حمدي عبد الرحمن

حمدي عبد الرحمن

خبير في الشؤون الأفريقية


ميلاد دولة أم انقسام أمة؟
تحالف جوبا يتجه شرقا
إستراتيجية احتواء مصر

لقد أضحت دولة جنوب السودان كاملة السيادة بعد أن أعلنت انفصالها عن الدولة الأم في حفل بهيج في التاسع من يوليو/تموز 2011، وهي بذلك تعد الدولة رقم 193 في حال انضمامها لعضوية الأمم المتحدة. ويأتي هذا الانفصال ليضع حدا لصراع طويل راح ضحيته نحو مليوني شخص من أبناء السودان، كما أنه يعبر عن آمال وطموحات شعب الجنوب في إنهاء سياسات الهيمنة والتهميش المفروضة من الشمال.

وعلى الرغم من إشكالية سؤال الهوية والانتماء الجغرافي والثقافي في المجتمع السوداني الجنوبي المنقسم عرقيا ودينيا، فإن أهل الجنوب يحدوهم الأمل في بناء دولة جديدة تنعم بالديمقراطية والرخاء الاقتصادي.. ومع ذلك إذا تركنا جانبا الأجواء الاحتفالية وثورة التوقعات المتزايدة التي صاحبت ميلاد دولة الجنوب الجديدة، فإن ثمة مؤشرات تثير القلق بالنسبة لمستقبل هذه الدولة.

فالبعض يطرح إمكانية إضافة دولة فاشلة أخرى لمنطقة القرن الأفريقي. كما لا يزال العقل العربي والمسلم أسير حديث المؤامرة ويتحدث عن نكبة انفصال الجنوب وتقسيم السودان..!

والأهم من ذلك ثمة مؤشرات جدية على إعادة صياغة إقليم شرق أفريقيا من الناحية الجيوستراتيجية، وهو ما يطرح سؤال الأمن القومي العربي والمصري تحديدا. فأين نحن من كل هذا؟

ميلاد دولة أم انقسام أمة؟

"
منذ توقيع اتفاق السلام الشامل عام 2005 تمتعت حكومة جنوب السودان بسلطة الحكم الذاتي, أما اليوم فقد أضحت دولة الجنوب تتمتع بالسيادة الكاملة والاعتراف الدولي
"
منذ توقيع اتفاق السلام الشامل عام 2005 تمتعت حكومة جنوب السودان بسلطة الحكم الذاتي كاملة مع تدخل محدود من قبل حكومة الخرطوم. أما اليوم فقد أضحت دولة الجنوب تتمتع بالسيادة الكاملة والاعتراف الدولي الذي بدأ قبل أن تولد. والملاحظ لإدارة حكومة الجنوب بزعامة سلفاكير يجد أنها قد حققت بعض الإنجازات في عدد من المناحي بيد أن مجمل أدائها العام كان بعيدا كل البعد عن مستوى خطابها السياسي الذي حمل دوما مضامين بلاغية ورمزية مفرطة في التفاؤل.

إن الحكومة الجديدة لجنوب السودان تهيمن عليها الحركة الشعبية لتحرير السودان، وهو ما يعني عمليا إقصاء الحركات والقوى السياسية الأخرى في الجنوب. وباستدعاء الخبرة التاريخية لدول الجوار الأفريقية مثل أوغندا وإثيوبيا وإريتريا وتشاد، حينما تحول المتمردون في هذه الدول إلى الحكم وتخلوا عن لباسهم العسكري، فإن الأمور تبدو غير مبشرة بالنسبة لمستقبل الدولة الوليدة في جنوب السودان، إذ ربما تعيد إنتاج تجارب أفريقية أخرى، ولعل النموذج الإريتري ليس ببعيد.

وتشير العديد من التقارير الدولية إلى تفشي الفساد في حكومة الجنوب. وقد استدعى مؤخرا برلمان جنوب السودان عددا من المسؤولين للتحقيق معهم في قضية اختفاء نحو ملياري دولار أميركي من الأموال العامة. أضف إلى ذلك فقد مارست السلطات الأمنية والعسكرية في كثير من الأحيان عمليات تضييق على الإعلام والوصول إلى المعلومات.

وعلى صعيد التحديات الأمنية ووجود العديد من الفصائل المسلحة المعارضة للحركة الشعبية، نجد أن حصيلة المواجهات العنيفة في جنوب السودان منذ بداية هذا العام قد وصلت إلى نحو 1400 شخص لقوا حتفهم، وفقا لبعض التقديرات الدولية. ولعل ذلك كله يبرر القول إننا أمام إمكانية ولادة دولة فاشلة جديدة في المنطقة.

على أنه يمكن الخروج من هذا المأزق المتعلق بإشكالات بناء الدولة الجديدة في الجنوب من خلال النظر إلى هذا التحرر الأول باعتباره مقدمة لتحقق الهدف النضالي الأسمى، وهو بناء الأمة السودانية الواحدة وفقا لرؤية "السودان الجديد" الذي يقوم على مبادئ المواطنة والمساواة والعدالة الاجتماعية.

عندئذ يمكن إعادة تعريف الهوية السودانية الجامعة لتشمل كافة مكونات الأمة السودانية. وأحسب أن التطلع للتحرر الثاني بتأسيس سودان جديد يمكن أن يرتكز على عدد من المقومات الأساسية من أبرزها:

أولا: الخصائص الجغرافية والسكانية لجنوب السودان باعتباره دولة حبيسة تُدفع به حتما إلى الارتماء في أحضان أي من دول الجوار التي تمتلك منفذا على البحر. فهو إما أن يتجه شرقا صوب كينيا أو يبقي علاقته التاريخية بشمال السودان. فضلا عن ذلك فإن الجنوب يموج بالعديد من القبائل والجماعات الإثنية غير المتجانسة التي عادة ما يدور الصراع بينها حول قضايا الثروة والسلطة.

ثانيا: تعد اللغة العربية والثقافة الإسلامية أحد أبرز مكونات شخصية السوداني الجنوبي. فعلى الرغم من القول بأفريقية الجنوب والدعوة التي حملتها نخبته السياسية بضرورة التحرر من عبء الرجل العربي في الشمال، فإن "عربية جوبا" لا تزال عامل توحد واتصال بالنسبة للجنوبيين على اختلاف ثقافاتهم وقبائلهم، كما لا يمكن إنكار تأثير الإسلام على نحو ربع سكان الجنوب الذين يؤمنون به عقيدة وثقافة وهوية مشتركة.

"
عربية جوبا لا تزال عامل توحد واتصال بالنسبة للجنوبيين على اختلاف ثقافاتهم وقبائلهم، كما لا يمكن إنكار تأثير الإسلام على نحو ربع سكان الجنوب
"
ثالثا: تمثل المناطق الحدودية بين شمال السودان وجنوبه، مثل ولاية جنوب كردفان ومنطقة أبيي، قوى تجاذب وتمازج مشتركة بحيث تصبح الحدود الإدارية الجديدة لا قيمة لها. فأهل هذه المناطق من البدو الرحل يسعون دائما وراء الماء والكلأ غير عابئين بخطوط وضعتها يد الإنسان على الخرائط.

ولعل هذا ما دفع البعض إلى القول إن انفصال الجنوب سوف يكون مسألة صورية تدفع إلى ضرورة إعادة تعريف العلاقة مع باقي أقاليم السودان الكبير.

تحالف جوبا يتجه شرقا
من الواضح أن انفصال الجنوب سوف يؤدي على صعيد آخر إلى إمكانية تغيير طبيعة الملامح الجيوستراتيجية لمنطقة القرن الأفريقي الكبير. فالتوازن الإقليمي في هذه المنطقة يتحول تدريجيا لصالح إثيوبيا التي أضحت بمثابة القوة الإقليمية الأبرز.

وثمة مؤشرات عديدة تفيد بأن جنوب السودان المستقل سوف يولي وجهه صوب الشرق الأفريقي، وهو ما يعني إعادة صياغة تحالفات إقليمية جديدة تؤثر لا محالة على منظومة أمن دول الجوار العربية وعلى رأسها مصر.

وفي هذا السياق تجدر الإشارة إلى عدد من الاعتبارات التي تحكم التوجه الإستراتيجي الجديد لجنوب السودان، ومن ذلك: أولا، الروابط التاريخية التي تجمع بين السودانيين في الجنوب وإخوانهم الأفارقة في دول الجوار وهي بالأساس أوغندا وكينيا وإثيوبيا.

فقد وجدت حركة التمرد الجنوبي الدعم والمساعدة من هذه الدول. ونذكر مثلا أن كلا من الراحل جون قرنق والرئيس الأوغندي يوري موسيفيني قد درسا في جامعة دار السلام، كما استفادت الحركة الشعبية من التسهيلات الهائلة التي قدمتها لها الحكومة الأوغندية. ومنذ عام 2005 توطدت الروابط الأمنية والاقتصادية بين حكومتي جنوب السودان وأوغندا.

ولاشك أن هوى النخبة المسيطرة في جنوب السودان هو أفريقي، حيث يمتلك كثير من أفرادها علاقات اقتصادية وثقافية واجتماعية بدول الجوار ولا سيما أوغندا وكينيا. وتشير كثير من الوثائق إلى أن جنوب السودان سوف يصبح دولة محورية في التجمع الاقتصادي لدول شرق أفريقيا، الذي يضم في عضويته كينيا وأوغندا وتنزانيا بالإضافة إلى كل من رواندا وبوروندي.

ثانيا، الإعلان عن بناء ممر للتنمية يربط مدينة جوبا بالموانئ الكينية. إذ أعرب كثير من مسؤولي حكومة جنوب السودان عن قلقهم من استمرار الاعتماد على خط أنابيب بورتسودان في نقل وتصدير نفط الجنوب.

وعليه فثمة تفكير جدي بإنشاء خط أنابيب بديل بطول 1400 كلم. وقد أجرت شركة يابانية دراسات الجدوى اللازمة لإنشاء المشروع في الجانب الكيني بحيث يتم تصدير نفط جنوب السودان عبر ميناء لامو الكيني.

"
تشير كثير من الوثائق إلى أن جنوب السودان سوف يصبح دولة محورية في التجمع الاقتصادي لدول شرق أفريقيا، الذي يضم في عضويته كينيا وأوغندا وتنزانيا ورواندا وبوروندي
"
وأحسب أن هذا المشروع العملاق سوف يؤدي إلى تسريع اندماج الجنوب في منظومة دول شرق أفريقيا حيث إنه يضم إقامة شبكة من الطرق البرية والسكك الحديدية.

ثالثا، محاولة إثيوبيا مبادلة نفط جنوب السودان بالطاقة الكهربائية التي تنتجها أديس أبابا. إذ تعتمد رؤية رئيس الوزراء الإثيوبي ملس زيناوي على أن إثيوبيا القوية تبنى من خلال استغلال وتصدير طاقتها الكهرومائية. وعليه فإن فلسفة إقامة السدود في إثيوبيا ترمي إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي من الكهرباء ثم تصديرها إلى دول الجوار شرقا(جيبوتي وشمال الصومال) وجنوبا (كينيا وأوغندا) وغربا السودان بدولتيه وشمالا (مصر).

وتشير التقديرات إلى أن إثيوبيا تعتزم تصدير نحو 400 ميغاوات من الطاقة الكهربائية لشركائها الإقليميين خلال السنوات العشر القادمة. أضف إلى ذلك فقد حاولت القيادة الإثيوبية طرح فكرة بناء خط أنابيب جديد لنقل نفط جنوب السودان عبر الأراضي الإثيوبية ليصل إلى موانئ جيبوتي.

إستراتيجية احتواء مصر
إن جمهورية جنوب السودان سوف تكون في المستقبل المنظور بحاجة إلى جيرانها في شرق أفريقيا ربما أكثر من حاجة هذه الدول لها. إذ تدرك جوبا جيدا أنها بحاجة إلى كل من أوغندا وكينيا في حركة تجارتها الخارجية، كما أنها بحاجة إلى الاعتماد على إثيوبيا من أجل توفير الأمن والطاقة الكهربائية.

ومع ذلك فإن دول شرق أفريقيا تحاول جاهدة الحيلولة دون تحول جنوب السودان إلى دولة فاشلة أو عودة الصراع المسلح مرة أخرى للمنطقة. وطبقا لتقديرات عام 2009 يمثل جنوب السودان سوق التصدير الرئيسية لأوغندا حيث استوردت جوبا ما قيمته 185 مليون دولار من البضائع الأوغندية.

ويبدو أن تكلفة عودة الحرب مرة أخرى إلى جنوب السودان سوف تؤدي إلى خسارة دول الجوار نحو 34 % من إجمالي ناتجها المحلي خلال العقد القادم. وربما تخسر كل من كينيا وإثيوبيا نحو مليار دولار سنويا في حالة عودة الحرب إلى جنوب السودان.

ولا شك أنه في حالة تعزيز ذلك التوجه الشرقي لجنوب السودان وإمكانية استقطاب الخرطوم إليه تحت ضغوط دولية ومحلية، فإن ذلك يمثل خصما إستراتيجيا من المكانة الإقليمية لمصر. إذ سوف تنظر حكومة الخرطوم إلى منافع التكامل الإقليمي مع دول شرق أفريقيا وإقامة شراكة جديدة معها ربما تكون على حساب علاقاتها التاريخية مع مصر في الشمال.

"
في حالة تعزيز التوجه الشرقي لجنوب السودان وإمكانية استقطاب الخرطوم إليه, فإن ذلك يمثل خصما إستراتيجيا من المكانة الإقليمية لمصر
"
وقد تحدث البعض عن إمكانيات تأسيس مثلث للطاقة يضم الخرطوم وجوبا وأديس أبابا. ويعتمد هذا التحالف الجديد على مبادلة النفط السوداني بالمياه الإثيوبية. وطبقا لأحد مستشاري رئيس الوزراء الإثيوبي فإنه "إذا كانت إثيوبيا توفر الطاقة الكهربائية وشمال السودان ينتج الغذاء وجنوب السودان يوفر النفط فإن على مصر أن تدفع المال".

ولا شك أن هذه التطورات الإقليمية تؤثر يقينا على منظومة الأمن القومي المصري بحيث يمكن الحديث عن إستراتيجية جديدة لاحتواء مصر بعد ثورة 25 يناير وذلك لمصلحة قوى إقليمية أخرى مثل إثيوبيا وإسرائيل.

وعليه فإن على مصر والدول العربية الكبرى بعد أن تذهب السكرة وتأتي الفكرة أن تقوم بالتعامل مع الواقع الجديد بحيث يتم اجتذاب جنوب السودان صوب جواره العربي في الشمال وذلك من خلال استدعاء روابط التاريخ والجغرافيا واستخدام سلاح القوة الناعمة التي لم يحسن العرب استخدامه بعد.

فهل يمكن مثلا الحديث عن دعوة جنوب السودان للانضمام إلى الجامعة العربية؟ أم أننا سوف نجري دائما خلف الفرص الضائعة!

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك