديث باسم الثورة
"
في ظل النظام السابق كان يقال إن عشرين شخصا يحتكرون أغلب ثروة البلد، وفي النظام الجديد لدينا أضعافهم يحتكرون الحديث باسم الثورة، كأنما كتب علينا أن نظل محلا للاحتكار من جانب فئة من الطامحين، والذي تغير لم يتجاوز أسماء المحتكرين وموضوع الاحتكار.

من نماذج ذلك أن ينبري أكثر من واحد من الطامحين لتشكيل وتمويل تجمع يضم أصدقاءه ومعارفه ومن لف لفه، ومن هؤلاء يشكل مؤتمرا تحت لافتة تحمل اسما كبيرا ورنانا، وهذا التجمع ينتخب الرجل أمينا ويرشحه رئيسا، ويباشر ذلك التجمع أنشطة متعددة بدعوى أنه يمثل الأمة، هكذا مرة واحدة.

قرأت لتجمع من هذا القبيل بيانا استهله بعبارات تقول "أثناء التحضير لمؤتمر مصر الأول الذي عقد يوم 7 مايو/أيار 2011 تحت شعار "الشعب يحمي ثورته" بحضور خمسة آلاف مشارك يمثلون جغرافيا كل مصر وجميع أطيافها السياسية والاجتماعية والثقافية، قدمت مجموعة العمل الوطنية لنهضة مصر الدستورية والقانونية التي تمثل خبرات رفيعة المستوى من الفقهاء الدستوريين وكبار القضاة والمحامين والقانونيين مشروع وثيقة لإعلان مبادئ الدستور المصري القادم بعد ثورة 25 يناير، سميت الوثيقة واحد، تم طرحها للحوار الوطني عبر موقع المؤتمر (المجلس الوطني) لمدة ثلاثة أسابيع، وقد ورد على الموقع آلاف الاستجابات التي تمثل أفكارا وآراء قيمة من جموع أبناء الشعب المصري بجميع أطيافه، وتم إدراج هذه الأفكار في الوثيقة (2) التي عرضت في الجلسة الأولى لمؤتمر مصر الأول، وشارك في مناقشتها عشرات المشاركين من كل التيارات. وقدمت مئات من المقترحات البناءة حول ما ورد فيها، وتمت إضافة العديد من هذه الأفكار القيمة والمبادئ المهمة، فكانت الوثيقة (3) التي عرضتها جريدة الشروق ليتواصل الحوار الوطني حول ما تضمنته من مبادئ وأفكار دستورية لرسم معالم شرعيتنا الدستورية القادمة".

هذا النص يجسد فكرة الجهد الخاص الذي يتصدى باسم الأمة لصياغة الحاضر والمستقبل، لكنه يظل مفتقدا للشرعية رغم استخدامه أوصافا كبيرة رنانة.

فصاحب المشروع تخير أناسا بذواتهم شكّل منهم ما سماه المجلس الوطني وهذا المجلس دعا إلى مؤتمر مصر الأول، الذي قيل إن خمسة آلاف شخص شاركوا فيه يمثلون كل أطياف مصر السياسية والاجتماعية والثقافية، وقد قدمت إليهم مجموعة العمل الوطنية المختارة التي ضمت أرفع خبرات الفقهاء الدستوريين وكبار القضاة والمحامين، وهؤلاء رسموا معالم الشرعية الدستورية القادمة لمصر.

بعد ذلك التقديم اللغوي الفاخر الذي أريد به إسكاتنا وإفحامنا وجدنا أن الشخصيات المحترمة المختارة قدمت لنا وثيقة أغرب ما فيها بندان، الأول يعبث بالمادة الثانية من الدستور ويضعف من الهوية الإسلامية لمصر، حيث يبقى النص على أن الإسلام دين الدولة ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع.

ويضيف إليه عبارة تقول "مع تأكيد هذا المبدأ بالضمانات الدستورية التي تكفل حق غير المسلمين في الاستناد لمبادئ شرائعهم الخاصة كمصدر لتشريعات أحوالهم الشخصية"، وهي إضافة تشكك في عدالة النص الأول الذي يعد مرجعا ضامنا لحقوق غير المسلمين ولم يحدث في أي مرحلة من مراحل التاريخ المصري أن كان سببا في تعطيل أي حق من حقوق غير المسلمين، الأمر الذي يشكك في براءة هدف تلك الإضافة.

البند الثاني يقتبس من الدستور العلماني التركي، الذي تجاوزوه هناك منذ أربعين عاما، نصا يقضي بقيام القوات المسلحة، وليس المجتمع، بحماية الدولة المدنية والنظام الجمهوري الديمقراطي من أي انتهاك، وهي الفكرة التي حولت الجيش هناك إلى صانع للسياسة ودفعته إلى القيام بثلاثة انقلابات عسكرية واحد كل عشر سنوات.

هل يمكن أن يقال إن مواقف من ذلك القبيل تعبر بأمانة عن جميع الأطياف في مصر، أم أنها وجهة نظر تيار علماني انتحل تمثيل الأمة وأراد أن يفرض رأيه على المجتمع من خلال شخصيات لم يخترها ذلك المجتمع.

4

"
المشكلة تنشأ حين يصر أصحاب بعض الآراء على فرضها بدعوى أنها تمثل كل أطياف المجتمع المصري، إذ يحق لنا حينئذ أن نتساءل عمن ندبهم إلى ذلك وعن المعيار الذي لجؤوا إليه في ادعاء تمثيل المجتمع
"
ليست لدي مشكلة مع مثل هذه الوثائق التي تعبر عن آراء واجتهادات يمكن أن تحترم، اتفقنا معها أو اختلفنا، لكن المشكلة تنشأ حين يصر أصحاب تلك الآراء على فرضها علينا بدعوى أنها تمثل كل أطياف المجتمع المصري، إذ يحق لنا حينئذ أن نتساءل عمن ندبهم إلى ذلك وعن المعيار الذي لجؤوا إليه في ادعاء تمثيل المجتمع.

أدري أن القدرات المالية التي يتمتع بها البعض وزعيق الأبواق الإعلامية التي تعبر عنهم وإمكانات ثورة الاتصال التي تيسر الوصول إلى دائرة واسعة من البشر، هذه كلها وسائل تثبت الحضور حقا لكنها لا توفر شرعية التعبير عن المجتمع خصوصا فيما يتعلق بنظامه السياسي ووثائق وخرائط مستقبله.

وهذا ما يسوغ لنا أن نقول إنه بعد ستة أشهر من الثورة فإننا في مصر لم ننجح في إقامة أي كيان يستند في شرعيته على انتخاب الناس واختيارهم الحر.

والحالة الوحيدة التي عبر الناس عن رأيهم فيها كانت الاستفتاء على التعديلات الدستورية التي لم يكن لها من هدف سوى أنها وفرت لنا خريطة طريق لتأسيس المجتمع المدني الذي يتشدق به الجميع ويهتفون له.

ولكن لأن النتيجة لم تكن على هوى البعض فقد تم الطعن في نتيجة الاستفتاء وجرى تشويه من أيدوه وتسفيه موقفهم.

الآن عرفنا لماذا قاوموا بشدة فكرة البدء بإجراء الانتخابات التشريعية، ولماذا يحاولون الاستباق والانفراد بصياغة الحاضر والمستقبل على النحو الذي يستجيب لأهوائهم وأطروحاتهم، ولماذا قبلوا بإطالة أمد استمرار العسكر في السلطة وتأخير تسليمها للمدنيين، إلا أن ذلك لا يمنعنا من التأكيد أن الانتخاب الحر المباشر هو السبيل الوحيد لإضفاء الشرعية على أي كيان سياسي يبغي تمثيل المجتمع أو كل مشروع يراد له أن يصوغ مستقبل النظام الجديد في مصر.

المصدر : الجزيرة

التعليقات