زياد منى

زياد منى

كاتب فلسطيني


لا شك في أن انهيار الوضع الاقتصادي للقسم الأكبر من الجماهير يقف خلف الانتفاضات الشعبية العربية الحالية. فتفاقم حالة إفقار الشعب، عادة ما يربط، وعن حق، بنظام فاسد يتبع سياسات اقتصادية خرقاء تقود البلاد إلى حافة الهاوية، وهو تحديدا ما دفع الجماهير إلى رفع شعار (الشعب يريد إسقاط النظام).

ليس ثمة من دول فقيرة، هناك سوء توزيع للثروة الوطنية. فإذا ما نظرنا إلى كل من تونس ومصر على سبيل المثال، نعثر فورا على جذور التدهور الاقتصادي المدمر في إملاءات الدول الاستعمارية وأدوات هيمنتها الاقتصادية، أي "صندوق النقد الدولي" ومختلف مؤسساته مثل "البنك الدولي"، إضافة إلى "منظمة التجارة العالمية" وغيرها.

"
جذور التدهور الاقتصادي تكمن في إملاءات الدول الاستعمارية وأدوات هيمنتها الاقتصادية، أي "صندوق النقد الدولي" ومختلف مؤسساته
"
وهو ما يعترف به الآن العديد من اقتصاديي الغرب ومحلليه السياسيين (للعلم، أعلنت العديد من الدول الأوروبية يوم كتابة هذا المقال أن اليونان فقدت سيادتها وقريبا ستلحق بها دول أخرى في "الاتحاد الأوروبي") بقبولها شروط الاتحاد الأوروبي لدعمها اقتصاديا.. ألا يذكرنا هذا بفرض الغرب الاستعماري "الوزارة الأوروبية" على مصر بعدما أعلن إفلاسها في سبعينيات القرن التاسع عشر)!.

ويمكن للراغب في الاستزادة عن هدف المؤسسات آنفة الذكر الاستعماري ودورها الأساس في تدمير اقتصادات كثير من "الدول النامية" آنفة الذكر العودة إلى مؤلفات عديدة صدرت حديثا، ومنها كتاب الفرنسي إريك توسن عن "البنك الدولي"، ومؤلفات الاقتصادي الكوري ها-جون تشنغ منها كتاب "محسنون سيئون"، إضافة إلى مقالات عديدة كتبها اقتصاديون عالميون ونشروها في أخيرا في دوريات اقتصادية متخصصة.

إن الظن بأن حكام الغرب الاستعماري يكترثون برفاه أي كان يعكس تفكيرا ساذجا وسطحيا، لماذا لا يهتمون بمصير فقراء بلاد(هِم) وضعفاء شعوب(هِم)!؛ مثلا في ألمانيا نحو نصف مليون مشرد ينامون في العراء.

كما فضحت الأزمة المالية الهائلة التي عصفت بعالم رأس المال قبل سنتين طبيعة المعسكر الاستعماري وتلك الأنظمة، حيث لم تقدم الحكومات الغربية المساعدات لمئات الآلاف من أصحاب المؤسسات الصغيرة التي أفلست بسبب مضاربات مغامري النظام الرأسمالي العالمي في أسواق المال أو إلى العمال الذين فقدوا وظائفهم، بل ذهبت كلها إلى كبار الصناعيين والمصارف، وفوق ذلك كله بلا شروط. هذه حقيقة معروفة وتباهي الحكومات بها علانية بلا أي خجل.

الكلمة الفصل في سياسات دول الغرب للمؤسسة الحاكمة التي تتكون من كبار الصناعيين والمصرفيين (وخدمهم في مختلف قطاعات الحياة)، والذين يمولون الحملات الانتخابية التي تفرز "ممثلي الشعب" المزعومين (طبعا المنتخبين بحرية كاملة)!

فقط الجهلاء والأغبياء يظنون أن زعماء الغرب الاستعماري منشغلون، ولو لطرفة عين، بمصير أي شعب ورفاهه.

الأمر الوحيد الذي يهم أيا من حكام الغرب الاستعماري البقاء في السلطة. وحتى يضمن ذلك عليه تنفيذ سياسة من أوصلهم إليها، في الولايات المتحدة المؤسسة الحاكمة هي (التجمع الصناعي-العسكري) الذي حذر رئيس الولايات المتحدة الأميركية الجنرال دوايت آيزنهاور عام 1961 من هيمنته على مختلف مناحي الحياة في بلاده.

لكن تصدر العامل الاقتصادي لا يعني إطلاقا انتفاء وجود أسباب إضافية مكملة للغضب الشعبي. فإذا أخذنا حالة مصر، فقد مرغ حكامها المطرودون المنبوذون كبرياء شعبها في الوحل وسلبوه كرامته عبر الانصياع التام لشروط واشنطن والعدو الصهيوني وأقاموا معهما تحالفا ضد كل ما يمكن في صالح مصر خاصة، والعرب عامة، ما أشعر المواطن، شديد الاعتزاز بمصريته وتاريخ بلاده العريق (والعربي أيضا)، بالمهانة والإذلال.

هذا لا ينسينا عوامل أخرى مساهمة في الغضب الشعبي يتصدرها تدخل أجهزة الأمن القمعية الإذلالي في تفاصيل حياة المواطن، وحَيْوَنَتِه (وفق تعبير صديقنا العزيز الراحل ممدوح عدوان).

هذا يعني أن أولى واجبات "طليعة" التحركات الشعبية "الثورية" المطالِبة بالتغيير في بلادنا، طرح المسألة الاقتصادية، أي: معنى شعارات الحرية والديمقراطية .. التي ترفعها.

هل المطلوب تغيير أشخاص وأسلوب قمع الشعب واضطهاده؟ أم التحرر الفعلي الذي يعني التخلص من هيمنة الرأسمال العالمي وإملاءات أدواته المؤسساتية، وكذلك ضبط سيطرة رأس المال المحلي الكبير، المحصور بأيد محدودة والمتحالف مع أجهزة المؤسسة الحاكمة، على مقدرات البلاد؟

"إسقاط النظام" يعني تغيير الأشخاص فقط، و"الثورة" تعني تغيير هيكليته وبنيته الاقتصادية، وبالتالي السياسية، لصالح "عقد اجتماعي" يضمن تطور المجتمع على نحو يكفل أكبر قدر ممكن من العدالة الاجتماعية لمختلف فئات الشعب وطبقاته وفي مقدمتها الفقيرة والضعيفة، وضمن المفهوم الأوسع للحرية.

أما طرح مطالب الانتفاضات الشعبية ضمن نظرة رومانسية تقوم على شعارات جذابة، لكنها مبهمة المعنى، فتعكس جهلا مريعا وستقودنا حتما إلى كوارث إضافية.

أما المضللون فيتخفون وراء شعارات عامة براقة، تخطف الأبصار وتعمي البصيرة، همهم الوحيد الجلوس على كرسي السلطة.. ولا ثورة ولا حرية ولا عدالة ولا ما يحزنون!.

لقد قدم الاقتصادي العالمي الشهير ها-جون تشنغ في مؤلفاته العديدة أمثلة مختلفة على إمكانية النمو المستقل في "الدول النامية" وفق حاجات كل مجتمع أو دولة بعينها، بعيدا من "توصيات" المؤسسات المالية الإمبريالية التي هي وصايات وشروط، وإمكانية تجنب أضرار تدخلها في تحديد اتجاه نموها الاقتصادي.

"
إذا كان هدف "قادة" الانتفاضات، أيا كانوا، التحرر الحقيقي وليس استبدال طاغية بطاغية، فعليهم التصدي للمهام الاقتصادية الوطنية الملحة للغاية
"
كما عرض أمثلة حية على صحة رؤيته من بلاد عديدة منها إندونيسيا، وأعطى نماذج عديدة لنجاح منقطع النظير للقطاع العام (مثلا: شركة طيران سنغافورة التي تعد أفضل شركة طيران في العالم وأكثرها نجاحا اقتصاديا).

إذا كان هدف "قادة" الانتفاضات، أيا كانوا، التحرر الحقيقي وليس الاستبدال من طاغية منتخب "بحرية كاملة لا تشوبها شائبة" بطاغية فرض نفسه بطريقة من الطرق، فعليهم التصدي للمهام الاقتصادية الوطنية الملحة للغاية وحتى الأقل إلحاحا، بما سيقود إلى الصدام مجددا برغبة الغرب الاستعماري وسعيه الدائمين للهيمنة على العالم ونهب ثرواته.

الثورة تعني تغييرا جذريا في مختلف مناحي الحياة وفي مقدمة ذلك الاقتصاد، والانقلاب، أيا كان شكله، يعني تغيير الأشخاص فقط.

الصدام بمؤسسات هيمنة الغرب الاقتصادية لم ينشأ بسبب انحياز بعض الدول لطرف إبان "الحرب الباردة" وانقسام العالم إلى معسكرين، بل نتيجة لها. فكلنا يذكر أن الولايات المتحدة وضعت شروطا اقتصادية وسياسية وعسكرية على مصر عبد الناصر مقابل الموافقة على تمويل "البنك الدولي" بناء السد العالي، وهو مشروع اقتصادي بحت، لكنه يدعم استقلالها السياسي.

كما نعرف أن الإمبريالية الأميركية ربطت، في أحيان كثيرة، مبيعات القمح لمصر بمواقفها من الصراع العربي-الصهيوني، الذي هو في جوهره صراع عربي-إمبريالي (وكيان العدو الصهيوني جزء من المنظومة الإمبريالية، أي الاستعمارية، العالمية).

مرة أخرى، الشيء الوحيد الذي يقدم مجانا هو قطعة الجبن في مصيدة الفأر.

التحرر الحقيقي، أي الاقتصادي، يعني مواجهة إملاءات أي طرف يسعى للهيمنة على بلادنا ومقدراتنا ومقاومة شروطه و"توصياته". والارتهان الاقتصادي لرأس المال العالمي يعني الخضوع لإملاءاته جميعها.

إن صدام حركات "ثورية" جديدة وليدة بالإمبريالية العالمية ومختلف مؤسساتها المالية، سيكون حتميا إن كانت تسعى حقا للاستقلال الحقيقي والتطور الاقتصادي الاجتماعي الحر. وهذا سيقود حتما إلى الصدام السياسي.

ولأن جوهر صراع شعوب أمتنا العربية مع الغرب الاستعماري استكمال التحرر (وفي حالة العراق وليبيا العودة إلى الوراء أكثر من نصف قرن، للتحرر من الاحتلال وإعادة توحيد البلاد)، يقف في قلب أي ثورة حقيقية في بلادنا مطلب تحرير فلسطين وحق العرب فيها، واستبدال دولتهم العربية الحرة فيها بالكيان الصهيوني العنصري.

فلسطين بوصلة النضال من أجل التحرر من هيمنة الغرب الاستعماري في كل بلد عربي. من يرفض هيمنة الغرب الاستعماري، أيا كانت تجلياتها، ويريد التحرر الوطني الحقيقي، لا الشكلي، لا بد أن يتصدى أيضا لمسألة تحرير فلسطين.

فطرح الغرب الاستعماري وتبنيه مشروع اغتصاب فلسطين، أي القائم على طرد أهلها منها، واستبدال تجمعات يهودية غربية عنصرية مهجرة بأصحابها التاريخيين، يعتمد اعتمادا كاملا على خرافات توراتية وتأويلات لاهوتية ألفية (الصهيونية المسيحية).

فالتعصب الديني، وعلى عكس ما يحاول عربان الليبرالية الجديدة خداعنا بغير ذلك، يشكل أحد مكونات فكر الحضارة الغربية المفصلية، وإن كان على نحو موار أحيانا. والمهتم بالموضوع يمكنه العودة إلى مؤلفات متخصصة صدرت حديثا، ومنها كتاب مايكل ألن غلسبي (الجذور اللاهوتية للحداثة، الصادر عن دار نشر جامعة شيكاغو).

والتعبير الصارخ عن الالتحام العضوي والمصيري بين "الحضارة الغربية الاستعمارية" واغتصاب فلسطين ضمن مفاهيم "الصهيونية المسيحية"، أطلقه آرثر بلفور بكلمات واضحة عندما قال: "التناقض بين التعهد [لـ"عصبة الأمم"] وسياسة الحلفاء يظهر على نحو أكثر فظاعة في حالة فلسطين مقارنة بتلك المرتبطة بحالة سوريا. فما يخص فلسطين، فإننا لا نقترح حتى المرور بشكلية استشارة رغبات سكان تلك البلاد الحاليين عبر اللجنة الأميركية [لجنة كِنْغ-كرين] .. إن القوى العظمي الأربعة [بريطانيا وفرنسة وإيطاليا والولايات المتحدة] ملتزمة بالصهيونية.

والصهيونية، سواءً كانت محقة أو مخطئة، جيدة أو سيئة، متجذرة في تقاليدنا الأزلية، وفي حاجاتنا الحالية وآمالنا المستقبلية، وهي أهم بما لا يقاس من رغبات وهوى السبعمائة ألف عربي الذين يقطنون حاليا تلك البلاد العتيقة..".

هذا الالتحام العضوي والمصيري يعبر عن نفسه الآن في مطالبة الغرب الاستعماري الاعتراف بدولة يهودية "صافية"، أي دولة دينية خاصة باليهود (لكن فقط الذين يرضى عنهم وزير داخلية دولة العدو حيث مُنح سلطة ليس فقط منع أي "يهودي" من الإقامة في "دولة اليهود"، بل حتى من دخولها)، ما يعني تطهيرا عرقيا جديدا، مع أن مبدأ الدولة الدينية و"العرقية" يتعارض مع كل دساتير الدول الغربية وقوانينها، ورفعه فيها جريمة.

لذا فإن مطالبتنا الناطقين باسم الانتفاضات الشعبية، الحقيقيين أو الوهميين، الإعلان عن موقف واضح من فلسطين والعدو ليس إثقالهم بأعباء إضافية وإنما تذكيرهم بضرورة إعلان أسس برامجهم الاقتصادية-السياسية الوطنية، الذين يدعون إليها ويحرضون الجماهير على التضحية من أجلها بالمال والروح.

"
الارتباط بفلسطين يجمع العرب ولا يفرقهم، والالتزام بتحرير فلسطين يثلج صدور العرب ولا يزعجهم
"
فالإعلان عن الموقف من القضية الفلسطينية، وهي قضية وطنية بامتياز لكل بلد عربي، ولكل مواطن عربي يمتلك الحد الأدنى من الشعور الوطني والقومي، يعبر عن جوهر تلك الحركات والتحركات وسياساتها، ويضعها أمام استحقاقات من غير الممكن لها أن تتهرب منها أو أن تؤجلها تحت أي ذريعة.

الارتباط بفلسطين يجمع العرب ولا يفرقهم، والالتزام بتحرير فلسطين يثلج صدور العرب ولا يزعجهم، ولنا في الالتحامات الشعبية العفوية بالمقاومة في لبنان وفلسطين شواهد تكذب كل من ينكر ذلك.

فقط طرح البرنامج الوطني، الاقتصادي-السياسي، يفصح عن أهداف "طلائع" الانتفاضات الاقتصادية-السياسية والوطنية، والصمت عن ذلك يعني خداع الجماهير واستخدامها مطية لأهداف شخصية ليس أكثر.

صمت "الطلائع" التام حيال الأمور والبرامج الاقتصادية و-السياسية الوطنية والقومية الملحة، التي تمنح أي "طليعة" تحرك شعبي هويته الحقيقية، فأمر مريب حقا، يعكس إما جهلا وضياعا سياسيا مدمرين، أو تواطؤا وتآمرا، بهدف الاستيلاء على كرسي الحكم لخدمة أجندات استعمارية خارجية. ولا حول ولا قوة إلا بالله.

المصدر : الجزيرة

التعليقات