نبيل الفولي

نبيل الفولي

كاتب وباحث مصري


- نمط الدولة الأفريقية

- نَسَب الدولة الجديدة
- الأغلبية والنخبة

مع الرنة الحزينة التي كست كثيرا من التعليقات العربية على انفصال جنوب السودان عن الدولة الأم، اتجهت أغلب الأقلام والتصريحات الرسمية العربية إلى التأكيد على أن قيام الدولة الجديدة صار واقعا، وأن ما يبقى أمام العرب هو رعاية العلاقات الاقتصادية والسياسية والثقافية معها، بحيث لا تبقى أمام الأطراف ذات المصالح المضادة، خاصة إسرائيل والولايات المتحدة، فرصة لتحويلها إلى مشروع معاد للحقوق والمصالح العربية.

والحقيقة أن هذا التوجه يمتاز بواقعيته وسلامة حججه، وإن كان يحتاج على المستوى النظري إلى تجاوز الدعاية إلى التنظير الشامل، وعلى المستوى العملي إلى التحرك المحسوب والمنسق بين أطراف عربية متعددة بما يضمن طبيعية هذه العلاقة، فيترجم بمختلف الصور عن التواصل الجغرافي والتاريخي بين الأقطار العربية وعموم الكتلة الأفريقية في شرق القارة السمراء، خاصة جنوب السودان.

ويدفعنا هذا وذاك إلى الاهتمام بالمعوقات التي يمكن أن تمثل تهديدا لمستقبل العلاقات العربية بجمهورية جنوب السودان، ولعل من أبرزها الطبيعة العسكرية حتى الآن للدولة الناشئة.

ولا يخفى أن مساعدة الجنوبيين عربيا على تطوير دولتهم بعيدا عن هذه الصورة المبتورة يمثل دعما للعلاقات العربية الجنوب سودانية في هذه المرحلة بما يخدم مصالح الطرفين.

"
الذي يثير القلق من حالة جنوب السودان تحديدا هو أنها نشأت بتدخل أياد خارجية مثل كثير من هذه الكيانات الأفريقية المصنوعة غربيا في فترة ما بعد الاستعمار
"
نمط الدولة الأفريقية

للدولة الحديثة في أفريقيا نمط تاريخي محدد تحركت في إطاره منذ رحيل الاستعمار حتى الآن، فقد تميزت هذه الدولة أول ما تميزت بسيطرة العسكريين وأشباه العسكريين على الحياة السياسية للدولة، وشيوع الانقلابات نظرا لتحرك الولاء فوق سطح متوتر بسبب الاختلافات في أجنحة النخبة التي تتدخل فيها عناصر عرقية وأيديولوجية وطموحات شخصية.

ولكي نضع هذا النمط السياسي المصنوع في سياقه، فقد دفع الاستعمار إلى الرحيل العسكري عن مستعمراته الأفريقية وغيرها بعد أن عانى في البلاد التي احتلها من تصاعد أعمال المقاومة الوطنية وتزايد النداءات المطالبة بالاستقلال.

لكن لم يكن بوسع الرجل الأبيض الاستمرار بمشروعه الرأسمالي في عواصمه الكبرى من دون هذه البلاد التي تمثل سوقا ضرورية للحصول على المواد الخام وترويج المنتجات الصناعية.

كان حصر السيطرة السياسية للدولة في نخب تتحرك وفق حسابات خاصة، أولها الحرص على مداولة الحكم بينها، مع بقاء المجتمعات الوطنية ضعيفة وممزقة (نيجيريا مثلا)، هو الأساس لقيام تحالف بين الغرب والنخب الحاكمة في أفريقيا.

وقد تتعكر الأجواء بين العواصم الغربية وأحد أجنحة النخبة الأفريقية، لكن ذلك لا يكون عادة إلا على أساس الانحياز لجناح آخر أو حتى لصالح نخبة أخرى بديلة (ساحل العاج مثلا).

وليس هناك مثال أقرب مناسبة إلى هذا السياق من وضع أوغندا وكينيا وإثيوبيا جيران جمهورية جنوب السودان ومعاونيها الأقرب جغرافيا، أو الذراع الأميركية الإسرائيلية في المنطقة لدعم مشروع الدولة الجنوبية.

وإشكالية هذا النمط الذي صيغ في غفلة من شعوب ما يسمونه "العالم الثالث" هو أنه يحرِّك البلاد في دائرة مغلقة، بحيث لا تتحرك التنمية إلا في مستوى القشرة الخارجية، وبحيث لا يساعد التطوير على تداول السلطة والثروة بصورة عادلة.

وإذا وقع حراك في كراسي السلطة تحرك معه المجتمع والدولة كلها في اتجاه تصادمي يأتي بويلات هائلة، ويصنع أجواء من التقاتل العرقي والصراع الإثني الخطير (رواندا والكونغو).

ومن إشكالات هذا النمط في السياسة الخارجية استعداده التام للدخول في تحالفات دولية ضد مصالح الجيران، وتنفيذ المؤامرات الإقليمية التي تنتقص من حقوق الدول الأخرى.

ويكفي للتمثيل الصارخ لذلك باقة المعاهدات الكينية مع إنجلترا (سنة 1978) وإسرائيل (سنة 1982) وأميركا وفرنسا وألمانيا (سنة 2004) لتسخير إمكانات الدولة الكينية لخدمة الأغراض والمصالح الغربية في المنطقة التي تضم الصومال وجنوب السودان وغيرها من النقاط الساخنة.

ومن أمثلة الأحداث الأشهر على استغلال التحالف الغربي مع النخب الحاكمة لخدمة المصالح الغربية في شرق أفريقيا تحديدا، وضد الجيران المباشرين، الغزو التنزاني لأوغندا لإزاحة الرئيس عيدي أمين.

فقد كان لخلافه مع الدول الغربية ودوائر النفوذ الداخلي القديم تأثيره الحاسم في التآمر عليه وإزاحته سنة 1979، مهما اختلفت الكلمة في ديكتاتوريته التي لا تقل، في حال ثبوتها، عن ديكتاتورية حكام آخرين لم يقابلهم الغرب بعشر ما قابل به سياسة عيدي أمين من التشهير والاستعداء وتوجيه الآلة العسكرية ضده.

والذي يثير القلق من حالة جنوب السودان تحديدا هو أنها نشأت بتدخل أياد خارجية مثل كثير من هذه الكيانات الأفريقية المصنوعة غربيا في فترة ما بعد الاستعمار، وذات الولاء الخالص لعواصم الشمال، كما هو الحال في كل من كينيا وتنزانيا.

ويزداد هذا القلق حين يتضح لنا أن انفصال جنوب السودان من توابع الزلزال الاستعماري الغربي الذي منع الانسياح الثقافي الطبيعي من شمال السودان إلى جنوبه قبل عشرات السنين، وفضل أن يبقى الجنوبيون على وثنيتهم بدلا من أن يشتركوا مع الشماليين في الاعتقاد الإسلامي أو حتى الثقافة العربية.

"
يبدو التنازع وعدم التوافق بين "زعماء الحرب السابقين" تهديدا خطيرا لجنوب السودان بعد قيام دولته، فقد لا يسمح هذا الوضع بترشيد الجانب العسكري للدولة ووضعه في موضعه الطبيعي
"
نَسَب الدولة الجديدة

تعترف الدولة الجديدة في جنوب السودان، وتشعر بالامتنان للآباء المؤسسين وجهودهم، وعلى رأسهم جون قرنق، وسلفاكير ميارديت، وكلا الرجلين كان ضابطا في القوات المسلحة السودانية، ثم انشق عنها لصالح قضايا الجنوب.

وعند المفاضلة بينهما في تعدد المواهب الدبلوماسية والثقافية مقترنة بالموهبة العسكرية، سنجد أن كفة قارنق تبدو أرجح من خلفه، مما يعني أن الدولة الجنوبية آلت بعد الإعلان عن قيامها في 9 يوليو/تموز 2011 إلى واحد من أكثر زعماء الحركة الشعبية لتحرير السودان استغراقا في العسكرية.

وعند الدخول في كنه العسكرية التي وسمت شخصية سلفاكير، سنجد أنه قد عمل في سلاح الاستخبارات لكل من الجيش السوداني والحركة الشعبية، مما يعني أنه اكتسب قدرة على المناورة في استخدام العسكرية ومهارة في توظيف هذا الجانب ضد خصومه.

وقد تجلى هذا بوضوح في دفعه الوضع السوداني في اتجاه الانفصال بالتفرغ للجنوب وقضاياه، رغم كونه نائبا لرئيس السودان.

وترك الرئيس السوداني عمر البشير يتحرك وسط ألغام السياسة السودانية دون انتباه إلى أن سياساته، في مقابل سياسات الحركة الشعبية، تدفع بالجنوبيين إلى اختيار الانفصال وفصم عُرى الوحدة.

وما دامت الشخصية لا تعمل في فضاء تاريخي أو واقعي، فثمة جانب فرض على قضية الجنوب سمتا عسكريا من جهة أخرى، وذلك أن جنوب السودان كان يعاني إهمالا طويلا من الحكومات المركزية.

وهذا مثل في ذاته جانبا دعائيا خطيرا للحركات المتمردة هناك، حتى أعطت نفسها لأجله الحق في حمل السلاح ضد حكومة الخرطوم، مما أدى إلى تركيز الحركة الشعبية في نضالها على الانفصال وما يستلزمه من القوة العسكرية أكثر من التركيز على الإعداد لمشروع الدولة وما يتطلبه من كوادر ومؤسسات وطنية، فظهرت جمهورية جنوب السودان في نشأتها كيانا بائسا يحتاج إلى جهود هائلة لقيام دولة طبيعية في أرضه.

من جهة أخرى يبدو التنازع وعدم التوافق بين "زعماء الحرب السابقين" تهديدا خطيرا لجنوب السودان بعد قيام دولته، فقد لا يسمح هذا الوضع بترشيد الجانب العسكري للدولة ووضعه في موضعه الطبيعي.

ومن العلامات الرامزة في هذا السياق أنه لم يبق على قيد الحياة من مؤسسي الحركة الشعبية لتحرير السودان التي أُسست سنة 1983 فقط إلا سلفاكير، في حين مات معظم هؤلاء المؤسسين بصورة غامضة، كما هو حال جون قرنق نفسه، أو أثناء اقتتال داخلي.

ومع كل هذه العوامل الدافعة إلى العسكرة في جنوب السودان، فإن الصورة ليست بهذه القتامة في الحقيقة.

وإذا كانت القيادة السياسية لجنوب السودان، المعتادة لأجواء الحروب أصلا، قد تبدو راغبة في عسكرة الدولة وتوفير المناخ الداخلي والإقليمي الذي يعطيها المسوِّغ لهذا، سعيا إلى تركيز الدولة في يدها، فإن هذا في الحقيقة رهن بسياسات الأطراف الإقليمية التي ربما تنجح في تطويع الدولة الراغبة في بناء نفسها للدخول في حزمة من المشاريع الإنشائية والثقافية والتنموية الكبيرة.

"
الجار العربي يمكنه أن يتيح من صور التعاون ما لا يتيحه الحليف النائي، خاصة في جو من المقدرات المشتركة والحدود والمصير الواحد الذي يصل العديد من البلدان العربية بالكيان الوليد
"
إن المعادلة السياسية لأي كيان سياسي لا تكفي في فهمها مجموعة من المواقف الرامزة، رغم أهميتها، بل تدخل فيها بالأساس المصالح والتوازنات التي يعيش بينها هذا الكيان أو ذاك.

وقد يكون للتدخل الإسرائيلي والأميركي تأثيره في هذا الجانب أيضا، خاصة مع الشكر الواجب الذي قدمه كثير من الجنوبيين لتل أبيب على مساعداتها العسكرية والدبلوماسية التي قدمتها لهم أثناء حرب الاستقلال "كراهية لمعاوية لا حبا في علي".

إلا أن الجار العربي يمكنه أن يتيح من صور التعاون ما لا يتيحه الحليف النائي، خاصة في جو من المقدرات المشتركة والحدود والمصير الواحد الذي يصل العديد من البلدان العربية بالكيان الوليد.

الأغلبية والنخبة
العمود الأساس في بقاء السلطة محصورة في نخبة من النخب عسكرية كانت أم غير عسكرية، هو ضعف المجتمع الذي تنتمي إليه أو تشتت قواه الفاعلة، وبالتالي عجزه عن النزال السياسي ومقارعة النخبة المسيطرة على الدولة والسلطة.

وتقدم دولة جنوب السودان وضعا مثاليا للتناقض الصارخ بين النخبة والأغلبية، وتنمية القوى المجمدة في المجتمع الجديد هو الضمان الحقيقي لتحقيق التوازن بين النخبة وقوى المجتمع الأخرى، ولإحداث حراك في كيان الدولة واستمرارية متجددة تنقذها من الخواء والتجمد.

إن نظرة عجلى على الوضع السكاني لجنوب السودان يشير إلى فقر فادح في القوى البشرية القادرة على إقامة دولة، وتتجاوز المسألة مجرد شيوع الأمية إلى وجود شريحة ضخمة من السكان لم تدخل العصر الحديث أصلا، حيث ما زالت القبلية سمة أساسية وربما وحيدة في كثير من أنحاء السودان الجنوبي.

وتبدو أبرز جوانب تقوية المجتمع في ربطه بالعصر وإمكاناته وتنمية قدراته الاقتصادية والزراعية وتنمية الثروة الحيوانية ونشر التعليم وإنشاء منافذ للتثقيف والتعليم في مختلف المراحل العمرية للسكان.

وليست المسألة في أساسها انحيازا ساذجا أو عنصريا للعربية والإسلام، ذلك الذي كان أحد أسباب تمزيق السودان الواحد، وإنما هي فرصة للاعتماد على رعاية المصالح المشتركة في فعل ما وقف المستعمرون وحلفاؤهم دون فعله سدا منيعا، وهو تحقيق التقارب والتفاهم الثقافي بين الأفريقية والعربية دون أن يشترط في ذلك أن يكون الإسلام هو دين الجميع، خاصة أن ذلك لم يحل دون انفجار دارفور، ودون أن يشترط كذلك أن تكون العربية هي لغة الشارع، فإن غياب العربية عن الشارع في إندونيسيا وباكستان وأفغانستان وغرب أفريقيا لم يحل دون ترسيخ وجود إسلامي قوي في هذه المناطق.

إن إنشاء فرع لجامعة القاهرة في جوبا على سنة فرعها في الخرطوم، وتقديم مزيد من المنح الدراسية للشباب الجنوب سوداني للدراسة في كليات جامعة الأزهر الشرعية والعلمية، ورفد العملية التعليمية في الدولة الجديدة بالمعلمين والأدوات التعليمية والكتب والمكتبات بعض من المهمات الواجبة عربيا لتنمية المجتمع السوداني في اتجاه يخدم الدولة الجديدة والمصالح العربية في وقت واحد.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك