ماجد كيالي

ماجد كيالي

كاتب فلسطيني


- عن العفوية والنظرية

- بنى حزبية مفوتة تاريخيا
- نخب تنويرية مترددة
- أسئلة المابعد
- بين الإصلاح والثورة

مازالت الثورات الشعبية التي اندلعت في العديد من البلدان العربية تثير النقاش وتحفز على طرح الأسئلة، وهذه ظاهرة طبيعية لحالة فاجأت الجميع، بل وأدهشتهم جميعا، حكاما ونخبا ومحكومين، لاسيما أنها جاءت عميقة وقوية وعفوية، في آن، ومن دون تمهيد ولا تأطير ولا تنظير سابق.

عن العفوية والنظرية
إن اندلاع الثورات الشعبية من تونس إلى اليمن، ولاسيما انتصارها في أكبر بلد عربي (مصر)، إنما يعني شيئا واحدا، ينبغي الإقرار به وعدم الترفع عنه أو إنكاره، وهو أن زمن التنظير النمطي والمسبق بات إلى غروب، وأن حراكات الواقع باتت تسبق حراكات التفكير، بما يخصّ هذه اللحظات التي تتكثف فيها حركة التاريخ.

"
النظم السياسية التسلطية هي المسؤولة عن عرقلة مسار الحداثة في البلدان العربية وعن ضعف روح التعددية واحترام الرأي الآخر وعن تكريس الانتماء القبلي والديني والإثني على حساب الانتماء الوطني، وعن غياب الديمقراطية والفجوات الاجتماعية في بلدانها، وهي المسؤولة أيضا عن المداخلات أو التدخلات الأجنبية
"
لا يعني ذلك ألبتة تقديس الحركة العفوية، ولا التغنّي بها، مثلما لا يعني الدخول في نوع من الجدل الفلسفي، حول أسبقية الواقع على الفكر أو الفكر على الواقع، وإنما يعني ذلك تفحّص هذه التجربة وملاحظتها، في صيرورتها وفي مرحلة صعودها من داخلها، وكما تحدث على أرض الواقع.

على ذلك لا تمكن محاسبة الحركات الشعبية أو التقليل من شأنها بسبب غياب طابعها الحزبي أو الأيديولوجي أو بسبب غياب برامج جاهزة لديها، أو لافتقادها لقيادة كاريزمية أو لإدارة تنظيمية معينة.

وعلى العكس من ذلك فإن المسؤولية في كل هذه المجالات تقع على عاتق طرفين، أولهما النظم السياسية السائدة وثانيهما الأحزاب السائدة.

فالنظم السياسية، باعتبارها الفاعل الأكبر أو المحتكر للفعل في بلدانها بحكم طبيعتها التسلّطية وهيمنتها على المجالين السياسي والمجتمعي، تتحمل المسؤولية الأساسية عن غياب الطابع المنظّم للتحركات الشعبية وانفلات خطابها السياسي، وحصول بعض الفوضى في إدارتها، لأنها كانت، من الأصل، قد منعت السياسة عن المجتمع، وقيّدت المشاركة السياسية، وهمشت مختلف القوى الاجتماعية، وصادرت حريات الأفراد المتعلقة بالرأي والتعبير والاجتماع.

القصد من ذلك أن هذا النمط من السلطات التسلطية القائمة على محو الآخر وتهميشه، والتي صادرت القانون والدولة والمجتمع، وجعلتها بمثابة ملكية خاصة، هي التي خلقت هذا النوع من المجتمعات شبه الأمية من الناحية السياسية، والضعيفة من ناحية تمكّنها من التعبير عن ذاتها.

وفي هذا الإطار لا يمكن أن يلوم أحد الضحية على محاولاتها مقاومة واقع الظلم المحيق بها، لمجرد أنها فقيرة أو مريضة أو أمية، ولا تستطيع التعبير عن نفسها أو عن مطالباتها بطريقة أو بشعارات مناسبة ولائقة.

بني حزبية مفوتة تاريخيا
رغم أن السلطات السائدة والمتسيدة هي التي تتحمل معظم المسؤولية عن كل ما يحصل من توتر وتخبّط في التحركات الشعبية، فإن الأحزاب السياسية السائدة تضطلع أيضا، بقسطها من المسؤولية عن كل ذلك لكونها ارتضت هي الأخرى بالتهميش والتدجين، مكتفية ببعض الامتيازات، من التعاون مع السلطات القائمة، أو من التغطية على سياساتها وربما تجميلها.

وقد أثبتت التجارب، ومنها تجربة الثورات الشعبية، بأن هذه الأحزاب لم تؤهل ذاتها لاحتضان مطالب المجتمع وحملها إلى السلطات المعنية، كما لم تفكر يوما في اجتراح خط مغاير للنهج الذي تسير عليه سلطاتها، وحتى إنها لم تسع بالدرجة اللازمة، لتعزيز علاقاتها بفئات المجتمع أو حتى تعريفها على ذاتها السياسية، أي على حقوقها.

ويستنتج من ذلك أن مشكلة غياب الطابع الحزبي المنظّم، وضعف القدرة على التعبير السياسي في الحراكات الشعبية، لا تتحمّل مسؤوليتها الفئات الشعبية الثائرة التي تطمح لتغيير واقع الظلم والحرمان والامتهان المحيق بها، وإنما تتحمّل مسؤوليتها الأحزاب السائدة، والمنتشرة في معظم البلدان العربية، تماما بقدر ادعاء هذه الأحزاب لمكانتها في المجتمع وطليعيتها بالنسبة له.

نخب تنويرية مترددة
أيضا، ظهر في النقاشات الدائرة من حول التحركات الشعبية نوع من المثقفين أو المنظرين الذين يتساءلون في نوع من التشكّك، عن ضرورة هذه التحركات وشرعيتها وجدواها ومآلاتها.

طبعا، ثمة مشروعية لأي تساؤل ولأي شكّ، فهذا من طبيعة التفكير العقلاني، لكن الأمر هنا في الواقع لا يتعلق بالعقلانية ولا بالواقعية، لأن هؤلاء المنظرين أو المثقفين كانوا قبل حدوث هذه التحركات يشكون من سلبية مجتمعاتهم ومن خنوعها للسلطات الحاكمة، بل ومنهم من اعتقد بأن ثمة عنصرا جينيا في مجتمعاتهم يفسر هذه القابلية للاستبداد والفساد والخنوع والخضوع!

ولعل هذا يحيلنا إلى تصحيح مفهومي العقلانية والواقعية، فليس من العقلانية والواقعية استمرار الحال التي عليها المجتمعات العربية من هوان وحرمان ومن فساد واستبداد، إلى الأبد.

وليس من العقلانية والواقعية قبول هذه المجتمعات لواقع البؤس والحرمان المحيق بها وعدم التمرد عليه، في حال توافرت لها بعض الظروف المواتية، حتى بغض النظر عن إمكان نجاحها في ذلك من عدمه، فهذه سنة التحولات التاريخية، التي لا تسير في اتجاه واحد مستقيم.

"
الإصرار على الطريق السلمي للتغيير الثوري هو المسار الذي يمكن المنخرطين في الثورة، على اختلاف تياراتهم وأهوائهم، من تعلم التعايش المشترك وقبول الآخر
"
اللافت أن بعض التنظير ينحي باللائمة على التحركات الشعبية بدعوى عدم النضج السياسي وبدعوى سطحية شعاراتها، وفي أحيان كثيرة بدعوى أن الغلبة ستكون للأقوى، وذلك مجرد تنظير يصدر عن أصحابه كمحاولة لحجب موقفهم المهزوز أو المرائي أو كنوع من "التقية" في أغلب الأحوال، مما يضرّ بالمنظرين المعنيين من الناحيتين السياسية والأخلاقية.

فضلا عما تقدم فإن هذه الادعاءات تضر بمكانة الثقافة وبدور المثقفين، لأن هؤلاء من المفترض أن ينحازوا إلى قيم الحرية والعدالة والكرامة، وأن يدافعوا عن الضحايا من المقهورين والمظلومين، مهما كان الوضع.

فما هي هذه الثقافة التي تدافع عن سلطة الاستبداد والفساد؟ وعن أي شيء تدافع حقا؟

أسئلة المابعد
إضافة إلى وصم الثورات بالعفوية للتشكيك في جدواها أو شرعيتها، ثمة اتهام آخر يتعلق بالمابعديات، من نوع ماذا بعد إسقاط النظام؟ أي ماذا بشأن السلفية؟ وماذا بشأن الدولة المدنية؟ وماذا بشأن الديمقراطية؟ وماذا بشأن وضع الجماعات الإثنية؟ ثم ماذا بشأن شبهة التدخلات الخارجية؟

وبالطبع هذه هي الأسئلة الرئيسة، إذ ثمة عشرات الأسئلة الفرعية، لكن ما ينبغي أن يكون واضحا هنا هو أن هذه الأسئلة على شرعيتها، وضرورة إيجاد حلول معينة ومناسبة لها، لا تحجب ألبتة شرعية الثورات الحاصلة.

ومعلوم أن النظم السياسية التسلطية هي المسؤولة عن عرقلة مسار الحداثة في البلدان العربية وعن ضعف روح التعددية واحترام الرأي الآخر وعن تكريس الانتماء القبلي والديني والإثني على حساب الانتماء الوطني، وعن غياب الديمقراطية والفجوات الاجتماعية في بلدانها، وهي المسؤولة أيضا عن المداخلات أو التدخلات الأجنبية.

وفي الحقيقة فإن الثورات، لاسيما تلك التي لا تأخذ طابعا طبقيا أو فئويا، والتي تتجه تحديدا لإسقاط طغمة متسلطة، تأخذ معها أفرادا من كل الفئات والجماعات، ومن كل الألوان والتيارات والخلفيات، لأن هدفها الأساس يتركز على إسقاط السلطة، وهذا أمر طبيعي.

وبديهي أن هذا النوع من الثورات يفتح المخاوف المشروعة على احتمالات مختلفة، منها دخول الجهات الثائرة، بعد إسقاط النظام، في منازعات بينية (وربما عنفية)، على شكل النظام الجديد.

لكن هذا التخوّف لا يلغي مشروعية الثورة ولا يعطي شرعية لاستمرار الواقع التسلطي الراهن، لأن الثورة بمثابة ممر إجباري للمستقبل (مثلما أن العملية ممر إجباري لاستئصال ورم خبيث).

نعم ثمة مخاوف بشأن تضارب قوى الثورة في المستقبل، لكن ليس ثمن هذه المخاوف تخليد الوضع السلطوي المسؤول عن كل هذا التدهور في أحوال البلدان العربية، وإنما يمكن تذليل هذه المخاوف من خلال بث وعي جديد، أي بالتأسيس لوعي المواطنة والمساواة بين المواطنين، في دولة المؤسسات والقانون والمواطنين، ومن خلال تعزيز الوعي بالديمقراطية وتقبل الرأي الآخر والإيمان بإمكان اغتناء مجتمعاتنا بالتعددية والتنوع.

وثمة مسألة مركزية، ومفادها أن الإصرار على الطريق السلمي للتغيير الثوري هو المسار الذي يمكّن المنخرطين في الثورة، على اختلاف تياراتهم وأهوائهم، من تعلّم التعايش المشترك وقبول الآخر، بمعنى أن التغيير السلمي هو ضمان لتعايش قوى الثورة بعد التغيير، والضمان لتعلمهم حل خلافاتهم بطريقة سلمية وديمقراطية وحضارية.

من كل ذلك يمكن الاستنتاج أنه ليست ثمة ثورة نظيفة أو ثورة خالصة أو كاملة، أو ناجزة، بنسبة مائة بالمائة، فالثورة إذا اشتعلت لا يمكن التحكم فيها ولا توقع تداعياتها أو مآلاتها، فهي بهذا المعنى تأتي على شكل زلزال أو بركان أو عاصفة أو تسونامي.

"
ابتداع مفهوم حقوق الإنسان والمواطنة، وتحويل الانتماءات الأولية إلى انتماءات اجتماعية، وفصل السلطات وإعلاء سلطة القانون وتكريس مبدأ تداول السلطة، هي ما يفسّر غياب الثورات في الدول الديمقراطية، رغم كل ما تتعرض له من أزمات اقتصادية أو سياسية

"
بين الإصلاح والثورة

في الواقع فإن الثورات الشعبية لا تحصل لمجرد رغبة قوى اجتماعية معينة في تغيير أحوالها، والارتقاء بأوضاعها، بل إن هذه القوى تذهب إلى انتهاج طريق الثورة مضطرة، بعد أن تسد في وجهها مختلف الطرق الإصلاحية الأخرى، أي التدرّجية والتوافقية والدستورية.

ولا شك أن هذا يخالف نظرة رومانسية سائدة ترى الثورات بمثابة طريق حتمي ووحيد للتغيير والارتقاء، وهي نظرة تأسّست على خبرات تجارب تاريخية سابقة، أو نتيجة تبني وصفات أيديولوجية جامدة معطوفة على نوع من مراهقة أو سذاجة سياسية.

فمن الثابت أن تلك الطريق تنطوي أيضا على أثمان مكلفة بشريا وماديا، وهي محفوفة بالمخاطر، فضلا عن أنها قد لا تصل إلى النتائج المرجوة أو قد تأتي على الضدّ منها.

وإذا أمعنا النظر حقا نجد أن ظاهرة الثورات تدين بظهورها أصلا لعالم قديم مضى وانقضى، لأن العقل السياسي الحداثي استطاع إنتاج الوسائل التي تمكّن من تعيين التوازنات الاجتماعية، وضبط توزّع السلطة والقوة والثروة.

وقد أمكن ذلك من خلال ابتداع مفهوم حقوق الإنسان والمواطنة، وبتحويل الانتماءات الأولية إلى انتماءات اجتماعية، والمواطنين إلى شعب، ومن خلال فصل السلطات ونهوض المجتمع المدني وإعلاء شأن سلطة القانون والقضاء وتكريس مبدأ تداول السلطة بواسطة التمثيل وصناديق الاقتراع والبرلمانات، وهو ما يفسّر غياب الثورات في الدول الديمقراطية، رغم كل ما تتعرض له من أزمات اقتصادية أو سياسية.

ففي نظم سياسية تنتمي إلى الحداثة، أي إلى عالم الحرية والعقل والمدنية، باتت الثورة بمثابة درس من التاريخ أو صورة في متحف بما لها وما عليها، وكأنها شيء متقادم ما عاد ثمة حاجة إليه إلا للموعظة أو للذكرى.

المشكلة أن الأمر في بلداننا يختلف تماما، فثمة نظم سياسية مفوّتة أو متقادمة تاريخيا، وهي مازالت مصرة على تأبيد سيطرتها بوسائل الاستبداد والفساد، وهذا وحده، ما يجعل الثورات ظاهرة شرعية وضرورية وظاهرة معاصرة، تعيد إنتاج ذاتها كما نشهد في هذه المرحلة.

هكذا فإن معضلة الثورات الشعبية في بعض البلدان العربية لا تكمن في أسباب قيامها، ولا في قيامها في حد ذاته، وإنما في هذا الفوات التاريخي، على صعيد الأفراد والمجتمعات والدول في منطقتنا، والذي يعكس نفسه على شكل معضلات كثيرة وعميقة ومعقدة تعاني منها هذه الثورات.

لذا ففي ضوء هذه المعضلات والمخاطر لا يمكن توقع ثورة نموذجية وعلى القياس، فهذه الثورات اندلعت في أوضاع غير نموذجية على الإطلاق، أوجدتها الدولة الشمولية التسلطية التي أخذت معها، في انحطاطها وفسادها السياسي والأخلاقي، مجالي الدولة والمجتمع إلى هذا الدرك، في محاولاتها تعميم خصائصها عليهما.

ولعل ما يجب إدراكه هو أن هذه المخاطر وتلك التخوفات إنما هي من طبيعة الثورة نفسها وجزء من ثمن التغيير والارتقاء وولوج عالم الحداثة ومحاكاة العالم في سبيل الحرية والكرامة والعدالة، ويبدو أن في الأمر ما يستحق التضحية.

المصدر : الجزيرة

التعليقات