توجان فيصل

توجان فيصل

كاتبة أردنية


في هذه المرحلة المبكرة من ثورات "الربيع العربي", أمثلة تكاد تكون الأقرب للصورتين الشهيرتين في ترويج معالجات تغييرية أو تجميلية, المعنونتين "ما قبل .. وما بعد".

في تونس ومصر, حيث سجل أكبر نجاحين, لم تستكمل الثورة بعد صورتهما الـ"ما بعد". ومع ذلك يجمع مصر بالأردن محاولات تصوير الثورة باعتبارها المتسبب في انهيار اقتصاد البلد, وليس الفساد والنهب بعشرات ومئات المليارات الذي جرى فيه بيع كل شىء من أرض الوطن بما تحتها وما فوقها, وصولا لبيع السيادة عليها.

تؤشر, في نظر الغرب, على كون الأردن لا يزال "عمليا" في حالة الـ"ما قبل" ولم يغادره قيد أنملة, مقالة حديثة بانورامية لباتريك سيل (الكاتب البريطاني المتخصص في شؤون الشرق الأوسط) عن الربيع العربي.

"
الأردنيون يتندرون بالقول إنه حين تنهي الجزيرة انتداب مراسلها حسن الشوبكي لليبيا وتعيده لعمان, تكون رياح الربيع العربي قد هبت فعلا على الأردن
"
فهو يعدد الدول التي حل بها الربيع بدءا بتونس ومصر وسوريا وليبيا والبحرين واليمن, وصولا "للمغرب" الذي هو لا شرق ولا أوسط, ولم تقم فيه احتجاجات تقارب جزءا مما قام في الأردن, ولا ذكر للأردن.

ولكنه السيد سيل يتحدث عن السعودية ودورها في مساعدة البلدان الفقيرة من أجل مصلحتها الخاصة, ولإنقاذ الربيع العربي ومنعه من الوقوع في الفوضى!! آخر ما يمكن تصديقه هو أن السعودية معنية بـ"إنقاذ" الربيع العربي, ولكنه قول يكشف نظرة غربية تخرج الحراك الأردني من دائرة الربيع العربي إلى حالة فوضى خلقها فقراء تتولى السعودية إعانتهم .. وعربيا, يؤشر على اعتبارنا لم نتحرك من مكاننا جزئية يجري تداولها كنكتة بين الأردنيين, تقول إنه حين تنهي الجزيرة انتداب مراسلها حسن الشوبكي لليبيا وتعيده للأردن, تكون رياح الربيع العربي قد هبت فعلا على الأردن.

ومحليا, مقولة أن الأردن لم يغادر مرحلة الـ"ما قبل" تثبتها عمليا حقيقة أن كامل قراراته, السياسية والاقتصادية والمالية والتشريعية, ما زالت في يد ذات الحلقة الضيقة التي نهبته, بشخوصها ذاتهم وبعلاقاتها التي لا تخفى في بلد كامل تعداد سكانه لا يتجاوز ستة ملايين.

لهذا فإن الأردنيين جميعا يقرؤون ما بين السطور وما وراء السطور, فكيف إن جاءت السطور ذاتها بإملاء وحتى استغفال فج لا يقبله عقل ومنطق.. وهو ما يحمله خطاب الحكومة الحالية, يأتينا مباشرة أو مواربا.

ويهمنا الموارب أكثر, كونه يؤشر على امتدادات أبعد لأذرع الحكومة لتحريك ثورات مضادة لثورة لم تقم بعد. ونتناول من بين من تولوا هذا كاتب كان لحينه مستقلا ومقدرا عاليا, ولكن التعديل الحكومي الأخير جاء بشقيقه وزيرا للإعلام خلفا للوزير الإعلامي العريق المستقيل احتجاجا على حزمة قوانين جديدة تعد لمزيد من قمع حريات الرأي والتعبير, شملت قوانين المطبوعات والعقوبات وقانون ما أسمي بهيئة مكافحة الفساد.

وكلها تهدف لمنع أي حديث عن الفساد بذريعة الحماية من "اغتيال الشخصية". وهي قوانين لم يمر بعضها من مجلس الوزراء الذي يفترض أنه اقترحها بشهادة وزير الإعلام المستقيل, ما يؤشر على أن الحكومة واجهة للاعبين آخرين.

ولكن لا أحد يجادل في كون كل هذه القوانين ستمر عبر مجلس النواب الذي يتصدر إسقاطه مطالب الشعب منذ انتخابه. ولا أحد يخفي, بمن فيهم كتبة الحكومة الدائمون وليس المستجدين مع كل حكومة أو تعديل حكومي, أن إبقاء المجلس ودعوته لدورة استثنائية هو لتمرير تلك القوانين, بل ولتمرير تعديلات دستورية تطبخ في غرف مغلقة.. أي أن ما يجري باسم "الإصلاح " يتجاوز شراء الوقت إلى استثماره في تكريس ما ثار الشعب ضده من فساد وغياب حريات.

وحديث كاتبنا هذا ليس حتى في "الاقتصاد", مع أنه يكرر ما يسخّر له كتاب اقتصاديون من إصرار على أن إفلاس الدولة هو نتيجة خيار" لنهج اقتصادي" ثبت خطؤه, أو جرى الخضوع لإملائه من صندوق النقد الدولي.. إلى آخر الأسطوانة المشروخة.

حديث الكاتب السياسي هو عن "أزمة مالية" لا أكثر، ووصف الكاتب للأزمة بأنها "بركان" لم يأت سوى لإخافة الشعب من تفجر هذا الذي يجلس عليه, والذي وصفه هذا يجعله أقرب للظاهرة الطبيعية وليس فسادا بفعل فاعل.

وفي حين يستمر "الفاعلون" في تمرير حزم قوانين بل وتعديلات دستورية تحصن فسادهم, يريد الكاتب من "النخب" التي تقود الشارع أن تترك ما هي فيه من شأن إصلاحي لتتفرغ للبحث عن"معونات" تستجديها من "شقيق عربي" أو من صديق أو حتى عدو (حسب وجهة نظر تلك النخب) أجنبي, يلزم منها مليارا دينار (حوالي ثلاثة مليارات دولار) فقط لتغطية عجز الموازنة الحالية .. ومطلوب من "النخب والأحزاب" الانشغال بهذا لحين تنتهي حلقة الحكم من ترتيب ترسانتها القانونية والدستورية في مواجهة الإصلاح والمصلحين.

"
ما يجري باسم "الإصلاح" يتجاوز شراء الوقت إلى استثماره في تكريس ما ثار الشعب ضده من فساد وغياب حريات
"
فنهاية العام هو ما يتداول صراحة أنه بقية عمر مجلس النواب المرفوض, وعمر الحكومة الذي احتاج تمديده تعديلا حكوميا لملء ثلاث وزارات شغرت إما بالاستقالة احتجاجا على فساد يحصن, او إقالة جاءت في إقرار بتورط الحكومة في ذلك التحصين.

الكاتب السياسي يبدأ مقالته بوصف السجالات التي تشغل النخب والأحزاب بأنها بمثابة "ألعاب ترفيهة" مقارنة بما تنذر به الأزمة المالية.. وأنه "لا حديث يعلو على الهم اليومي الاقتصادي لدى الناس".. تعبير يذكر بـ"صوت المعركة" الموظف لعقود في قمع أصوات الإصلاح الداخلي في العالم العربي.

والأعجب هو تشخيص الكاتب لأسباب ذلك الهم المعيشي "للشريحة الواسعة التي تعاني منذ سنوات", بأنه: عدم قدرة تلك الشريحة الواسعة على "التكيف" -والأقواس حول الكلمة للكاتب- مع "الضغوط الاقتصادية"!!

العيب إذن في الشعب وقدراته, وليس في قدرات الحكومات وكل شاغلي مواقع المسؤولية, ناهيك عن نزاهتهم. أمر يذكر بنكتة شعبية كونها من واقع ركاب الباصات (الأوتوبيسات) عن سائق أهوج لحافلة اضطرت قيادته أحد الركاب المذعورين لتنبيهه, فضغط السائق فرامل الباص بما عرض سلامة الركاب لخطر آخر, واستل عصاته المعدنية (تلك التي يبقيها السائقون الكبار تحت مقاعدهم) وتلفت نحو الركاب يستفسر عن الناطق, فما كان من الراكب إلا أن اعتذر بقوله: عفوا أنت تتقن السواقة, ولكن نحن الذين لا نعرف كيف نركب!!

ما رفعه الكاتب في وجه كل قرائه, نخبا وشريحة شعبية واسعة, لا يقل عن العصا الحديدية. فهو يتخذ موقع المحلل المطلع على وجهتي نظر داخل الحكومة, واحدة "لفريق الوزراء الاقتصادي" يقول إن الخيار الوحيد لإنقاذ "الاقتصاد الوطني" هو إما رفع أسعار المحروقات.. أو "المزيد من الديون, وإصدار ملحق بالموازنة, وتخطي سقف الدين, واهتزاز الاستقرار النقدي والاقتصادي, فانهيار الموازنة.."، ويضيف الكاتب من عنده في فقرة لاحقة "واختلال قيمة الدينار"، كما يضيف معلومة تراجع احتياطي المملكة من الدولار بمقدار مليار دولار.

والتشكيك بثبات قيمة العملة مجرم قانونا, ويحال "مقترفه", ولو في سياق تحليل استدلالي منطقي, لمحكمة أمن الدولة.. وهو هنا يؤشر على حصانة أعطيت للكاتب كي يتمكن من نقل كامل ما يسميه بـ"السيناريو المرعب" الذي يهدد به الشعب إن ظل يستمع "لألعاب الترفيه" التي تقوم بها "نخبه وأحزابه" المعارضة"، وهو سيناريو مرعب حقيقة, وهذه ثاني مرة يتم فيها التلويح به في العهد الجديد.

وقد كتبت في المرة الأولى أيضا مستنكرة تجرؤ الحكومة على التلويح به, كونه يستحضر حال البلاد في صيف 88, بعد إفلاس بنك البتراء الذي جرى بإخراج ممنهج للعملة الصعبة بمعدل نصف مليون دولار يوميا (وهو مبلغ كبير قياسا بالناتج القومي وبالموازنة حينها), حسب ما نبه آنذاك د. فهد الفانك في عموده الاقتصادي, فاضطروه لأن يعود ويؤكد سلامة الأحوال واستقرار سعر صرف الدينار, فيما هبوط سعره الفعلي توالى لتصل قيمته للنصف.. تلاه رفع أسعار المحروقات ما أدى لانتفاضة نيسان 89. فأي حصافة هذه التي أفتت بإثارة "رعب" كهذا, خاصة حين تكون أغلب مديونية الدولة المتضخمة مديونية داخلية وبالدينار؟؟ وهل تساوي وزارة أو إطالة عمر حكومة, التلويح بسيناريو كهذا؟!

ولاستكمال سيناريو الرعب, يشير الكاتب أيضا لاحتمال قطع الكهرباء ورمضان على الأبواب, بزعم أن خسائر الحكومة يوميا نتيجة ما تقول الحكومة إنه دعم لسعر الغاز (المستعمل لتوليد الكهرباء كما في المنازل) يصل لخمسة ملايين دولار يوميا.

ولكن الكاتب يوحي بأن الحكومة قد لا تفعل هذا, كون "الفريق الوزاري السياسي" لا ينصح بأي قطع أو رفع كلفة محروقات" في الشهر الفضيل، في ظل حالة الاحتقان والتربص الواضح من المعارضة التي ستمسك بالقرار لتشعل الشرارة في أجواء مشبعة بغاز الإحباط" .. أي أن الرفع أو القطع قد يليان الشهر الفضيل كضرورة مالية, مما يلزم النخب المعارضة أن تتوقف عن "تربصها" و"ألعابها الترفيهية".. وأن "تتجاوز خلافاتها السياسيةمع الحكومة", ليس فقط لحين "الخروج من الأزمة المالية الراهنة", بل ولحين حدوث تحول إستراتيجي يقوم بديلا إستراتيجيا "للوصفة الإقتصادية" التي يحمّلها الكاتب مسؤولية الوضع, وليس ناهبي المال العام وبائعي أصول الدولة المدرة للدخل بسعر بخسته بعمولاتها الضخمة.

"
إذا كانت الأزمات الاقتصادية توجب وضع الشعوب خلافاتها مع الحكومات غير الديمقراطية والفاسدة جانبا, فلماذا لا تمعن الحكومات أكثر في نهب الوطن والمواطن!!
"

إذا كانت هكذا أزمات اقتصادية توجب وضع الشعوب خلافاتها مع الحكومات غير الديمقراطية والفاسدة جانبا, لتبحث معها عن حلول ليس منها المطالبة بإعادة ما جرى نهبه, بل المراوحة فقط بين رفع أسعار سلع إستراتيجية كالطاقة بما يرفع بالتالي أسعار كل السلع والخدمات .. زيادة المديونية, فلماذا لا تمعن الحكومات أكثر في نهب الوطن والمواطن, بما يضمن بقاء تلك الأزمات الاقتصادية والمعيشية وتعميقها؟

عرض يؤشر على استخفاف بالشعب, نخبه قبل عامته, يتجاهل كليا مطالبه طيلة الأشهر الماضية.. وهو خطأ شعب صغير العدد لم ينجح في تجميع كل قواه وعديده, متجاوزا خلافاته الصغيرة بالمقارنة, لفرض نفسه على الخريطة العربية كما فعل أشقاؤه.. فوصل الأمر لأن تخاطب نخبه وعامته بما يصل حد تذكيره بالمثل القائل "عيش يا قديش ليطلع حشيش.." ربيع عربي آخر!!

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك