أحمد محمدن

أحمد محمدن


المعاملات الإلكترونية
تعريف وتصنيف البايومتركس
أهم البايومتركس المستخدم
عوامل نجاح البايومتريكس
جواز السفر البايومتري (الإلكتروني)
العزيمة والرخصة

كان أسوأ ما يعير به الاتحاد السوفياتي البائد غياب الحريات والمتابعة الأمنية للمواطنين. وقد ورثت دول عربية عديدة هذه "الخصال" وطبقتها وتوسعت في تطويرها والتعسف فيها حتى ظهرت دكتاتوريات لا مثيل لها في التاريخ، لعل آخرها الحالة السورية التي هي في طور الزوال الآن تحت ضغط الربيع العربي الذي لم يسبق له مثيل هو الآخر.

ولطالما ظهرت الديمقراطيات الغربية بالمظهر المعاكس وبالغت في استثمار الوضع في المعسكر الشرقي للتبشير بالحريات وحقوق الإنسان، واستهجان متابعة تحركات الناس والتنصت على مكالماتهم باعتبارها "مسالك غير ديمقراطية وانتهاكات للحريات الشخصية"، وغير ذلك من الأوصاف التي دأب ساسة البيت الأبيض ووست منستر على استخدامها للتشهير بخصومهم.

والواقع أن الدول الغربية تمارس قبضتها الأمنية بشكل أقوى وأفضل، لأنها اختارت النعومة على الخشونة والرقابة عن بعد بدل الاستجواب عن قرب. فكأنها وعت حكمة العلامة الشاعر الشيخ سيد محمد ولد الشيخ سيديا: ..... "يُنال بالرفق ما بالعنف لم ينل". فما أدوات هذا "الرفق"؟

أكثر وسائل المتابعة الناعمة اليوم هي المعاملات الإلكترونية والبايومتركس. وفي هذا المقال إشارة خفيفة إلى الأولى وتفاصيل أكثر عن الثانية.

المعاملات الألكترونية

"
سهلت الحياة الإلكترونية متابعة الناس وتعرف سلوكهم والتنبؤ بتصرفاتهم بشكل كبير, والثمرة الأمنية من ذلك تصنيف الناس حسب الحاجة إلى المتابعة
"
ونقصد بها كل معاملة مالية أو إدارية أو ثقافية أو ترفيهية. فمن تصفح الإنترنت والمواقع التي يزورها المرء بانتظام ومواسم وأوقات هذه الزيارات يمكن رسم معالم شخصية الفرد واهتماماته ثم تأتي المعاملات الأخرى لتعزز وتنقح هذا الرسم.

أما عندما تربط هذه المعاملات مع بعضها ويربط الكل برقم الهاتف الجوال فيمكن التنبؤ بسلوك الفرد وبرنامج نشاطه اليومي والتأكد من كل ذلك بما فيه الموقع الجغرافي، إما عبر شبكة الاتصالات أو الـ"جي بي أس" إذا توفر.

وهذا فن معروف عند الدوائر الأمنية بمصطلح (Offender Profiling) الذي يوحي بأنه موجه إلى المجرمين أو أصحاب السوابق ولكن، ماذا يمنع من تطبيقه على الجميع؟

لقد سهلت الحياة الإلكترونية متابعة الناس وعرف سلوكهم والتنبؤ بتصرفاتهم بشكل كبير. والثمرة الأمنية من ذلك تصنيف الناس حسب الحاجة إلى المتابعة، فمنهم من يراقب يوميا وساعة بساعة، ومنهم من لا يلفت انتباه الجهات الأمنية ولا يحتاج إلا إلى "فحص دوري روتيني" مرة أو مرتين في العام.

وعند ربط المعاملة الإلكترونية بالبايومتركس الخاص بالفرد يكون قد ضبط بشكل دقيق ويمكن اطلاع أي جهة أمنية على ملفه حيثما حل أو ارتحل على هذه الأرض.

تعريف وتصنيف البايومتركس
البايومتريكس كلمة مركبة من جزأين Bio بمعنى الحياة (أو الأحياء) وMetrics بمعنى القياس. ولكن المقصود بها دراسة الآثار البشرية القابلة للقياس حسية (بدنية) كانت أم سلوكية لغرض التمييز بين شخصين أو أكثر. وبتعبير أدق "نظام قادر على تعرف شخص بعينه من خلال التحقق من أثر سلوكي أو بدني مميز لهذا الشخص وصادر عنه".

وعلى هذا فإن كل سمة بشرية قابلة للقياس والمقارنة تصلح للبايومتركس. فاصطفاف الأسنان (ميزة بدنية) يستخدم أحيانا في التعريف بالموتى، كما أن التوقيع (ميزة سلوكية) يستخدم في تعرف الأحياء. وهاتان الميزتان لا تخلوان من الأخطاء والأغلاط، غير أن ذلك لا ينقص من قيمتهما وأدائهما في الكشف والتعريف.

أهم البايومتركس المستخدم

حمض الـDNA  شكل الأذن ملامح الوجه
الخريطة الحرارية للوجه بصمات    الأصابع  المشية
بنية اليد  شبكة الأوردة في اليد  إنسان العين
تحليل الرائحة القرنية التوقيع

عوامل نجاح البايومتريكس
توضيحا للفكرة وتقريبا للأذهان دعنا نأخذ القدم مثالا بايومتريا، إن نجاح هذه الميزة البدنية يتطلب ما يلي:

1- طريقة مناسبة لقياس القدم (شكلا وحجما وأثرا) تعطي نتيجة يمكن فهمها ومقارنتها بغيرها من مثيلاتها.

2- طريقة أو نظاما لضبط وتسجيل النتائج المقيسة.

3- أشخاصا يتبرعون لإجراء الدراسة عليهم.

4- معايير لمقارنة القياسات من أجل تحديد الانتماء وتدقيقه بحيث يتم التأكد من صاحب القدم دراية ورواية.

ومع أنه لا مانع من استخدام القدم البشرية بايومتريكا إلا أنها ليست أفضل خيار. ذلك أن نجاح السمات البدنية والسلوكية بايومتريا يتطلب عدة عوامل لا يكاد بعضها يغني عن بعض إلا كما تغني العين عن الأذن. ومن هذه العوامل:

1- الشمول: ويقصد به أن تشمل السمة الناس كافة أو أكبر قدر منهم، فمعظم البشر يولد بيدين ورجلين، ولكن المرء قد يفقد بعض أطرافه نتيجة المرض أو الإصابات الأخرى، وبما أن لكل كائن حي نسخته المتميزة من حمض الـDNA فيمكن القول إن الـDNA أشمل من اليد أو القدم.

2- التميز: والمقصود به أن تحوي السمة الشاملة تفاصيل تميز الفرد وتفرق بينه وأقرانه ممن يشتركون في السمة الشاملة. ويعتمد التميز إلي حد كبير على الطرق المتبعة في القياس البايومتري كما يٌعتمد في تحديد فرد بعينه ضمن عينة بايومترية.

"
يمكن قياس شكل القدم وأبعادها بأقصى دقة ممكنة ولكنها قد تطابق ألوفا من الأقدام ضمن قاعدة بيانات وبذلك تنتفي صفة التميز عن القدم عكس بصمات الأصابع "
ففي مثال القدم يمكن قياس شكلها وأبعادها بأقصى دقة ممكنة، ولكنها قد تطابق ألوفا من الأقدام ضمن قاعدة بيانات، وبذلك تنتفي صفة التميز عن القدم عكس بصمات الأصابع التي لا تطابق إلا فردا واحدا بعينه.

3- الدوام: بحيث لا تتغير أو تتلاشى الصفة البايومترية. وتبرز قيمة عامل الدوام أكثر في الملفات الجنائية طويلة النفس. وتجب مراعاة هذا العامل عند اختيار السمة البايومترية، ذلك أن كثيرا من الصفات البدنية عرضة للتغير والتبدل وربما الانعدام نتيجة للمرض أو الإصابة أو السن. والقدم مثال على ذلك، ولكن إنسان العين أو بصمة الإصبع أقل عرضة للتغير بكثير. أما حمض الـDNA فلا يتغير أصلا.

4- قابلية الرفع: وذلك لنقل السمة البايومترية لدراستها ومقارنتها وحفظها عند الاقتضاء. فحمض الـDNA الذي يتصدر السمات البايومترية من حيث الشمول والتميز والدوام لا تزال تعوزه قابلية الرفع لما يتطلبه ذلك من خبرة فنية وتجهيزات لاتزال حكرا على جهات ومؤسسات محدودة. وهذا ما يفسر غياب الـDNA في الممارسات البايومترية اليومية مقارنة بالسمات سهلة الرفع مثل صورة الوجه وبصمات الأصابع.

5- الأداء: إن أداء أي نظام بايومتري يتوقف على الأهداف التي صمم من أجلها. فإذا اعتمدت دولة قليلة السكان نظام (مسح الوجه) لتعرف سكانها، فستحتاج صورا رقمية بتفاصيل مناسبة. ويتطلب ذاك ملفات كبيرة الحجم، وبضرب حجم الملف بعدد السكان يتبين حجم التخزين الإجمالي من ذاكرة الحاسوب.

وتبعا لنظام التشغيل وسرعة الربط قد لا يكون أداء هذا النظام البايومتري مرضيا. فلئن كان انتظار ثلث ساعة أو نصفها مقبولا لدى المسافرين بالطائرة من أجل التأكد من الهويات فإن ذلك لا يستساغ على الصراف.

6- القبول: فلا بد أن يكون النظام المتبع لرفع وجمع السمات البايومترية مقبولا ومألوفا لدى المستخدمين لا يزعجهم ولا يضر بصحتهم وسلامتهم.

فتصوير إنسان العين الذي يعد مميزا إلى حد كبير قد يكشف أمراضا لم تكن معروفة قد تؤثر سلبا على حظوظ المعني أو نفسيته مثلا. على أن ثمة سؤالا عن إمكانية تسبب هذا التصوير لأمراض تصيب العين أو غيرها. وحتى في حال حسم هذه التساؤلات لا بد أن يكون النظام البايومتري مقبولا ومميزا بشكل مقنع.

7- التثبت: لا بد أن يتسم النظام البايومتري بالتثبت، بحيث لا تمكن مغالطته سواء خطأ أو عمدا. فالناس، من حيث لا يدرون، يعتمدون تقنية مسح الوجه يوميا لتعرف ذويهم، ولكن الكمبيوتر قد يفشل في هذا بسبب السن أو الزاوية التي يرى منها أو غير ذلك فيحصل خطأ بمنع ذي حق حقه أو إعطائه من لا يستحق.

وتعد بصمات الأصابع أهم وأشمل وأنجح نظام بايومتري حتى الآن. ونظرا لطول الحديث فيها فسنتناولها في مقال مستقل بمشيئة الله. ولكن ننبه إلى أن مكتشفها مسلم لا يعرف عنه الكثير!

جواز السفر البايومتري (الإلكتروني) 
لا يختلف عن الكتيب المعهود إلا في إحدى ورقاته (صفحة الصورة والبيانات الشخصية) التي تكون مدعمة أو "مصفحة" قوية تضم شريحة إلكترونية كشريحة الهاتف الجوال وتحتوي كذلك على هوائي اتصالات نحاسي اللون غالبا يكون ملفوفا عدة لفات حول الشريحة ويساهم في تدعيم الورقة.

أما الشريحة فأقل البيانات فيها ما في جواز السفر كالاسم وتاريخ الميلاد والصورة وصلاحية الجواز وما إلى ذلك. وتحتاج الشريحة إلى أجهزة خاصة لقراءتها تتوفر بالمطارات ومكاتب الجوازات في البلدان التي تتبنى النظام البايومتري.

ولا يخفى ما يقدمه هذا النظام من محاربة التزوير، ولا تمكن قراءة البيانات الإلكترونية إلا بكلمة سر خاصة مشفرة ضمن أسطر في أسفل صفحة البيانات تكثر فيها علامات <<<< أو >>>>.

يبدأ موظف الجوازات بتمرير هذه الرموز في الجهاز ليستخرج كلمة السر ثم يقابل الشريحة مع شاشة الجهاز، فتظهر جميع بياناتها أمامه فيقارن الظاهر بالخفي ويتأكد من مطابقة الصورة على الجواز والشاشة للمسافر.

"
يتزايد عدد الدول التي تستخدم جوازات سفر بايومترية، ويتجه بعضها لعدم السماح بدخول أراضيها لمن لا يحمله, وفي الوطن العربي تأتي دول الخليج في طليعة المستخدمين والبقية على الطريق
"
والبيانات الإضافية التي تسجلها الشريحة وليست مكتوبة في الجواز هي محل نقاش من حيث مشروعيتها وانتهاكها للحريات الفردية. ففي بريطانيا يفترض ألا تتجاوز هذه الإضافيات ما يمكن استنباطه من البيانات المكتوبة كمعالم الوجه ومقاساته مثل المسافة بين العينين وطول الأنف ونسب بعضها لبعض.

وحسب احترام الدول لقوانينها وثقافة الحريات العامة فيها تتغير طبيعة وحدود المعلومات الإضافية. وهكذا، فبصمات الأصابع غالبا تكون مسجلة في الشريحة الإلكترونية، ولعلها ستكون مطلبا قانونيا إذا عم استخدام هذا الصنف من جوازات السفر.

وعلى كل حال، في زمن التقدم التكنولوجي الهائل، يمكن للهيئة المصدرة للجواز البايومتري تعديل البيانات الإضافية إما بتنزيلها على الشريحة كعلاقة الآيفون بالآيتون أو بإرسال "تعليقات" تقرؤها السلطات المختصة في المطارات، على طريقة الرسائل النصية (SMS). وأضعف الإيمان أن تنشر رسالة أو تعميما على شبكة الجوازات متعلقة بجواز سفر معين لتوجيه التعامل مع صاحبه.

يتزايد عدد الدول التي تستخدم جوازات سفر بايومترية، ويتجه بعضها لعدم السماح بدخول أراضيها لمن لا يحمله، فدول الاتحاد الأوروبي وأميركا وأستراليا والبرازيل وروسيا في طليعة مستخدمي الجواز البايومتري ودول أخرى أعلنت تبنيه كالصين والهند. أما في الوطن العربي فتأتي دول الخليج في الطليعة والبقية على الطريق.

العزيمة والرخصة
ككل جهد بشري، لا تخلو الأنظمة البايومترية من أخطاء، فقد تفشل في مقارنة بصمة مسجلة فلا تتعرفها. ومثال ذلك أن يفلت منها مطلوب دون التعرف عليه ويسمى ذلك في عرفهم "خطأ مقارنة سلبيا". وفي المقابل، قد تدق ناقوس الخطر على بريء فترميه بجرم غيره وتأخذه بجريرة لم يقترفها ويسمى ذلك "خطأ مقارنة إيجابيا".

"
لا تخلو الأنظمة البايومترية من أخطاء, فقد تفشل في مقارنة بصمة مسجلة فلا تتعرفها وبالتالي يمكن أن يفلت منها مطلوب دون تعرفه
"
ويمكن للهيئة المشرفة على الكشف البايومتري تعديل مستوى الخطإ المسموح به. فإذا أخذت بـ"الرخصة" وسعت على الناس وتفهمت أنه ربما حصل خطأ مقارنة سلبي ولكن بنسبة ضئيلة ودون مضايقة أي بريء تقريبا. وهذا ما تنتهجه الدول التي تجعل للحريات العامة وكرامة المواطن نصيبا.

أما إذا عملت بـ"العزيمة" فتكون قد ضمنت تقريبا عدم تسلل أي "مندس" ولكنها قد ضيقت الخناق وكدرت على الناس صفو حياتهم وربما جرّمت بريئا، وهذا مذهب الحكومات البوليسية.

وهناك طرق إحصائية لتمثيل نسب أخطاء المقارنة بشكل بياني يساعد في تحديد مستوى الدقة الذي يتساوى عنده احتمال الأخطاء الإيجابية والسلبية ويسمى في عرف القوم خط تساوي الخطأ تكون الرخصة عن يساره والعزيمة عن يمينه.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك