عبد السلام محمد

عبد السلام محمد

عبد السلام محمد


تحالفات صالح
البرغماتية والأيديولوجية
تحالف الثورة الشبابية
تحالفات جماعات العنف
قاعدة صالح؟

ما إن انفجرت الثورات العربية حتى اتضح كثير من خبايا وأسرار الأنظمة ومن بينها النظام اليمني الذي حاول جاهدا خلال السنوات الماضية اتهام القبائل بدعم وحماية واحتضان القاعدة.

فخلال السنوات الماضية ظل اسم القبيلة رديفا للفوضى لدى كثير من المهتمين بالشأن اليمني، وساعد في ذلك عدم الفهم الحقيقي لدى كثير من الباحثين المحليين والأجانب للتركيبة الاجتماعية للبلاد.

تحالفات صالح
ولج الرئيس صالح القرن الواحد والعشرين كقائد عظيم يحكم مجتمعا قبليا متخلفا صعب المراس -حسب ما يرى- في حين كان يجر وراءه وطنا شبه ممزق وأمة متصارعة.

يحكم  صالح بلدا توحد شطراه الشمالي والجنوبي في 22 مايو/ أيار 1990م، وكان على رأس نظام صنعاء منذ 17 يوليو/ تموز  1978م، ومنذ ذلك الحين خاض خلال سنوات حكمه معارك من التحالفات السياسية والاجتماعية.

فقد تحالف مع القبائل للوصول إلى السلطة والقضاء على معارضيه الناصريين، ومن ثم تحالف مع الإسلاميين لضرب الجبهة الاشتراكية المدعومة من النظام الجنوبي مطلع الثمانينات. وبتحالفه مع قوميين ويساريين وقبليين تمكن من إحداث صراع مسلح بين فصائل الاشتراكي في النظام الجنوبي عام 1986م، وتحالف مع شريك الحكم بعد الوحدة اليمنية  (الحزب الاشتراكي) لإضعاف الإسلاميين مطلع التسعينات، وبعد أربع سنوات من تحقيق الوحدة اليمنية عاد للتحالف مع الإسلاميين والمؤسسة القبلية لشن حرب صيف 1994م ضد القادة الشركاء في الحكم.

"
تحالف صالح مع القبائل للوصول إلى السلطة، ثم تحالف مع الإسلاميين ضد الاشتراكيين, ومع الاشتراكيين ضد الإسلاميين, ثم العكس مرة أخرى
"
تمكن نظام الرئيس صالح في ظل ضعف عام اعترى القوى السياسية والاجتماعية من خلق كتلة جديدة من بين ركام الصراعات الحزبية والقبلية لها سمة برغماتية وتمتلك وسائل فساد سرعت من ثرائها فأصبح رقما صعبا في ساحة لم يعد يحترف اللعب فيها الكثير.

غير أن هذه الساحة ليست فارغة ولم يبق صالح اللاعب الوحيد فيها، فهناك من يرقبها عن كثب من الداخل والخارج، ولكنه كان يرى أن بإمكانه السيطرة عليها دون منازع من خلال إدارة فوضى كبيرة قد تكون ضرورية لإتمام عملية التوريث في المستقبل.

ومع ربيع الثورات الشعبية العربية التي انطلقت من تونس ومن ثم مصر وحققت أهدافها في إسقاط نظامين بوسائل سلمية، تطلع معظم اليمنيين في فبراير/ شباط 2011 م إلى إسقاط نظام الرئيس صالح بذات الوسائل السلمية فتركوا أسلحتهم في منازلهم وخرجوا إلى ميادين التغيير.

وخلال أربعة أشهر تمكنوا من إقناع العالم بسمو هدفهم وشرعية ثورتهم وسلمية وسائلهم رغم أعمال القمع والقتل المستمرة في أوساطهم.

البرغماتية والأيديولوجية
القبيلة اليمنية مثل كل القبائل العربية لها أعرافها وعاداتها وتقاليدها، وتقوم علاقاتها على المصالح المشتركة، وشكلت قبائل (حاشد وبكيل ومذحج) نسيجا اجتماعيا قويا، إلا أن النظام ساعد على إظهارها بمظهر مرتبط بالعنف والحروب.

وخلال سنوات حكم الرئيس صالح عانت القبيلة اليمنية من الحرمان والتهميش، واكتفى نظامه بدعم رؤوسها المؤثرين، وأصبحوا على مسافة مختلفة من النظام تحت مبررات الولاء الوطني، ولكن الولاء الشخصي المقياس الأهم كهدف لإضعاف القبيلة وتطويعها، لكن أفرادها يدركون أن مصالحهم تتعرض للخطر.

وما إن هبت رياح الكرامة من خلال الثورات الشبابية حتى انضوت القبيلة بكل ما تملك مع ثورة الشباب اليمني تاركة السلاح والحروب وراءها، فحولتها إلى ثورة شعبية من أهم سماتها "السلمية" ولم تجعل الأحداث التي تعمد النظام من خلالها إلى قتل كثير من أبناء القبائل أن يجر القبيلة إلى مربع العنف إلا أنه وجد لأبنائها صمودا كبيرا في ساحات التغيير.

"
ما إن هبت رياح الكرامة من خلال الثورات الشبابية حتى انضوت القبيلة بكل ما تملك مع ثورة الشباب اليمني تاركة السلاح والحروب وراءها
"
عاد النظام للبحث عن وسيلة لتشتيت قوة خصومه في الداخل من خلال جر القبيلة من مربع الغضب السلمي إلى مربع العنف الدموي، فوجد في استهداف منزل أهم زعمائها ونجل الشيخ الراحل عبد الله بن حسين الأحمر أقوى شيخ قبلي في تاريخ اليمن المعاصر فرصة مواتية لتحقيق الهدف، لكن القبائل تداعت وأصرت على استمرار نهج السلمية لثورتهم وحصر المواجهات في أضيق حدودها وهو الدفاع عن زعيم القبيلة ومنزله الذي يمثل علامة رمزية للنظام القبلي.

كما أن النظام رأى في تنظيم القاعدة رسالة أخرى لإخافة الخارج، كون القاعدة ترى في اليمن ميزات أهمها التركيبة القبلية وانتشار السلاح.

ولأن قانون القبيلة في اليمن القائم على المصلحة لا يرضي رغبات كثير من قيادات القاعدة الجامحة باعتراف أهم منظريها عمر عبد الحكيم (أبو مصعب السوري)، فإن بعض من درسوا واقع اليمن أمثال السفير الأميركي السابق أدموند هول لا يرى في أن هناك تبعية عميقة الجذور بين القبائل اليمنية وحركة القاعدة، إذ تميل القبائل إلى أن تكون انتهازية وبرغماتية وليست أيديولوجية، حسب ما يقول.

تحالف الثورة الشبابية
قبل أن تندلع براكين الثورة الشعبية المطالبة بإسقاط النظام في اليمن كانت هناك مخاوف من حصول مزيج من التحالفات بين القوى الراديكالية المتطرفة والمجاميع القبلية المتخلفة، لكن المشهد في اليمن تغير بمجرد خروج الشباب في تظاهرات مطالبة بإسقاط النظام في فبراير/ شباط الماضي.

وشكل إعلان شيخ مشايخ حاشد صادق الأحمر ورئيس مؤتمر قبائل بكيل أمين العكيمي وهما على رأس أكبر قبيلتين يمنيتين (حاشد وبكيل) دعم الاحتجاجات السلمية المطالبة بإسقاط نظام صالح، علامة فارقة في تاريخ التحالف بين النظام والقبيلة.

وجد الطامحون في التغيير من أبناء القبائل في الثورة السلمية ملاذا آمنا ومشرفا، والتحق أبناء القبائل بهذه الثورة حتى أولئك الذين كانوا متقاربين في التفكير مع تنظيم القاعدة بضرورة التغيير ولو بقوة السلاح، ومن بينهم شخصيات سلفية وبعضها جهادية.

وأعلنت جهات سلفية كانت لا تؤمن بالعمل الحزبي عن بدء ممارستها للعمل السياسي من خلال تكويناتها المنضوية في إطار الثورة السلمية.

"
تمكنت الثورة السلمية من تفكيك التحالفات بين القبيلة اليمنية وخيارات الحرب، وعقدت تحالفا شعبيا مدنيا لا يوجد خارجه سوى نظام الرئيس صالح وتنظيم القاعدة
"
بدا تنظيم القاعدة الجريح في اليمن بعد اندلاع الاحتجاجات ومقتل أسامة بن لادن وتخلي أنصار فكره عنه، يتيما، مكسور الجناح، مكشوفا لا تعاطف أو حماية لأعضائه من القبائل.

أعطت هذه الثورات شهادة وفاة لفكر العنف الذي لم يستطع تغيير نظام واحد، وولد فكر جديد يؤمن بسلمية النضال حتى إسقاط الأنظمة المستبدة، وأصبحت القبيلة اليمنية ترى في العنف خيانة للثورة السلمية التي أيدها أبناؤها، وقدمت الشهداء في ساحات التغيير.

وقد تخلى الحراك الجنوبي أيضا عن خيار اللجوء للسلاح الذي ظل بعض قياداته يهددون به في حال لم يحصلوا على مطلب الانفصال بعد سنوات من الاحتجاجات السلمية، ودعموا ثورة الشعب السلمية، ومثلهم تخلى الحوثيون في الشمال عن تمردهم المسلح.

وتمكنت الثورة السلمية من تفكيك التحالفات بين القبيلة اليمنية وخيارات الحرب، وعقدت تحالفا شعبيا مدنيا لا يوجد خارجه سوى نظام الرئيس صالح وتنظيم القاعدة.

تحالفات جماعات العنف
شعر نظام صالح أنه عاجز عن إنهاء الثورة السلمية المطالبة بإسقاط نظامه، فعاد لإحياء تحالفات سابقة مع الجهاديين وتنظيم القاعدة وبعض المحسوبين على التيار الحوثي.

تهديدات صالح بأن رحيله سيجعل القاعدة تسيطر على خمس محافظات يمنية أتبعت بالفعل، وسحب المسؤولين الأمنيين والحكوميين من محافظة أبين التي يوجد في جبالها جهاديون وقاعديون، ما حدا بمسلحين للسيطرة عليها.

وهذه الحادثة جاءت بعد حادثة شبيهة تمثلت في إخلاء معسكر تابع لوزارة الدفاع منوط به مهمة حراسة مصنع للذخائر في أبين مارس/ آذار الماضي، وعقب انسحاب العسكريين البالغ عددهم 180 جنديا، دخل الجهاديون ونهبوا المعدات الثقيلة، وحصلوا على أكثر من مليوني طلقة رصاص.

وبينما تريد الثورة إسقاط نظام صالح، تلقي حركة المسلحين الذين ينتمون "للقاعدة" -وفق سيناريو الرئيس المعلن- بظلال الشك والريبة حول حقيقتهم ومن يدعمهم، خاصة وأن هدف القاعدة الذي تسعى إليه هو إسقاط الأنظمة ومن بينهم نظام صالح الذي تصفه بالرئيس "المرتد".

"
حاول صالح جاهدا إحياء تحالفاته مع التنظيمات الجهادية وأطراف محسوبة على جماعة الحوثي والحراك الجنوبي، ويحاول من جديد جر الجميع إلى مربع الاقتتال والعنف
"
لقد عززت حادثة مقتل بن لادن في أحد المنازل المجاورة لقاعدة عسكرية باكستانية كثيرا من الاحتمالات التي ترى وجود دعم واستغلال للقاعدة من قبل الأنظمة التي تستغل هذا (البعبع) لضمان استمرارها.

وهناك اتهامات من قبل قادة في الجيش اليمني للنظام بتسليم معسكرات خارج وداخل صنعاء لمسلحين مدنيين أطلق عليهم (البلاطجة)، ويعتقد البعض أن لدى صالح محاولات لتسليم أي معسكر يسقط في صنعاء إلى شخصيات لها ارتباطات بجماعة الحوثي الذين ظل موقفهم الرسمي إلى الآن داعما للثورة السلمية.

وتدلل بعض الحقائق على الأرض على أن هناك محاولات لصالح في تأجيج حرب أهلية من خلال إدخال الحوثيين للمواجهة في الحرب التي يشنها على أسرة الشيخ الأحمر، فهناك حديث لقيادات عسكرية واجتماعية في بعض المحافظات الشمالية معروفة بقربها وولائها للرئيس صالح بأن ولاءها سيكون مستقبلا للحوثي رغم أنها قادت ما يعرف بالجيش الشعبي للقتال ضد الحوثي في سنوات التمرد الماضية.

وكما أنه وبعد إعلان قيادة الحراك التوقف عن مطلب الانفصال والانضمام لثورة الشعب المطالبة بإسقاط النظام بقيت شخصيات كانت محسوبة على نظام صالح تكرس بأعمالها مشروع الانفصال من خلال تنفيذ عمليات مسلحة ضد الجيش الذي يحاول الوصول إلى أبين.

ومن هنا فإن نظام صالح حاول جاهدا إحياء تحالفاته مع التنظيمات الجهادية وأطراف محسوبة على جماعة الحوثي والحراك الجنوبي، ويحاول من جديد جر الجميع إلى مربع الاقتتال والعنف لضمان الخروج من مأزق الثورة الشعبية التي تهدف إلى إسقاطه.

قاعدة صالح؟
في محافظة أبين, سيطر مسلحون جهاديون وأعلنوا إمارة زنجبار الإسلامية تحت إمرة شخص يدعى "جلال بلعيدي حمزة". وهذا الأمير - 28 عاما - مغمور وغير معروف ، لكن يعتقد أن علاقة شخصية مع أحد الأفراد المحسوبين على تنظيم القاعدة قد تكون وراء تنصيبه خوفا من حصول خلافات بين كبار القادة المسلحين- حسب مصدر مقرب.

ويميز أبناء المحافظة بين المسلحين، ومن خلال ما يطرحونه نجد أنهم عبارة عن أربعة مجاميع أهمها، المحسوبون على (قاعدة الجزيرة العربية) ويرأسها شخص سعودي الجنسية يدعى (أبو علي)، وهؤلاء معظمهم ومن خلال لكنتهم خليجيون إضافة إلى بعض الأجانب.

أما المجموعة الثانية فهم من الجهاديين والبعض يعتقد انتماءهم لجماعة جيش عدن أبين الإسلامي والتي يقودها خالد عبد النبي، لكن هناك معلومات تشير إلى خلافات نشأت بين الجهاديين والقاعدة جعلت عبد النبي ينسحب مع أنصاره من عملية الهجوم على المحافظة فنزل 100 مسلح للسيطرة على المدينة.

المجموعة الثالثة وهي مجموعة يقودها شخص يدعى (سامي) ويسمون في اليمن (بلاطجة) وهم من أنصار الرئيس صالح والحزب الحاكم والبعض محسوب على أجهزة المخابرات والأمن والحرس الجمهوري، في حين يقود المجموعة الرابعة شخص آخر يدعى (نادر) ويعتقد أن هذه المجموعة تضم مجرمين تم إطلاق سراحهم من السجون إلى جانب مهربين للمخدرات والسلاح، والمجموعتان الأخيرتان يصل عددهما إلى 200 شخص مع بداية الأحداث.

حاول المسلحون أكثر من مرة اقتحام اللواء 25 ميكانيك التابع للجيش اليمني الذي رفض الاستسلام، لكنهم استولوا على معسكر للأمن العام ومقر للمخابرات ومبنى المحافظة بعد انسحاب مفاجئ للمسؤولين المدنيين والعسكريين.

"
يظل السؤال الذي يحتاج إلى إجابة بالنظر إلى سير الأحداث وحصار المئات لمعسكر كبير (للواء 25 ميكانيك) إن كان هناك قاعدة في اليمن، أم أنها (قاعدة صالح)؟!
"
وفي الأيام الثلاثة الأولى لم تستهدف ضربات الطيران الجوية والمدافع البحرية المسلحين بشكل مباشر خاصة الذين في معسكر الأمن والذي تساوي مساحته أربعة ملاعب كرة قدم، لكن هناك ضحايا في أوساط المدنيين والعسكريين من اللواء 25 ميكانيك. وتتهم المعارضة وقيادات عسكرية الرئيس صالح بالضغط عبر وساطات على قيادة هذا المعسكر لتسليمه للمسلحين.

وتأتي أهمية اللواء 25 ميكانيك من أنه أحد أقوى الألوية المتبقية من قوات العمالقة (النخبة) في عهد الرئيس السابق إبراهيم الحمدي، ويقول أحد أبناء أبين "في حال استسلام هذا المعسكر فإن المحافظات الجنوبية كلها ستسقط وليست أبين وحدها".

ويظل السؤال الذي يحتاج إلى إجابة بالنظر إلى سير الأحداث وحصار المئات لمعسكر كبير "إن كان هناك قاعدة في اليمن، أم أنها (قاعدة صالح؟!)"، وما بين القوسين مقتبس من عنوان ظهر على حلقة برنامج "ساعة حرة" من قناة الحرة التي تمولها الخارجية الأميركية والمعروف بارتباطها الوثيق بالاستخبارات الأميركية التي تعرف جيدا الواقع الميداني للقاعدة في اليمن.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك